قَوْلهم فِي الفناء والبقاء
فالفناء هُوَ أَن يفنى عَنهُ الحظوظ فَلَا يكون لَهُ فِي شَيْء من ذَلِك حَظّ وَيسْقط عَنهُ التَّمْيِيز فنَاء عَن الاشياء كلهَا شغلا يما فنى بِهِ كَمَا قَالَ عَامر بن عبد الله مَا أُبَالِي امْرَأَة رَأَيْت أم حَائِطا
وَالْحق يتَوَلَّى تصريفه فيصرفه فِي وظائفه وموافقاته فَيكون مَحْفُوظًا فِيمَا لله عَلَيْهِ مأخوذا عَمَّا لَهُ وَعَن جَمِيع المخالفات فَلَا يكون لَهُ إِلَيْهَا سَبِيل وَهُوَ الْعِصْمَة وَذَلِكَ معنى قَوْله ﷺ كنت لَهُ سمعا وبصرا الْخَبَر
والبقاء الَّذِي يعقبه هُوَ أَن يفنى عَمَّا لَهُ وَيبقى بِمَا لله
قَالَ بعض الْكِبَار الْبَقَاء مقَام النَّبِيين ألبسوا السكينَة لَا يمنعهُم مَا حل بهم عَن فَرْضه وَلَا عَن فَضله
﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء﴾
وَالْبَاقِي هُوَ أَن تصير الاشياء كلهَا لَهُ شَيْئا وَاحِدًا فَتكون كل حركاته فِي موافقات الْحق دون مخالفاته فَيكون فانيا عَن المخالفات بَاقِيا فِي الموافقات
[ ١٢٣ ]
وَلَيْسَ معنى أتصير الاشياء كلهَا لَهُ شَيْئا وَاحِدًا أَن تصير المخالفات لَهُ موافقات فَيكون مَا نهى عَنهُ كَمَا أَمر بِهِ وَلَكِن على معنى أَن لَا يجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا مَا أَمر بِهِ وَمَا يرضاه الله تَعَالَى دون مَا يكرههُ وَيفْعل مَا يفعل لله لَا لحظ لَهُ فِيهِ فِي عَاجل أَو آجل
وَهَذَا معنى قَوْلهم يكون فانيا عَن أَوْصَافه بَاقِيا بأوصاف الْحق لَان الله تَعَالَى إِنَّمَا يفعل الاشياء لغيره لَا لَهُ لانه لَا يجر بِهِ نفعا وَلَا يدْفع بِهِ ضرا تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَإِنَّمَا يفعل الاشياء لينفع الاغيار أَو يضرهم
فالباقي بِالْحَقِّ الفاني عَن نَفسه يفعل الاشياء لَا لجر مَنْفَعَة إِلَى نَفسه وَلَا لدفع مضرَّة عَنْهَا بل على معنى أَنه لَا يقْصد فِي فعله جر الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة قد سَقَطت عَنهُ حظوظ نَفسه ومطالبة مَنَافِعهَا بِمَعْنى الْقَصْد وَالنِّيَّة وَلَا بِمَعْنى أَنه لَا يجد حظا فِيمَا يعْمل مِمَّا لله عَلَيْهِ يَفْعَله لله لَا لطمع ثَوَاب وَلَا لخوف عِقَاب وهما أعنى الْخَوْف والطمع باقيان مَعَه قائمان فِيهِ غير أَنه يرغب فِي ثَوَاب الله لموافقة الله تَعَالَى لانه رغب فِيهِ وَأمر أَن يسْأَل ذَلِك مِنْهُ وَلَا يَفْعَله للذة نَفسه وَيخَاف عِقَابه إجلالا لَهُ وموافقة لَهُ لانه خوف عباده وَيفْعل سَائِر الحركات لحظ الْغَيْر لالحظ نَفسه كَمَا قيل الْمُؤمن يَأْكُل بِشَهْوَة عِيَاله
أنشدونا لبَعْضهِم أفناه عَن حَظه فِيمَا ألم بِهِ
فظل يبقيه فِي رسم ليبديه
ليَأْخُذ الرَّسْم عَن رسم يكاشفه
والسر يطفح عَن حق يراعيه
فجملة الفناء والبقاء أَن يفنى عَن حظوظه وَيبقى بحظوظ غَيره
