فَتُنْصَبُ المَوَازِينُ، فَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣]. وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ، الشرح
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦].
وفي الآية الأخرى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فُصِّلَت:٣٩]، وهذا المعنى في القرآن كثير (^١).
وقوله: «فَتُنْصَبُ المَوَازِينُ، فَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ» قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكذا نصوص السنة الدالة على وزن الأعمال.
وكذلك نشر الدواوين، وهي: صحائف الأعمال، والآيات في هذا كثيرة ذكر المُصَنِّف منها: قولَه تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء:١٤]، أي: ألزمناه عمله،
_________________
(١) توضيح مقاصد العقيدة الواسطية ص (١٧٣).
[ ١٧٨ ]
فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؛ كَمَا قَالَ - ﷾ -: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣،١٤]. وَيُحَاسِبُ اللهُ الخَلَائِقَ،
الشرح
ونصيبه في عنقه ملازم له.
﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ كتابًا حقيقيًّا، اللهُ أعلم بكيفيته.
﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ أي: مفتوحًا؛ كما قال: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠].
كتاب قد أُحصي على الإنسان فيه كلُّ صغير وكبير.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]. ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣] (^١).
وقوله: «وَيُحَاسِبُ اللهُ الخلَائِقَ» والحكمة من هذه المحاسبة إيقاف البشر على أعمالهم وتقريرُهم على معاصيهم؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٠٨].
قال شيخ الإسلام ﵀: «وبيان هذا أن الله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة، لا يَشغَلُه حساب هذا عن حساب هذا، وأدلة هذا كثيرة في الكتاب
_________________
(١) توضيح مقاصد العقيدة الواسطية ص (١٧٤،١٧٥).
[ ١٧٩ ]
وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلَا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا حَسَنَاتِ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ، فَتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا وَيُقَرَّرُونَ بِهَا.
الشرح
والسنة» (^١).
وقوله: «وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ».