الجواب: ليست خاصة بهم، ومريم ﵍ بلغت هذه المرتبة، قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: (٧٥)].
_________________
(١) صحيح البخاري (٥/ ٩) رقم (٣٦٧٥).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٨٠) رقم (٢٤١٧).
[ ٧٣ ]
وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ الَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، حَيْثُ يَقُولُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: (١) - (٤)].
الشرح
الصنف الثالث: الشهداء: الذين قتلوا في سبيل الله.
الصنف الرابع: الصالحون.
وهذه المرتبة شاملة لجميع الأنواع الثلاثة السابقة، وشامله أيضًا لمن كان دونهم في الإيمان ولم يبلغ هذه المراتب.
مَنِ الصالحُ؟ اختلف أهل العلم في تعريف الصالح، والأقرب في الصالح أنه الذي قام بحق الله وحق عباده.
قوله: «وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ » شرع المُصَنِّف في ذكر بعض النصوص الواردة في الكتاب والسنة في الإيمان بالله تعالى والإيمان بما جاءت به هذه النصوص، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييفٍ ولا تمثيل.
أطال ﵀ في ذكر الآيات والأحاديث في باب الأسماء والصفات.
واستفتح بسورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، فعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ القرآن؟ قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ القرآنِ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن» (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٥٥٦) رقم (٨١١).
[ ٧٤ ]
وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: (٢٥٥)].
الشرح
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: «القرآن يحتوي على علوم عظيمة كثيرة، وهي ترجع إلى ثلاثة علوم: أحدها: علوم الأحكام والشرائع الداخل فيها علوم الفقه، كلها عبادات ومعاملات وتوابعهما. الثاني: علوم الجزاء على الأعمال والأسباب التي يُجازَى بها العاملون على ما يستحقون من خير وشر، وبيان تفصيل الثواب والعقاب. الثالث: علوم التوحيد، وما يجب على العباد من معرفته والإيمان به، وهو أشرف العلوم الثلاثة. وسورة الإخلاص كفيلة باشتمالها على أصول هذا العلم وقواعده» (^١).
قوله: «وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ ». ثنَّى المُصَنِّف ﵀ بذكر أعظم آية في القرآن؛ وهي آية الكرسي، والدليل على أنها أعظم آية ما رواه مسلم من حديث أبي بن كعب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا أَبَا المُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: والله لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ
_________________
(١) التنبيهات اللطيفة ص (٢٧ - ٢٩).
[ ٧٥ ]
أَبَا المنْذِرِ» (^١).
والسبب في كون هذه الآية أعظمَ آية في الكتاب: أنها اشتملت على جملة من أسماء الله وصفاته بحيث لا توجدُ آيةٌ في القرآن جمَعت من أسمائه وصفاته ما جمعت هذه الآيةُ الكريمة.
فقد تضمنت هذه الآية الكريمة من أسماء الله خمسةً، وهي: الله، الحي، القيوم، العلي، العظيم. وتضمنت من صفات الله خمسًا وعشرين صفة؛ منها خمس صفات مأخوذة من هذه الأسماء التي سبقت.
السادسة: انفراده بالألوهية ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
السابعة: انتفاء السِّنَة والنوم في حقه ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.
الثامنة: عموم مُلكه ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
التاسعة: انفراده ﷿ بالملك ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ حيث قدم الخبر، والخبر هنا: ﴿لَهُ﴾، والمبتدأ: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا التقديم له فائدة وهي: إفادة الاختصاص، وهو اختصاصه - ﷿ - بالملك.
العاشرة: قوة السلطان وكماله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٥٥٦) رقم (٨١٠).
[ ٧٦ ]
الحادية عشرة: إثبات العندية ﴿عِنْدَهُ﴾.
الثانية عشرة: إثبات الإذن ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
الثالثة عشرة: عموم علمه - ﷿ - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
الرابعة عشرة والخامسة عشرة: إثبات أنه - ﷾ - لا ينسى ما مضى، لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. ويعلم الحال والمستقبل لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.
السادسة عشرة: كمال العظمة.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ عجز الخلق عن الإحاطة يدل على كمال عظمته، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ عظمة هذا الكرسي من عظمة الله.
السابعة عشرة: إثبات المشيئة من قوله: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
الثامنة عشرة: إثبات الكرسي وهو موضع القدمين ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
وكون الكرسي موضع القدمين لم يرد في نصٍّ صحيحٍ مرفوعًا، وإنما جاء في بضعة آثار عن بعض الصحابة كابن عباس وأبي موسى الأشعري ﵄.
[ ٧٧ ]
ولفظ ابن عباس: «الكرسيُّ موضع القدمين، والعرش لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ» (^١).
ولكن هذه الآثار لها حكم المرفوع؛ لأن مثلها لا يقال بالرأي؛ ولا سيما أنها في باب الأسماء والصفات؛ فبذلك يثبت أَنَّ الكرسي موضع القدمين، كما هو قول أهل السنة والجماعة خلافًا للمعطلة.
التاسعة عشرة والعشرون والحادية والعشرون: إثبات القوة والقدرة والعظمة، مأخوذة من قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
وإيجاد هذا الكرسي بهذه العظمة -حيث وسع السموات والأرض- دليل على قدرته سبحانه، ودليل على القوة؛ لأن مثل هذا لا يصدر إلا من قوي قادر، ودليل على العظمة: لأن عظمة الكرسي من عظمة خالقه - ﷾ -.
الثانية والعشرون والثالثة والعشرون والرابعة والعشرون: كمال علمه ورحمته وحفظه، نأخذ ذلك من قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: حفظ السماوات والأرض لا يَكرِثُه ولا يشق عليه ولا يثقله لكمال قدرته وقوته؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: (٤١)].
ويَلزَم من حفظه السماواتِ والأرضَ إثباتُ صفة العلم وصفة الرح
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٤٨)، وابن أبي شيبة في كتاب العرش ص (٤٣٨).
[ ٧٨ ]