فَمن الفناء فنَاء عَن شُهُود المخالفات والحركات بهَا قصدا وعزما وَبَقَاء فِي شُهُود الموافقات والحركات بهَا قصدا وفعلا وفناء عَن تَعْظِيم مَا سوى الله وَبَقَاء فِي تَعْظِيم الله تَعَالَى
[ ١٢٤ ]
وَمن فنَاء تَعْظِيم مَا سوى الله حَدِيث ابي حَازِم حَيْثُ قَالَ مَا الدُّنْيَا أما مَا مضى فأحلام وَأما مَا بَقِي فأمان وغرور وَمَا الشَّيْطَان حَتَّى يهاب مِنْهُ لقد أطيع فَمَا نفع وَعصى فَمَا ضرّ فَكَانَ كَأَنَّهُ لَا دنيا عِنْده وَلَا شَيْطَان
وَمن فنَاء الحظوظ حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود حَيْثُ قَالَ مَا علمت أَن فِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من يُرِيد الدُّنْيَا حَتَّى قَالَ الله ﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة﴾ الْآيَة فَكَانَ فانيا عَن إِرَادَة الدُّنْيَا
وَمن ذَلِك حَدِيث حَارِثَة قَالَ عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا فَكَأَنِّي أنظر الى عرش رَبِّي بارزا فنى عَن العاجلة بالآجلة وَعَن الاغيار بالجبار
وَحَدِيث عبد الله بن عمر سلم عَلَيْهِ إِنْسَان وَهُوَ فِي الطّواف فَلم يرد عَلَيْهِ وشكاه إِلَى بعض أَصْحَابه فَقَالَ عبد الله إِنَّا كُنَّا نتراءى الله فِي ذَلِك الْمَكَان
وَمِنْهَا حَدِيث عَامر بن عبد الْقَيْس قَالَ لِأَن تخْتَلف فِي الأسنة أحب إِلَيّ من أَن أجد مَا تذكرُونَ يَعْنِي فِي الصَّلَاة حَتَّى قَالَ الْحسن مَا اصْطنع الله ذَلِك عندنَا
وفناء هُوَ الْغَيْبَة عَن الاشياء رَأْسا
كَمَا كَانَ فنَاء مُوسَى ﵇ حِين تجلى ربه للجبل ﴿وخر مُوسَى صعقا﴾ فَلم يخبر فِي الثَّانِي من حَاله عَن حَاله وَلَا أخبر عَنهُ مغيبه بِهِ عَنْهَا
وَقَالَ أَبُو سعيد الخزاز عَلامَة الفاني ذهَاب حَظه من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا من الله تَعَالَى ثمَّ يَبْدُو باد من قدرَة الله تَعَالَى فيريه ذهَاب حَظه من الله تَعَالَى إجلالا لله ثمَّ يَبْدُو لَهُ باد من الله تَعَالَى فيريه ذهَاب حَظه من رُؤْيَة ذهَاب حَظه وَيبقى
[ ١٢٥ ]
رُؤْيَة مَا كَانَ من الله لله ويتفرد الْوَاحِد الصَّمد فِي أحديته فَلَا يكون لغير الله مَعَ الله فنَاء وَلَا بَقَاء
معنى ذهَاب حَظه من الدُّنْيَا مُطَالبَة الاعراض وَمن الاخرة مُطَالبَة الاعواض فَيبقى حَظه من الله وَهُوَ رِضَاهُ عَنهُ وقربه مِنْهُ ثمَّ يرد عَلَيْهِ حَالَة من إجلال الله تَعَالَى أَن يقرب مثله أَو يرضى عَن مثله استحقارا لنَفسِهِ وإجلالا لرَبه ثمَّ ترد عَلَيْهِ حَالَة فيستوفيه حق الله تَعَالَى فيغيبه عَن رُؤْيَة صفته الَّتِي هِيَ رُؤْيَة ذهَاب حَظه فَلَا يبْقى فِيهِ إِلَّا مَا من الله إِلَيْهِ ويفنى عَنهُ مَا مِنْهُ الى الله فَيكون كَمَا كَانَ إِذْ كَانَ فِي علم الله تَعَالَى قبل أَن يوجده وَسبق لَهُ مِنْهُ مَا سبق من غير فعل كَانَ مِنْهُ
