قيل: هب أن الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب ﷾، ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعًا؛ كما إذا قيل: إنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض المخلوقات حيًا عليمًا سميعًا بصيرًا، فإذا قيل: يلزم أن يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه موجودًا حيًا عليما سميعًا بصيرًا. قيل لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعًا على الرب تعالى؛ فإن ذلك لا يقتضي حدوثًا، ولا إمكانًا، ولا نقصًا، ولا شيئًا مما ينافي صفات الربوبية.
وذلك أن القدر المشترك هو مسمى «الوجود» أو «الموجود»، أو «الحياة» أو «الحي»، أو «العلم» أو «العليم»،
[ ١٢٥ ]
أو «السمع» و«البصر» أو «السميع» و«البصير»، أو «القدرة» أو «القدير»، والقدر المشترك مطلق كليّ لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدَث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه.
فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال: كالوجود والحياة والعلم والقدرة، ولم يكن في ذلك ما يدل على شيء من خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق - لم يكن في إثبات هذا محذور أصلا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودَين لا بد بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود.
ولهذا لما اطَّلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم
[ ١٢٦ ]
معطِّلة، وكان جهم ينكر أن يسمّى الله شيئًا، وربما قالت الجهمية: هو شيء لا كالأشياء، فإذا نفى القدر المشترك مطلقًا لزم التعطيل التام.
والمعاني التي يوصف بها الرب ﷾، كالحياة والعلم والقدرة، بل الوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك، تجب له لوازمها؛ فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا، بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك، والله ﷾ منزه عن خصائص المخلوق وملزومات خصائصه.