سُئِلَ سرى السَّقطِي عَن الْقرب فَقَالَ هوالطاعة
وَقَالَ غَيره الْقرب أَن يتدلل عَلَيْهِ ويتذلل لَهُ لقَوْله ﷿ ﴿واسجد واقترب﴾
سُئِلَ رُوَيْم عَن الْقرب فَقَالَ إِزَالَة كل معترض
وَسُئِلَ غَيره عَن الْقرب فَقَالَ هُوَ أَن نشاهد أَفعاله بك
مَعْنَاهُ أَن ترى صنائعه ومننه عَلَيْك وتغيب فِيهَا عَن رُؤْيَة أفعالك ومجاهداتك وَأُخْرَى أَن لَا تراك فَاعِلا لقَوْله ﷿ للنَّبِي ﷺ ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وَقَوله ﴿فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ﴾
وانشدونا للنودى
[ ١٠٧ ]
أَرَانِي جمعي فِي فنائي تقربا
وهيهات إِلَّا مِنْك عَنْك التَّقَرُّب
فَمَا عَنْك لي صَبر وَلَا فِيك حِيلَة
وَلَا مِنْك لي بُد وَلَا عَنْك مهرب
تقرب قوم بالرجا فوصلتهم
فَمَا لي بَعيدا مِنْك وَالْكل يعطب
مَعْنَاهُ أَرَانِي حَالي أَن جمعي بك وفنائي عَمَّا سواك تقرب إِلَيْك وَالْجمع والفناء صفتان وَلَا يكون الْقرب مِنْك بصفتي بل بك يكون الْقرب إِلَيْك مِنْك ثمَّ قَالَ تقرب إِلَيْك أَقوام بأفعالهم وطاعاتهم فوصلتهم تفضلا مِنْك وَلَيْسَت لي أَفعَال أَتَقَرَّب بهَا إِلَيْك وَأَنا أهلك شوقا إِلَى الْقرب مِنْك وَلَا سَبِيل لي إِلَيْهِ من حَيْثُ أَنا أنشدونا للنورى أَيْضا يامن أشاهده عَنى فأحسبه
مني قَرِيبا وَقد عزت مطالبه
إِذا سمت نَفسِي سلوة عَنهُ ردني
إِلَيْهِ شُهُود لَيْسَ تفنى عجائبه
معنى السلوة الْإِيَاس يَقُول كلماأيست من حَيْثُ أَنا ردني عَن الْإِيَاس مَا مِنْهُ من الْفضل الَّذِي بدا بِهِ
وَقَالَ الشبلى قد تحيرت فِيك خُذ بيَدي يَا دَلِيلا لمن تحير فِيك
الْبَاب الْخَمْسُونَ
قَوْلهم فِي الإتصال
معنى الإتصال أَن ينْفَصل بسره عَمَّا سوى الله فَلَا يرى بسره بِمَعْنى التَّعْظِيم غَيره وَلَا يسمع إِلَّا مِنْهُ
قَالَ النوري الإتصال مكاشفات الْقُلُوب ومشاهدات الْأَسْرَار مكاشفات الْقُلُوب كَقَوْل حَارِثَة كَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا
ومشاهدات الْأَسْرَار كَقَوْلِه ﵇ اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ وكقول ابْن عمر كُنَّا نتراءى الله فِي ذَلِك الْمَكَان
[ ١٠٨ ]
وَقَالَ بَعضهم الِاتِّصَال وُصُول السِّرّ إِلَى مقَام الذهول
مَعْنَاهُ أَن يشْغلهُ تَعْظِيم الله عَن تَعْظِيم سواهُ
وَقَالَ بعض الْكِبَار الِاتِّصَال أَن لَا يشْهد العَبْد غير خالقه وَلَا يتَّصل بسره خاطر لغير صانعه
قَالَ سهل حر كوا بالبلاء فتحركوا وَلَو سكنوا اتصلوا
الْبَاب الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ
قَوْلهم فِي الْمحبَّة
قَالَ الْجُنَيْد الْمحبَّة ميل الْقُلُوب
مَعْنَاهُ أَن يمِيل قلبه إِلَى الله وَإِلَى مَا الله من غير تكلّف
وَقَالَ غَيره الْمحبَّة هِيَ الْمُوَافقَة مَعْنَاهُ الطَّاعَة لَهُ فِيمَا أَمر والإنتهاء عَمَّا زجر وَالرِّضَا بِمَا حكم وَقدر
قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الكتاني الْمحبَّة الإيثار للمحبوب
قَالَ غَيره الْمحبَّة إثار مَا تحب لمن تحب
