لا يجوز تخيل أي صفة من صفات الله، ولا يجوز للمسلم أن يستسلم لذلك، ومَن خطر له شيء من ذلك فلينتهِ؛ لِما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يَاتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ، فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ» (^١)، لينته: ليقطع المادة بالحسم وعدم الاسترسال في هذه الخواطر؛ لأنها من الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهو يسعى جاهدًا في بثها في النفس.
قوله: «لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ» هذه الجملة تعليلية، فلما بين المُصَنِّف منهج أهل السنة في الأسماء والصفات علل لذلك بما سبق في سلوك أهل السنة والجماعة هذا المذهب فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له.
قوله: «لَا سَمِيَّ لَهُ»: السمي: المساوي. فالله سبحانه لا مساوي ولا مماثل له، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: (٦٥)]؛ أي هل تعلم له مماثلًا؟
قوله: «وَلَا كُفْءَ لَهُ»: الكفء والكفو: أي المكافئ، والله سبحانه لا مكافئ له قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: (٤)].
_________________
(١) صحيح البخاري (٤/ ١٢٣) رقم (٣٢٧٦)، وصحيح مسلم (١/ ١٢٠) رقم (١٣٤).
[ ٦٤ ]
وَلَا نِدَّ لَهُ، وَلَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ - ﷾ - فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَأَصْدَقُ قِيلًا.
الشرح
قوله: «وَلَا نِدَّ لَهُ»: الند النظير، والله تعالى لا نظير له ولا ند له؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: (٢٢)].
هذه الثلاث التي ذكر المُصَنِّف «السَّمِيُّ وَالْكُفْءُ والنِّد» معانيها متقاربة، ومضمونُها: نفي المثيل لله - ﷿ -.
قوله: «وَلَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ» يمتنع القياس بين الله تعالى وبين خلقه، لوجود التبايُن الكبير بين الله وبين خلقه، فلا مثيل له سبحانه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
قوله: «﷾؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ» هذا تعليلٌ لصحة مذهب السلف في الإيمان بجميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة.
ومُفاد هذا التعليل أنه إذا كان - ﷾ - أعلمَ بنفسه وبغيره وأصدقَ قيلًا وأحسنَ حديثًا، فيجب الرجوع في هذا الباب -نفيًا وإثباتًا- إلى ما قاله سبحانه؛ لأنه أعلم بنفسه وأعلم بغيره، كما يجب الرجوع إلى ما قاله رسوله ﷺ لأنه أعلم الخلق بالله - ﷿ -.
فإذا كان ذلك كذلك وجب المصير في هذا الباب -نفيًا وإثباتًا- إلى ما قاله سبحانه وقاله رسوله ﷺ.
قوله: «وَأَصْدَقُ قِيلًا» عبَّر المُصَنِّف بهذه العبارة لأجل موافقة القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، وفي هذا لفتة لأهمية التزام المصطلحات والتسميات الشرعية الواردة في الكتاب والسُّنة.
[ ٦٥ ]
وَأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ رُسُلُهُ صَادِقُونَ مُصَدَّقُونَ [أو مَصْدُوقون]، بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ.
الشرح
قوله: «ثُمَّ رُسُلُهُ صَادِقُونَ مُصَدَّقُونَ» الصدق: مطابقة الخبر للواقع.
وقوله: «صَادِقُونَ»: أي بما جاءوا به عن الله - ﷾ -.
«مُصَدَّقُونَ»: أي أن ما أُوحي إليهم صدق، وفي نسخة «مَصْدُوقون»، والمصْدُوق: من أوحي له بصدق، يعني أن مَن بلَّغه صدَق فيما بلغه، وعلى ضبطها بالتشديد «مُصَدَّقون»: أي من البشر، والذين يصدقونهم هم أتباعهم من المؤمنين بالرسل.
والخلاصة: أن الرسل ﵈ مَصْدوقون في كل ما أوحي إليهم، فلم يكذبهم الذي أرسلهم وهو الله، ولم يكذبهم الذي أرسل إليهم وهو جبريل، وأيضًا لم يكذبهم أتباعُهم من المؤمنين، ويمكن أن يصح وجه آخر في نسخة «مُصَدَّقُون» بأن الله صدَّقهم بقوله وفعله.
أما تصديقه لهم بالقول فجاء في آيات كثيرة؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: (١)]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: (٤٠)]؛ فصدَّق اللهُ رسولَه بالقول.
وأما تصديقه لهم بالفعل فبالتمكين الذي كان للنبي ﷺ، وظهور دينه على الأديان كلها، وما آتاه الله من الآيات والمعجزات وأعظمها القرآن، وهو أعظم معجزة على الإطلاق من لدن آدم إلى أن تقوم القيامة.
قوله: «بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ» وهم أهل التحريف؛ لأن أهل التحريف قالوا على الله بلا علم، وهؤلاء الذين يقولون على الله بلا
[ ٦٦ ]
وَلِهَذَا قَالَ - ﷾ -: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ المخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَسَلَّمَ عَلَى المرْسَلِينَ؛ لِسَلَامَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ،
الشرح
علم ليسوا بصادقين في أنفسهم، وليسوا بمصدوقين فيما قالوه، وليسوا بمصدَّقين من الخلق. فالأنبياء والرسل ﵈ كانوا صادقين؛ لأنهم قالوا ذلك من عند الله، أما هؤلاء فليسوا بصادقين، وليسوا مصدقين من الخلق، بل الذي قالوه افتراء على الله - ﷿ -.