وَعبارَة أُخْرَى عَن الفناء أَن الفناء هُوَ الْغَيْبَة عَن صِفَات البشرية بِالْحملِ الموله من نعوت الالهية وَهُوَ أَن يفنى عَنهُ أَوْصَاف البشرية الَّتِي هِيَ الْجَهْل وَالظُّلم لقَوْله تَعَالَى ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ وَمن أَوْصَافه الكنود والكفور وكل صفة ذميمة تفنى عَنهُ بِمَعْنى أَن يغلب علمه جَهله وعدله ظلمه وشكره كفرانه وأمثالها
قَالَ أَبُو الْقَاسِم فَارس الفناء حَال من لَا يشْهد صفته بل يشهدها مغمورة بمغيبها
وَقَالَ فنَاء البشرية لَيْسَ على معنى عدمهَا بل على معنى أَن تغمد بلذة توفى على رُؤْيَة الالم واللذة الْجَارِيَة على العَبْد فِي الْحَال كصواحبات يُوسُف ﵇ ﴿قطعن أَيْدِيهنَّ﴾ لفناء أوصافهم وَلما ورد على أسرارهن من لَذَّة النّظر إِلَى يُوسُف مِمَّا غيبهم عَن ألم مَا دخل عَلَيْهِنَّ من قطع أَيْدِيهنَّ
ولبعض أهل الْعَصْر
[ ١٢٦ ]
. غَابَتْ صِفَات القاطعات أكفها
فِي شَاهد هُوَ فِي الْبَريَّة أبدع
ففنين عَن أوصافهن فَلم يكن
من نعتهن تلذذ وتوجع
وَقيام ارمرأه الْعَزِيز بِيُوسُف
يَد نَفسه مَا كَانَ يُوسُف يقطع
وأنشدونا فِي الفناء ذكرنَا وَمَا كُنَّا لننسى فَنَذْكُر
وَلَكِن نسيم الْقرب يَبْدُو فيبهر
فأفنى بِهِ عَنى وَأبقى بِهِ لَهُ
إِذا الْحق عَنهُ مخبر وَعبر
وَمِنْهُم من جعل هَذِه الْأَحْوَال كلهَا حَالا وَاحِدَة وَإِن اخْتلفت عباراتها فَجعل الفناء بَقَاء وَالْجمع تَفْرِقَة وَكَذَلِكَ الْغَيْبَة وَالشُّهُود وَالسكر والصحو
وَذَلِكَ أَن الفاني عماله بَاقٍ بِمَا للحق وَالْبَاقِي بِمَا للحق فَإِن عماله والمفارق مَجْمُوع لِأَن لَا يشْهد إِلَّا الْحق وَالْمَجْمُوع مفارق لِأَنَّهُ لَا يشْهد إِيَّاه وَلَا الْخلق وَهُوَ بَاقٍ لدوامه مَعَ الْحق وَهُوَ جَامعه بِهِ وَهُوَ فان عَمَّا سواهُ مفارق لَهُم وَهُوَ غَائِب سَكرَان لزوَال التَّمْيِيز عَنهُ وَمعنى زَوَال التَّمْيِيز عَنهُ هُوَ مَا قُلْنَاهُ بَين الآلام والملاذ وَبِمَعْنى أَن الْأَشْيَاء تتوحد لَهُ فَلَا يشْهد مُخَالفَة إِذْ لَا يصرفهُ الْحق إِلَّا فِي موافقاته وَإِنَّمَا تميز بَين الشيئ وَغَيره فَإِذا صَارَت الْأَشْيَاء شَيْئا وَاحِدًا سقط التَّمْيِيز
وَعبر جمَاعَة عَن الفناء بِأَن قَالُوا يُؤْخَذ العَبْد من كل رسم كَانَ لَهُ وَعَن كل مرسوم فَيبقى فِي وقته بِلَا بَقَاء يُعلمهُ وَلَا فنَاء يشْعر بِهِ وَلَا وَقت يقف عَلَيْهِ بل يكون خالقه عَالما بِبَقَائِهِ وفنائه وَوَقته وَهُوَ حَافظ لَهُ عَن كل مَذْمُوم
وَاخْتلفُوا فِي الفاني هَل يرد إِلَى بَقَاء الْأَوْصَاف أم لَا
قَالَ بَعضهم يرد الفاني إِلَى بَقَاء الْأَوْصَاف وَحَالَة الفناء لَا تكون على الدَّوَام لِأَن دوامها يُوجب تَعْطِيل الْجَوَارِح عَن أَدَاء المفروضات وَعَن حركتها فِي أُمُور معاشها ومعادها
[ ١٢٧ ]