قَالَ أَبُو عبد الله النباجي الْمحبَّة لَذَّة فِي الْمَخْلُوق واستهلاك فِي الْخَالِق معنى الإستهلاك أَن لَا يبقي لَك حَظّ وَلَا يكون لمحبتك عِلّة وَلَا تكون قَائِما بعلة
قَالَ سُهَيْل من أحب الله فَهُوَ الْعَيْش وَمن أحب فَلَا عَيْش لَهُ معنى هُوَ الْعَيْش انه يطيب عيشه لِأَن الْمُحب يتلذذ بِكُل مَا يرد عَلَيْهِ من المحبوب من مَكْرُوه أَو مَحْبُوب وَمعنى لَا عَيْش لَهُ لِأَنَّهُ يطْلب الْوُصُول إِلَيْهِ وَيخَاف الإنقطاع دونه فَيذْهب عيشه
[ ١٠٩ ]
وَقَالَ بعض الْكِبَار الْمحبَّة لَذَّة وَالْحق لَا يتلذذ بِهِ لِأَن مَوَاضِع الْحَقِيقَة دهش وإستيفاء وحيرة
فمحبة العَبْد لله تَعْظِيم يحل الْأَسْرَار فَلَا يستجيز تَعْظِيم سواهُ ومحبة الله للْعَبد هُوَ أَن يبليه بِهِ فَلَا يصلح لغيره
وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿واصطنعتك لنَفْسي﴾
وَمعنى لَا يصلح لغيره أَن لَا يكون فِيهِ فضل لمراقبة الأغيار ومراعاة الْأَحْوَال قَالَ بَعضهم الْمحبَّة على وَجْهَيْن محبَّة الْإِقْرَار وَهُوَ للخاص وَالْعَام ومحبة الوجد من طَرِيق الْإِصَابَة فَلَا يكون فِيهِ رُؤْيَة النَّفس والخلق وَلَا رُؤْيَة الْأَسْبَاب وَالْأَحْوَال بل يكون مُسْتَغْرقا فِي رُؤْيَة مَا لله ومامنه
أنشدونا لبَعْضهِم أحبك حبين حب الْهوى
وحبا لِأَنَّك أهل لذاك
فَأَما الَّذِي هُوَ حب الْهوى
فشغلي بذكرك عَمَّن سواكا
وَأما الَّذِي أَنْت أهل لَهُ
فلست أرى الْكَوْن حَتَّى أراكا
فَمَا الْحَمد فِي ذَا وَلَا ذَاك لي
وَلَكِن لَك الْحَمد فِي ذَا وذاكا
قَالَ ابْن عبد الصَّمد هِيَ الَّتِي تعمى وتصم تعمي عَمَّا سوى المحبوب فَلَا يشْهد سواهُ مَطْلُوبا
قَالَ النَّبِي ﷺ حبك الشيئ يعمي ويصم انشد أصمني الْحبّ إِلَّا عَن تسامره
فَمن رأى حب حب يُورث الصمما
وكف طرفِي إِلَّا عَن رعايته
وَالْحب يعمى وَفِيه الْقَتْل إِن كتما
وَأنْشد أَيْضا فرط الْمحبَّة حَال لَا يقاومها
رأى الْأَصِيل إِذا محذوره قهرا
[ ١١٠ ]
. يلذ إِن عدلت مِنْهُ قوارعه
وَإِن تزيد فِي تعديله بهرا
فصل إِن للْقَوْم عِبَارَات تفردوا بهَا واصطلاحات فِيمَا بَينهم لَا يكَاد يستعملها غَيرهم نخبر بِبَعْض مَا يحضر ونكشف مَعَانِيهَا بقول وجيز
وَإِنَّمَا نقصد فِي ذَلِك إِلَى معنى الْعبارَة دون مَا تتضمنه الْعبارَة فَإِن مضمونها لَا يدْخل تَحت الْإِشَارَة فضلا عَن الْكَشْف وَأما كنه أَحْوَالهم فَإِن الْعبارَة عَنْهَا مَقْصُورَة وَهِي لأربابها مَشْهُورَة
الْبَاب الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ قَوْلهم فِي التَّجْرِيد والتفريد
فَمَعْنَى التَّجْرِيد أَن يتجرد بِظَاهِرِهِ عَن الْأَعْرَاض وبباطنه عَن الأعواض وَهُوَ أَلا ياخذ من عرض الدُّنْيَا شَيْئا وَلَا يطْلب على مَا ترك مِنْهَا عوضا من عَاجل وَلَا آجل بل يفعل ذَلِك لوُجُوب حق الله تَعَالَى لَا لعِلَّة غَيره وَلَا لسَبَب سواهُ ويتجرد بسره عَن مُلَاحظَة المقامات الَّتِي يخلها والأحول الَّتِي ينازلها بِمَعْنى السّكُون إِلَيْهَا والإعتناق لَهَا
والتفريد أَن يتفرد عَن الأشكال وينفرد فِي الْأَحْوَال ويتوحد فِي الْأَفْعَال وَهُوَ أَن تكون أَفعاله لله وَحده فَلَا يكون فِيهَا رُؤْيَة نفس وَلَا مُرَاعَاة خلق وَلَا مطالعة عوض ويتفرد فِي الْأَحْوَال عَن الْأَحْوَال فَلَا يرى لنَفسِهِ حَالا بل يغيب بِرُؤْيَة محولها عَنْهَا ويتفرد عَن الأشكال فَلَا يأنس بهَا وَلَا يستوحش مِنْهَا
وَقيل التَّجْرِيد أَن لَا يملك والتفريد أَن لَا يملك
أنشدونا لعَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ تفرد بِاللَّه الفريد فريد
فظل وحيدا والمشوق وحيد
[ ١١١ ]
. وَذَاكَ لِأَن المفردين رَأَيْتهمْ
على طَبَقَات والدنو بعيد
فَمن مُفْرد يسمو بهمة قلبه
عَن الْملك جمعا فَهُوَ عَنهُ يحيد
وأدمن سيرا فِي السمو توحدا
وكل وحيد بالبلاء فريد
وَآخر يسمو فِي الْعُلُوّ تفردا
عَن النَّفس وجدا فَهِيَ مِنْهُ تبيد
وَآخر مفكوك من الْأسر بالفنا
فَأصْبح خلوا واجتباه ودود
فَالَّذِي أدمن سيرا فِي السمو متوحد بالبلاء لِأَنَّهُ لَا سَبِيل لَهُ إِلَى مَا يطْلب وَلَا يساكن شَيْئا دونه وَالَّذِي تفرد عَن النَّفس وجدا فَلَا يحس بالبلاء وَالَّذِي فك من أسر النَّفس بالفناء عَنْهَا هُوَ المجتبي المقرب المتفرد بِالْحَقِيقَةِ
الْبَاب الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ قَوْلهم فِي الوجد
وَمعنى الوجد هُوَ مَا صَادف الْقلب من فزع أَو غم أَو رُؤْيَة معنى من أَحْوَال الْآخِرَة أَو كشف حَالَة بَين العَبْد الله ﷿
قَالُوا وَهُوَ سمع الْقُلُوب وبصرها قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾
وَقَالَ ﴿أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد﴾
فَمن ضعف وجده تواجد والتواجد ظُهُور مَا يجد فِي بَاطِنه على ظَاهره وَمن قوى تمكن فسكن
قَالَ الله تَعَالَى ﴿تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم ثمَّ تلين جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذكر الله﴾
[ ١١٢ ]
قَالَ النوري الوجد لهيب ينشأ فِي الْأَسْرَار ويسنح عَن الشوق فتضطرب الْجَوَارِح طَربا أَو حزنا عِنْد ذَلِك الْوَارِد
وَقَالُوا الوجد مقرون بالزوال والمعرفة ثَابِتَة بِاللَّه تَعَالَى لَا تَزُول
أنشدونا للجنيد الوجد يطرب من فِي الوجد رَاحَته
والوجد عِنْد حُضُور الْحق مَفْقُود
قد كَانَ يطربني وجدي فاشغلني
عَن رُؤْيَة الوجد مافي الوجد مَوْجُود
وأنشدونا لبَعض الْكِبَار أبدى الْحجاب فذل فِي سُلْطَانه
عز الرسوم وكل معنى يحضر
هَيْهَات يدْرك بالوجود وَإِنَّمَا
لَهب التواجد رمز عجز يقهر
لَا الوجد يدْرك غير رسم داثر
والوجد بدثر حِين يَبْدُو المنظر
قد كنت أطرب للوجود مروعا
طور يغيبني وطورا أحضر
أفنى الْوُجُود بِشَاهِد مشهوده
أفنى الْوُجُود وكل معنى يذكر
وَقَالَ بَعضهم الوجد بشارات الْحق بالترقي إِلَى مقامات مشاهاته وأنشدونا لبَعْضهِم من جاد بالوجد أَحْرَى أَن يجود بِمَا
يفنى الْوُجُود من الأفضال والمنن
أيقنت حِين بدا بالوجد يَبْعَثنِي
إِن الْجواد بِهِ يُوفي على الْحسن
وللشبلي الوجد عِنْدِي جحود
مالم يكن عَن شهودي
وَشَاهد الْحق عِنْدِي
يفني شُهُود الْوُجُود