قَوْلهم فِي المريد وَالْمرَاد
المريد مُرَاد فِي الْحَقِيقَة وَالْمرَاد مُرِيد لِأَن المريد لله تَعَالَى لَا يُرِيد إِلَّا بِإِرَادَة من الله ﷿ تقدّمت لَهُ
[ ١٣٩ ]
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وَقَالَ ﴿رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾
وَقَالَ ﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا﴾
فَكَانَت إِرَادَته لَهُم سَبَب إرادتهم لَهُ إِذْ عِلّة كل شَيْء صنعه وَلَا عِلّة لصنعه وَمن أَرَادَهُ الْحق فمحال أَن لَا يُريدهُ العَبْد فَجعل المريد مرَادا وَالْمرَاد مرِيدا غير أَن المريد هُوَ الَّذِي سبق اجْتِهَاده كشوفه وَالْمرَاد هُوَ الَّذِي سبق كشوفه اجْتِهَاده
فالمريد هُوَ الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى عَنهُ ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ وَهُوَ الَّذِي يُريدهُ الله تَعَالَى فَيقبل بِقَلْبِه وَيحدث فِيهِ لطفا يثير مِنْهُ فِيهِ الِاجْتِهَاد فِيهِ والاقبال عَلَيْهِ والارادة لَهُ ثمَّ يكاشفه الاحوال
كَمَا قَالَ حَارِثَة عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا فأظمأت نهاري وأسهرت ليلِي ثمَّ قَالَ وَكَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا
فَأخْبر أَن كشوف أَحْوَال الْغَيْب لَهُ كَانَ عقيب عزوفه عَن الدُّنْيَا
وَالْمرَاد هُوَ الَّذِي يجذبه الْحق جذبه الْقُدْرَة ويكاشفه بالاحوال فيثير قُوَّة الشُّهُود مِنْهُ اجْتِهَادًا فِيهِ وإقبالا عَلَيْهِ وتحملا لاثقاله
كسحرة فِرْعَوْن لما كوشفوا بِالْحَال فِي الْوَقْت سهل عَلَيْهِم تحمل مَا توعدهم بِهِ فِرْعَوْن فَقَالُوا ﴿لن نؤثرك على مَا جَاءَنَا من الْبَينَات وَالَّذِي فطرنا فَاقْض مَا أَنْت قَاض﴾
وكما فعل بعمر بن الْخطاب ﵁ أقبل يُرِيد قتل رَسُول الله فَأسرهُ الْحق فِي سَبيله
[ ١٤٠ ]
وكقصة إِبْرَاهِيم بن ادهم خرج يطْلب الصَّيْد متلهيا فَنُوديَ مَا لهَذَا خلقت وَلَا بِهَذَا أمرت مرَّتَيْنِ وَنُودِيَ فِي الثَّالِثَة من قربوس سَرْجه فَقَالَ وَالله لَا عصيت الله بعد يومي هَذَا مَا عصمني رَبِّي
هَذِه جذبة الْقُدْرَة كوشوفوا بالاحوال فأسفطوا عَن النُّفُوس والاموال
أَنْشدني الْفَقِيه أَبُو عبد الله البرقي لنَفسِهِ مُرِيد صفا مِنْهُ سر الْفُؤَاد
فهام بِهِ السِّرّ فِي كل وَاد
فَفِي أَي وَاد سعى لم يجد
لَهُ ملْجأ غير مولى الْعباد
صفا بِالْوَفَاءِ وفى بالصفا
وَنور الصفاء سراج الْفُؤَاد
أَرَادَ وَمَا كَانَ حَتَّى أُرِيد
فطوبى لَهُ من مُرِيد مُرَاد