وَلأبي الْعَبَّاس بن عَطاء فِي ذَلِك كتاب سَمَّاهُ كتاب عودة لصفات وبدئها وَأما الْكِبَار مِنْهُم والمحققون فَلم يرَوا رد الفاني إِلَى بَقَاء الْأَوْصَاف مِنْهُم الْجُنَيْد والخراز والنوري وَغَيرهم
قالفناء فضل من الله ﷿ وموهبة العَبْد وإكرام مِنْهُ لَهُ واختصاص لَهُ بِهِ
وَلَيْسَ هُوَ من الْأَفْعَال المكتسبة وَإِنَّمَا هُوَ شيئ يَفْعَله الله ﷿ بِمن اختصه لنَفسِهِ واصطنعه لَهُ فَلَو رده إِلَى صفته كَانَ فِي ذَلِك سلب مَا أعْطى واسترجاع مَا وهب وَهَذَا غير لَائِق باله ﷿ أَو يكون من جِهَة البداء والبداء صفة من استفات الْعلم وَهَذَا من الله ﷿ منفي أَو يكون ذَلِك غرُورًا وخداعا وَالله تَعَالَى لَا يُوصف بالغرور وَلَا يُخَادع الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا يُخَادع الْمُنَافِقين والكافرين
وَلَيْسَ مقَام الفناء يدْرك بالاكتساب فَيجوز أَن يكْتَسب ضِدّه فَإِن عورض بِالْإِيمَان وَالرُّجُوع عَنهُ وَهُوَ أفضل الْمَرَاتِب وَبِه يدْرك جَمِيع المقامات أُجِيب عَنهُ أَن الْإِيمَان الَّذِي يجوز الرُّجُوع عَنهُ هُوَ الَّذِي اكْتَسبهُ العَبْد من إِقْرَار لِسَانه وَالْعَمَل بأركانه وَلم يخَامر الْإِيمَان حَقِيقَة سره لَا من قبل الشُّهُود وَلَا من صِحَة الْعُقُود لكنه أقرّ بشيئ وَهُوَ لَا يدْرِي حَقِيقَة مَا أقرّ بِهِ
كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث إِن الْملك يَأْتِي العَبْد إِذا وضع فِي لحده فَيَقُول مَا قَوْلك فِي هَذَا الرجل
فَيَقُول سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته
فَهَذَا شَاك غير متقين
أَو يكون أقرّ بِلِسَانِهِ وانطوى على تَكْذِيبه كالمناطق الَّذِي اقر بِلِسَانِهِ وَكذبه بِقَلْبِه واضمر خِلَافه وَلكنه أقرّ بِلِسَانِهِ وَلم يكذبهُ بقبه وَلَا اضمر خِلَافه وَلَكِن لم
[ ١٢٨ ]
يَقع لَهُ صِحَة مَا أقرّ بِهِ اكتسابا وَلَا مُشَاهدَة لم يكْتَسب تَحْقِيقه من جِهَة الْعلم فتقوم لَهُ الدَّلَائِل على صِحَّته وَلَا شَاهد بقبه حَالا أَزَال عَنهُ الشكوك وَقد سبق لَهُ من الله الشَّقَاء فاعترضت لَهُ شُبْهَة من خاطر أَو نَاظر ففتنته فانتقل عَنهُ إِلَى ضِدّه
فَأَما من سبق لَهُ من الله الْحسنى فَإِن الشُّبُهَات لَا تقع لَهُ والعوارض تَزُول عَنهُ إِمَّا اكتسابا من علم الْكتاب وَالسّنة وَدَلَائِل الْعقل فيزيل خواطر السوء عَنهُ وَترد شُبُهَات النَّاظر لَهُ إِذْ لَا يجوز أَن يكون لما خَالف الْحق دَلَائِل الْحق فَهَذَا لَا تعترضه الشكوك
أَو يكون مِمَّن قد وَقع لَهُ صِحَة الْإِيمَان وَيرد الله تَعَالَى عَنهُ خواطر السوء باعتصامه بِالْجُمْلَةِ وَيرد عَنهُ الله النَّاظر المشكك لَهُ لطفا بِهِ فَلَا يُقَابله فَيسلم لَهُ صِحَة إيمَانه وَإِن لم يكن عِنْده من الْبَيَان مَا يحْتَاج مناظرة ناظره وَلَا مَا يزِيل خاطره
أَو يكون مِمَّن وَقع لَهُ صِحَة مَا أقرّ بِهِ شُهُودًا أَو كشوفا كَمَا أخبر حَارِثَة عَن نَفسه من شُهُوده مَا أقرّ بِهِ حَتَّى حل مَا غَابَ عَنهُ من ذَلِك مَحل مَا حضر وَأكْثر لِأَنَّهُ أخبر أَنه عزف عَن الشَّاهِد فَصَارَ الْغَيْب لَهُ شُهُودًا وَالشَّاهِد غَائِبا كَمَا قَالَ الدَّارَانِي انفتحت عُيُون قُلُوبهم فانطبعت عُيُون رؤوسهم
فَمن وَقع لَهُ صِحَة ماأقر بِهِ من هَذِه الْجِهَة لم يرجع عَن الاخرة إِلَى الدُّنْيَا وَلَا ترك الأولى للأدنى
وَهَذَا كُله أَسبَاب الْعِصْمَة من الله لَهُ وتصديق مَا وعد بقوله تَعَالَى ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾
فقد صَحَّ أَن الْمُؤمن الْحَقِيقِيّ لَا ينْتَقل عَن الْإِيمَان لِأَنَّهُ موهبة لَهُ من الله جلّ وَعز وَعَطَاء وَفضل واختصاص وحاشا الْحق ﷿ أَن يرجع فِيمَا وهب أَو يسيرد مَا أعْطى
[ ١٢٩ ]
وَصُورَة الْإِيمَان الْحَقِيقِيّ والرسمي فِي الظَّاهِر صُورَة وَاحِدَة وحقائقها مُخْتَلفَة فَأَما الفناء وَغَيره من مقامات الإختصاص فَإِن صورها مُخْتَلفَة وحقائقها وَاحِدَة لِأَنَّهَا لَيست من جِهَة الإكتساب لَكِن من جِهَة الْفضل
وَقَول من قَالَ إِن الفاني يرد إِلَى أَوْصَافه محَال لِأَن الْقَائِل إِذْ أقرّ بِأَن الله تَعَالَى اخْتصَّ عبدا واصطنعه لنَفسِهِ ثمَّ قَالَ إِنَّه يردهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ يخْتَص مَالا يخْتَص ويصطنع مَالا يصطنع وَهَذَا محَال
وجوازه من حهة التربية وَالْحِفْظ عَن الْفِتْنَة لَا يَصح أَيْضا لِأَن الله تَعَالَى لَا يحفظ على العَبْد مَا آتَاهُ من جِهَة السَّلب وَلَا بِأَن يردهُ إِلَى الأوضع عَن الأرفع وَلَو جَازَ هَذَا جَازَ أَن لَا يحفظ مَوَاضِع الْفِتَن من الْأَنْبِيَاء بِأَن يردهم من رُتْبَة النُّبُوَّة إِلَى رُتْبَة الْولَايَة أَو مَا دونهَا وَهَذَا غير جَائِز
ولطائف الله تَعَالَى فِي عصمَة أنبيائه وَحفظ أوليائه من الْفِتْنَة أَكثر من أَن تقع تَحت الأحصاء وَالْعد وَقدرته أتم من أَن تحصر على فعل دون غَيره
فَأن عورض بِالَّذِي آتَاهُ آيَاته ﴿فانسلخ مِنْهَا﴾ لم يعْتَرض لِأَن الَّذِي انْسَلَخَ لم يكن قطّ شَاهد حَالا وَلَا وجد مقَاما وَلَا كَانَ مُخْتَصًّا قطّ وَلَا مصطنعا بل كَانَ مستدرجا مخدوعا ممكورا بِهِ
وَإِنَّمَا أجْرى على ظَاهره من اعلام المختصين وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة من المردودين وَإِنَّمَا حلى ظَاهره بالوظائف الْحَسَنَة والأوراد الزكية وَهُوَ فِي الْقلب مَحْجُوب السِّرّ لم يجد قطّ طعم الْخُصُوص وَلَا ذاق لَذَّة الْإِيمَان وَلَا عرف الله قطّ من جِهَة الشُّهُود كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ بقوله ﴿فَكَانَ من الغاوين﴾ وكما أخبر عَن إِبْلِيس بقوله ﴿وَكَانَ من الْكَافرين﴾
[ ١٣٠ ]
