الجواب: قال ابن القيم: «الحمد إخبارٌ عن محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه، بخلاف المدح؛ فإنه إخبار مجرد» (^١)؛ ولهذا نجد الفقير يمدح الغني لكن لا يلزم من ذلك حبه، بل يريد منفعته وعطاءه، بخلاف الحمد فهو مرتبط بالحب والتعظيم؛ ولهذا لا يصرف الحمد إلا لله - ﷿ -، وأما المدح فيكون لله ولغيره.
قوله: «الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ» (الرسول) لغةً: من بُعث برسالة. وشرعًا: إنسان ذَكَرٌ أُوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه.
ما المراد بالرسول هنا؟ هل المراد محمد - ﷺ - أم المرادُ جنس الرسول؟
كلاهما محتمل، فيحتمل أن يكون المراد جنس الرسول، ويحتمل أن يكون المقصود سيد البشر ﵊، الذي ختم الله به الأنبياء وفضَّله عليهم وعلى الخليقة، وقد أتم به البناء كما في الحديث الذي في الصحيحين من رواية أبي هريرة ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» (^٢).
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٧) بتصرف.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٩٠) رقم (٢٢٨٦).
[ ٢٧ ]
بِالهُدَى
الشرح
قوله: «بالهُدَى» الهدى: العلم النافع، والعلم نوعان:
١ - علم نافع.
٢ - علم غير نافع.
فالعلم النافع: هو ما يُقَرِّبُ إلى الله ﷿، وقد كان ﷺ يكثر من دعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا» (^١).
فعليك يا طالب العلم بالإكثار من هذا الدعاء، واضمم إليه دعاءَين آخَرين عظيمين: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (^٢)، «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ» (^٣).
فهذه ثلاثة أدعية جامعة مباركة لا يستغني عنها مبتغي العلم النافع.
والعلم غير النافع: وهو ما لا ينفع الإنسان في الآخرة، فكل علم لا يقرب صاحبه إلى الله ولا ينفعه في الآخرة فهو من العلم الذي لا ينفع.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٤٤/ ١٤٠) رقم (٢٦٥٢١)، وابن ماجه (١/ ٢٩٨) رقم (٩٢٥) من حديث أم سلمة - ﵂ -.
(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٤٤٩) رقم (٢١٤٠)، وابن ماجه (٢/ ١٢٦٠) رقم (٣٨٣٤) من حديث أنس - ﵁ -، وقال الترمذي: «حديثٌ حسن».
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٣٠/ ٢٦٥) رقم (١٨٣٥١)، والنسائي (٣/ ٥٤) رقم (١٣٠٥) من حديث عمار بن ياسر - ﵁ -.
[ ٢٨ ]
وَدِينِ الحقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا،
الشرح
قوله: «وَدِينِ الحقِّ» المراد به العمل الصالح؛ لأن الدين هو: العمل، أو الجزاء على العمل؛ فمِن إطلاقه على العمل قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: (١٩)]. ومن إطلاقه على الجزاء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: (١٧)].
قوله: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» نوع اللام هنا للتعليل، أي: كي يظهره على الدين كله.
وأين يعود الضمير في قوله: «لِيُظْهِرَهُ»؟
قال أكثر أهل العلم: هو عائد على الدين، وقال جماعة: إنه عائد على الرسول ﷺ، ولا مانع من القول بهما؛ لأن هذا الدين جاء به الرسول ﷺ؛ فهما متلازمان فنصرة هذا وظهوره نصرة لذاك.
فتكون هذه الرفعة وهذا الظهور الذي كتبه الله شاملًا للرسول ولدين الإسلام الذي جاء به، فمَن تمسَّك بهذا الدين الحق فسيظهره الله وينصره كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: (٥١)].
قوله: «وَكَفَى بالله شَهِيدًا» أي: شاهدًا للرسول ﷺ بأنه حق، وهو سبحانه ناصره ومُظهِرُه.
[ ٢٩ ]