قال ابن باز ﵀: «الفرق بين المعجزة والكرامةِ والأحوالِ الشيطانية: أن المعجزة هي ما يُجري اللهُ على أيدي الرسل والأنبياء من خوارقِ العادات؛ من انشقاق القمر، ونزول القرآن، فإن القرآن هو أعظم معجزة على الإطلاق، وحنينِ الجذع ونبوعِ الماء من بين أصابعه، وأما الكرامةُ فهي ما يُجري الله على أيدي أوليائه المؤمنين من خوارقِ العادات، وشرطُ كونها كرامة: أن يكون مَن جرت على يديه مستقيمًا على الإيمان، ومتابعةِ الشريعة، فإن كان خلافَ ذلك، فالجاري على يده من الخوارق هو من الأحوال الشيطانية».
ثم ذكر ﵀ فائدة جليلة تتعلق بهذا الموضوع، فقال: «لِيُعْلمْ أن عدم حصول الكرامة لبعض المسلمين لا يدل على نقص إيمانهم؛ لأن الكرامة إنما تقع لأسباب؛ منها: تقوية إيمان العبد وتثبيته، ولهذا لم يَر كثير من الصحابة شيئًا من الكرامات لقوة إيمانهم وقوة يقينهم، ومنها: لإقامة الحجة على العدو كما حصل لخالد لما أكل السم، وكان قد حاصر حصنًا فامتنعوا عليه حتى يأكله، فأكله وفتح الحصن، ومثل ذلك ما جرى لأبي مسلم الخَوْلاني لما ألقاه الأسودُ العَنْسي في النار، فأنجاه الله من ذلك لحاجته لتلك الكرامة، وكقصة أم أيمن لما خرجت مهاجرةً واشتد بها العطشُ سمعت حِسًّا من فوقها فرفعت رأسَها فإذا بدلوٍ من الماء فشربت منه» (^١).
_________________
(١) ينظر: تعليقُه على التنبيهات اللطيفة ص (١١٠ - ١١١).
[ ٢٠٤ ]
وبين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية: فروقٌ متعددة، منها: أن كرامات الأولياء سببُها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله.
فالقول على الله بغير علم، والشرك والظلم والفواحش؛ قد حرَّمها الله تعالى ورسوله، فلا تكون سببًا لكرامة الله تعالى، ولا يستعان بالكرامات عليها.
ومن أهل الأحوال من إذا حضر سماعَ المكاء والتصدية يتنزلُ عليه شيطانُه حتى يحمله في الهواء، ويخرجه من تلك الدار، فإذا حضر رجل من أولياء الله تعالى، طرد شيطانه فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد.
ومن هؤلاء مَن يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت، سواءٌ كان ذلك المخلوق مسلمًا أو نصرانيًا أو مشركًا، فيتصور الشيطانُ بصورة ذلك المستغاث به، ويقضي بعضَ حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص، أو هو ملَك تصور على صورته، وإنما هو شيطان أضلَّه لما أشرك بالله، كما كانت الشياطين تَدخل في الأصنام وتكلم المشركين.
ومن هؤلاء مَن يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر، وربما أخبره ببعض الأمور، وأعانه على بعض مطالبه.
وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب، يموتُ لهم الميتُ، فيأتي الشيطانُ بعد موته على صورته، وهم يعتقدون أنه ذلك الميت، ويقضي
[ ٢٠٥ ]
الديون، ويرد الودائع (^١).
ومن هؤلاء شيخٌ كان بمصر أوصى خادمَه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدًا يغسلني، فأنا أجيء وأغسل نفسي، فلما مات رأى خادمُه شخصًا في صورته، فاعتقد أنه جاء ليغسل نفسه، فتأمل كيف جاء الشيطان في صورته ليغوي الأحياء، كما أغوى الميتَ قبل ذلك.
ومنهم من يرى عرشًا في الهواء، وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربُّك، فإن كان من أهل المعرفة، علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه، فيزول ذلك.
ومنهم من يرى أشخاصًا في اليَقَظَة يَدَّعي أحدُهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين، ويكون من الشياطين، وقد جرى هذا لغير واحد.
ومنهم مَن يرى ذلك عند قبر الذي يزوره، فيرى القبرَ قد انشق وخرج إليه صورة، فيعتقدها الميتَ، وإنما هو جني تصور بتلك الصورة.
وكل من قال: إنه رأى نبيًّا بعين رأسه فما رأى إلا خيالًا.
وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة.
ومِن أعظم ما يقوِّي الأحوالَ الشيطانية: سماعُ الغناء والملاهي وهو سماع المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥].
_________________
(١) ينظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص (٢٣٦ - ٢٣٧) بتصرف.
[ ٢٠٦ ]
قال ابن عباس وابن عمر ﵄ وغيرُهما من السلف: «التصدية: التصفيق باليد، والمكاء: مثل الصفير». فكان المشركون يتخذون هذا عبادةً (^١).
وكان أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ، والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي موسى الأشعري ﵁: «ذكِّرْنا ربَّنا، فيقرأ وهم يستمعون» (^٢).
فأولياء الله الذين تجري على أيديهم الكرامات: هم المؤمنون المتقون، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٢٦،٦٣].
وفي الحديث الصحيح الذي رواه «البخاري» (^٣) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ»، فهذا أصح حديث يُروى في الأولياء، فبيَّن النبي - ﷺ - أن من عادى وليًّا لله، فقد بارز الله بالمحاربة.
وكل حديث يروى عن النبي ﷺ في عِدَّةِ الأولياء، والأبدال، والنقباء،
_________________
(١) ينظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص (٢٣٧ - ٢٥٠) بتصرف.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٤٨٦) رقم (٤١٧٩)، والدارمي في سننه (٤/ ٢١٩٠) رقم (٣٥٣٦)، وابن حبان في صحيحه (١٦/ ١٦٩) رقم (٧١٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٨).
(٣) صحيح البخاري (٨/ ١٠٥) رقم (٦٥٠٢).
[ ٢٠٧ ]
والنجباء، والأوتاد، والأقطاب، أو القُطب الواحد، فليس بصحيح عنه - ﷺ -، ولم ينطق السلف بشيء من هذه الألفاظ، إلا بلفظ (الأبدال)، وقد جاء في الحديث: أنهم أربعون رجلًا، يكونون بالشام، والحديث منقطع ليس بثابت، أخرجه أحمد في مسنده (^١) من حديث علي ﵁.
وليس لأولياء الله شيء يتميَّزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس، ولا بحَلْق شعر أو تقصيره أو ظفره، إذا كان مباحًا، كما قيل: كم مِن صدِّيقٍ في قَباء، وكم من زنديقٍ في عَباء، بل يوجد في جميع أصناف أمة محمد - ﷺ -؛ فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجد في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار والصُّنَّاع والزُّرَّاع (^٢).