قَالَ الْجُنَيْد إِن إِبْلِيس لم أينل مشاهدته فِي طَاعَته وآدَم لم يفقد مشاهدته فِي مَعْصِيَته وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان وَالله مَا رَجَعَ من رَجَعَ إِلَّا من الطَّرِيق وَلَو وصلوا إِلَيْهِ مَا رجعُوا عَنهُ
والفاني يكون مَحْفُوظًا فِي وظائف الْحق كَمَا قَالَ الْجُنَيْد وَقيل لَهُ ان أَبَا الْحُسَيْن النوري قَائِم فِي مَسْجِد الشونيزي مُنْذُ أَيَّام لَا يَأْكُل وَلَا يشرب وَلَا ينَام وَهُوَ يَقُول الله الله وَيُصلي الصَّلَوَات لأوقاتها فَقَالَ بعض من حَضَره إِنَّه صَاح فَقَالَ الْجُنَيْد لَا وَلَكِن أَرْبَاب المواجيد محفوظون بَين يَدي الله فِي مواجيدهم فَإِن رد الفاني إِلَى الْأَوْصَاف لم يرد إِلَى أَوْصَاف نَفسه وَلَكِن يُقَام مقَام الْبَقَاء بأوصاف الْحق
وَلَيْسَ الفاني بالصعق وَلَا الْمَعْتُوه وَلَا الزائل عَنهُ أَوْصَاف البشرية فَيصير ملكا أَو روحانيا وَلكنه مِمَّن فنى عَن شُهُود حظوظه كَمَا أخبرنَا قبل
والفاني أحد عينين إِمَّا عين لم ينصب إِمَامًا وَلَا قدوة فَيجوز أَن يكون فناؤه غيبَة عَن أَوْصَافه فَيرى بِعَين العتاهه وَزَوَال الْعقل لزوَال تَمْيِيزه فِي مرافق نَفسه وَطلب حظوظه وَهُوَ على ذَلِك مَحْفُوظ فِي وظائف الْحق عَلَيْهِ وَقد كَانَ فِي الْأمة مِنْهُم كثير مِنْهُم هِلَال الحبشي عبد كَانَ للْمُغِيرَة بن شُعْبَة فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ نبه عَنهُ النَّبِي ﷺ
وأويس الْقَرنِي فِي أَيَّام عمر بن الْخطاب نبه عَلَيْهِ عمر وَعلي ﵄ وَخلق كثير
إِلَى أَن كَانَ عليا الْمَجْنُون وسعدون وَغَيرهمَا
أَو يكون إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ ويربط بِهِ غَيره مِمَّن يسوسه فأقيم مقَام السياسة
[ ١٣١ ]
والتأديب فَهَذَا ينْقل إِلَى حَالَة الْبَقَاء فَيكون تصرفه بأوصاف الْحق لَا بأوصاف نَفسه
والمتصرف بأوصاف الْحق هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ قبل
وَسُئِلَ الْجُنَيْد عَن الفراسة فَقَالَ هِيَ مصادفة الْإِصَابَة
فَقيل لَهُ هِيَ للمتفرس فِي وَقت المصادفة أَو على الْأَوْقَات
قَالَ لَا بل على الْأَوْقَات لِأَنَّهَا موهبة فَهِيَ مَعَه كائنة دائمة
فَأخْبر أَن الْمَوَاهِب تكون دائمة
وَمن يتتبع كتب الْقَوْم وَفهم إشاراتهم علم أَن قَوْلهم مَا حكيناه عَنْهُم فَإِن هَذِه الْمَسْأَلَة وأمثالها لَيست بمنصوصات لَهُم وَلَا مُفْرَدَات بل يعرف ذَلِك من قَوْلهم بفهم رموزهم ودرك إشاراتهم وَالله أعلم
الْبَاب السِّتُّونَ قَوْلهم فِي حقائق الْمعرفَة
قَالَ بعض الشُّيُوخ
الْمعرفَة معرفاتان معرفَة حق وَمَعْرِفَة حَقِيقَة
فمعرفة الْحق إِثْبَات وحدانية الله تَعَالَى على مَا أبرز من الصِّفَات
والحقيقة على أَن لَا سَبِيل إِلَيْهَا لِامْتِنَاع الصمدية وَتحقّق الربوبية عَن الْإِحَاطَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ لِأَن الصَّمد هُوَ الَّذِي لَا تدْرك حقائق نعوته وَصِفَاته