قوله: «قَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» فسبح نفسه سبحانه عمَّا وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب.
فالرسل ﵈ هم الذين نزهوا الله عما لا يليق به مما افتراه المفترون المكذبون.
ولهذا قال المُصَنِّف بعد ذكر الآية: «فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ المخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ» قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: (١٨٠) - (١٨١)]؛ لسلامة ما قالوه في ذلك الباب.
ما مناسبة ذكر الآية لما سبق؟
المناسبة: لمَّا ذكر منهج أهل السنة والجماعة بين أن هذا المنهج هو منهج
[ ٦٧ ]
وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيمَا وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بَيْنَ: النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ،
الشرح
الرسل ﵈، وهو تسبيح الله وتنزيهه؛ ولهذا سلم على المرسلين لسلامة ما قالوه.
والرسل: هم أعظم مَن سبَّح الله ونزَّهه.
وإنما ذكر المُصَنِّف هذه الآية لأنها تدل على تنزيه الله تعالى.
﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عما وصفه به الذين لا يعلمون.
وهذه الآية عامة؛ يدخل فيها كل من وصف الله بما لا يليق به، ويدخل في ذلك أهل التحريف، وأيضًا جميع الطوائف المبتدِعة؛ لأنهم قالوا على الله بلا علم.
وهذه الجملة تضمنت قاعدة عظيمة نافعة في هذا الباب، وهي أن الكلام في الصفات مبني على أصلين، بيَّنَهما في قوله: «وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيمَا وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ»:
الأصل الأول: النفي. والأصل الثاني: الإثبات.
فأما النفي: فالمراد به نفي ما يُضادُّ كمالَ الله تعالى؛ من أنواع العيوب والنقائص.
وأما الإثبات: فهو إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال لله - ﷾ -.
فالقرآن فيه نفي وإثبات.
[ ٦٨ ]
قال شيخ الإسلام: «وبيان هذا أن سبيل سلف الأمة وأئمتها في الصفات مبني على أصلين:
- أحدهما: أن الله - ﷾ - منزَّه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسِّنَةِ والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
- الثاني: أن الله متصِفٌ بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات» (^١).
أمثلة النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: (٣)]، ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: (٣)]، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: (٢٥٥)]، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: (١٠٣)].
أمثلة الإثبات: وهو في القرآن أكثر من النفي، مثل: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: (١١)]، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: (٢٣)].
المقصود أن مذهب أهل السنة والجماعة مبني على هذين الأصلين.
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣)، والصفدية (١/ ١٠٢).
[ ٦٩ ]
فَلَا عُدُولَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ المُرْسَلُونَ؛
الشرح
والصفاتُ على قسمين: صفات ثبوتية، وصفات سلبية.
فالصفات الثبوتية: كل ما أثبته الله تعالى لنفسه، وجميعُها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه. أما الصفات السلبية: فهي الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه من صفات النقص والعيب، وسيأتي التفصيل في شرح القواعد المثلى.
قوله: «فَلَا عُدُولَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ » هذه الجملة تعليلية لما سبق؛ إذ ذكر ﵀ مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ثم علل لذلك بأنه هو الحق؛ لأنه هو الذي جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وشهدت به العقول السليمة، هذه ثلاثة طرق عرفنا بها «مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات».
قال ابن القيم في «نونيته»:
وإِذَا تَأَمَّلْتَ الوُجُودَ رَأَيْتَهُ إِنْ لَم تَكُنْ مِنْ زُمْرَةِ العُمْيَان
بِشَهَادَةِ الإِثْبَاتِ حَقًّا قَائِمًا للهِ لا بشَهَادَةِ النُّكْرَان
وَكَذَاكَ رُسْلُ اللهِ شَاهِدَةٌ بِهِ أَيْضًا فَسَلْ عَنْهُمْ عَلِيمَ زَمَان
وَكَذَاكَ كُتْبُ اللهِ شَاهِدَةٌ بِهِ أَيْضًا فَهَذَا مُحْكَمُ القُرْآن
وَكَذَا العُقُولُ المُسْتَنِيرَاتُ الَّتي فَيهَا مَصَابِيحُ الهُدَى الرَّبَّاني
[ ٧٠ ]
فَإِنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ،
الشرح
وما جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وشهدت به العقول الصحيحة؛ هو الدين الحق الذي جاءت به الرسل ﵈.
ودين الرسل دين واحد وهو الإسلام؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: (١٩)]. والأنبياء دينهم واحد؛ قال ﷺ كما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ؛ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (^١).
والمقصود به دين الإسلام: وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: (٣٦)]؛ فالأنبياء اتفقوا على ذلك، ودعوتهم واحدة، وإنما وقع الاختلاف بينهم في الأحكام المتعلقة بالعبادات.
قوله: «فَإِنَّهُ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ»، هل الضمير يعود إلى مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، أو يعود إلى ما جاءت به الرسل؟
كلاهما صحيح؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة هو ما جاءت به الرسل.
_________________
(١) صحيح البخاري (٤/ ١٦٧) رقم (٣٤٤٣)، وصحيح مسلم (٤/ ١٨٣٧) رقم (٢٣٦٥).
[ ٧١ ]