[ ١٣٢ ]
وَقَالَ بعض الكبراء الْمعرفَة إِحْضَار السِّرّ بصنوف الْفِكر فِي مُرَاعَاة مواجيد الْأَذْكَار على حسب توالي أَعْلَام الكشوف
وَمَعْنَاهُ أَن يُشَاهد السِّرّ من عَظمَة الله وتعظيم حَقه وإجلال قدرَة مَا تعجز عَنهُ الْعبارَة
سُئِلَ الْجُنَيْد عَن الْمعرفَة فَقَالَ هِيَ تردد السِّرّ بَين تَعْظِيم الْحق من الْإِحَاطَة وإجلاله عَن الدَّرك وَقد سُئِلَ عَن العرفة فَقَالَ أَن تعلم أَن مَا تصور فِي قَلْبك فَالْحق بِخِلَافِهِ فيا لَهَا حيرة لَا لَهُ حَظّ من أحد وَلَا لأحد مِنْهُ حَظّ وَإِنَّمَا وجود يتَرَدَّد فِي الْعَدَم لاتتهيأ الْعبارَة عَنهُ لِأَن الْمَخْلُوق مَسْبُوق والمسبوق غير مُحِيط بالسابق
معنى هُوَ وجود يتَرَدَّد فِي الْعَدَم يَعْنِي صَاحب الْحَال يَقُول هُوَ مَوْجُود عيَانًا وشخصا وَكَأَنَّهُ مَعْدُوم صفة ونعتا
وَعَن الْجُنَيْد أَيْضا قَالَ الْمعرفَة هِيَ شُهُود الخاطر بعواقب الْمصير وَأَن لَا يتَصَرَّف الْعَارِف بسرف وَلَا تَقْصِير
وَمَعْنَاهُ أَن لَا يشْهد حَاله وَأَن يشْهد سَابق علم الْحق فِيهِ وَأَن مصيره إِلَى مَا سبق لَهُ مِنْهُ وَيكون مصرفا فِي الْخدمَة وَالتَّقْصِير
وَقَالَ بَعضهم الْمعرفَة إِذا وَردت على السِّرّ ضَاقَ السِّرّ عَن حملهَا كَالشَّمْسِ يمْنَع شعاعها عَن إِدْرَاك نهايتها وجوهرها
قَالَ ابْن الفرغاني من عرف الرَّسْم تجبر وَمن عرف الوسم تحير وَمن عرف السَّبق تعطل وَمن عرف الْحق تمكن وَمن عرف المتولى تذلل
مَعْنَاهُ من شَاهد نَفسه قَائِما بوظائف الْحق أعجب وَمن شَاهد مَا سبق لَهُ من الله تحير لِأَنَّهُ لَا يدْرِي مَا علم الْحق فِيهِ وبماذا جرى الْقَلَم بِهِ وَمن عرف أَن مَا سبق لَهُ من الْقِسْمَة لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر تعطل عَن الطّلب وَمن عرف الله بِالْقُدْرَةِ
[ ١٣٣ ]
عَلَيْهِ والكفاية لَهُ تمكن فَلَا يضطرب عِنْد المخوفات وَلَا عِنْد الْحَاجَات وَمن عرف ان الله متولى أُمُوره تدلل لَهُ فِي أَحْكَامه وأقضيته
وَقَالَ بعض الْكِبَار إِذا عرفه الْحق إِيَّاه أوقف الْمعرفَة حَيْثُ لَا يشْهد محبَّة وَلَا خوفًا وَلَا رَجَاء وَلَا فقرا وَلَا غنى لِأَنَّهَا دون الغايات وَالْحق وَرَاء النهايات
مَعْنَاهُ أَنه لَا يشْهد هَذِه الاحوال لِأَنَّهَا أَوْصَافه وأوصافه أقصر من أَن تبلغ مَا يسْتَحقّهُ الْحق من ذَلِك
أنشدونا لبَعض الْكِبَار راعيتنى بالحفاظ حَتَّى
حميت عَن مرتع وبى
فَأَنت عِنْد الْخِصَام عذرى
وَفِي ظمائي فَأَنت ريى
إِذا امتطى الْعَارِف الْمُعَلَّى
سرا إِلَى منظر على
وغاص فِي أبحر غزار
تفيض بالخاطر الوحى
فض ختام الغيوب عَمَّا
يحيى فؤاد الشبحي الْوَلِيّ
من حَار فِي دهشة التلاقى
أبصرته مَيتا كحى
يعْنى من حيرته دهشه مَا يَبْدُو لَهُ من الله من شَاهد تَعْظِيم الله وإجلاله أبصرته حَيا كميت يفنى عَن رُؤْيَة مَا مِنْهُ وَلَا يجد لَهُ مُتَقَدما وَلَا مُتَأَخِّرًا
الْبَاب الْحَادِي وَالسِّتُّونَ
قَوْلهم فِي التَّوْحِيد
اركان التَّوْحِيد سَبْعَة
إِفْرَاد الْقدَم عَن الْحَدث وتنزيه الْقَدِيم عَن إِدْرَاك الْمُحدث لَهُ وَترك التساوى بَين النعوت وَإِزَالَة الْعلَّة عَن الربوبية وإجلال الْحق عَن أَن تجرى قدرَة الْحَدث عَلَيْهِ فتلونه وتنزيهه عَن التَّمْيِيز والتأمل وتبرئته عَن الْقيَاس
[ ١٣٤ ]
قَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى الوَاسِطِيّ جملَة التَّوْحِيد أَن كل مَا يَتَّسِع بِهِ اللِّسَان أَو يُشِير اليه الْبَيَان من تَعْظِيم أَو تَجْرِيد أَو تفريد فَهُوَ مَعْلُول والحقيقة وَرَاء ذَلِك
مَعْنَاهُ أكل ذَلِك من أوصافك وصفاتك محدثة معلولة مثلك وَحَقِيقَة الْحق هُوَ وَصفه لَهُ
وَقَالَ بعض الكبراء التَّوْحِيد إفرادك متوحدا وَهُوَ أَن لَا يشهدك الْحق إياك
قَالَ فَارس لَا يَصح التَّوْحِيد مَا بقيت عَلَيْك علقَة من التَّجْرِيد والموحد بالْقَوْل لَا يشْهد السِّرّ مُنْفَردا بِهِ والموحد بِالْحَال غَائِب بِحَالهِ عَن الاقوال ورؤية الْحق حَال لَا يشهده إِلَّا كل مَا لَهُ وَلَا سَبِيل الى توحيده بِلَا قَالَ وَلَا حَال
وَقَالَ بَعضهم التَّوْحِيد هُوَ الْخُرُوج عَن جميعك بِشَرْط اسْتِيفَاء مَا عَلَيْك وَأَن لَا يعود عَلَيْك مَا يقطعك عَنهُ مَعْنَاهُ تبذل مجهود فِي أَدَاء حق الله ثمَّ تتبرأ من رُؤْيَة أَدَاء حَقه ويستوفيك التَّوْحِيد عَن أوصافك فَلَا يعود عَلَيْك مِنْهَا شَيْء فَإِنَّهُ قَاطع لَك عَنهُ
قَالَ الشبلى لَا يتَحَقَّق العَبْد بِالتَّوْحِيدِ حَتَّى يستوحش من سره وَحْشَة لظُهُور الْحق عَلَيْهِ
وَقَالَ بَعضهم الموحد من حَال الله بَينه وَبَين الدَّاريْنِ جَمِيعًا لَان الْحق يحمى حريمه
قَالَ جلّ وَعز ﴿نَحن أولياؤكم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾
فَلَا نردكم إِلَى معنى سوانا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وعلامة الموحد أَن لَا يجرى عَلَيْهِ ذكر إخطار مَا لَا حَقِيقَة لَهُ عِنْد الْحق
[ ١٣٥ ]
فالشواهد عَن سره مصروفة والاعواض عَن قلبه مطرودة فَلَا شَاهد يشهده وَلَا عوض يعبده وَلَا سر يطالعه وَلَا بر يلاحظه هُوَ فِي حَقه عَن حَقه مَحْجُوب وَفِي حَظه عَن حَظه مسلوب فَلَا نصيب لَهُ فِي نصيب وَهُوَ مأسور فِي أوفر النَّصِيب وَالْحق أوفر نصيب من فَاتَهُ الْحق فَلَيْسَ لَهُ شَيْء وَإِن ملك الْكَوْن وَمن وجد الْحق فَلهُ كل شَيْء وَإِن لم يملك ذرة
مَعْنَاهُ هُوَ قَائِم بِحقِّهِ مَحْجُوب عَن رُؤْيَة قِيَامه بِحقِّهِ وَهُوَ مسلوب عَن حظوظه وَهُوَ يرى نَفسه قَائِمَة بحظوظها ونصيبه من الْحق وجود الْحق وَهُوَ فِيهِ مأسور وَلَيْسَ لَهُ مُتَقَدم وَلَا مُتَأَخّر وأنسدونا لبَعْضهِم مواجيد حق أوجد الْحق كلهَا
وَإِن عجزت عَنْهَا فهوم الاكابر