الْغَلَبَة حَال تبدو للْعَبد لَا يُمكنهُ مَعهَا مُلَاحظَة السَّبَب وَلَا مُرَاعَاة الادب
[ ١١٣ ]
وَيكون مأخوذا عَن تَمْيِيز مَا يستقبله فَرُبمَا خرج إِلَى بعض مَا يُنكر عَلَيْهِ من لم يعرف حَاله وَيرجع على نَفسه صَاحبه إِذا سكنت غلبات مَا يجده وَيكون الَّذِي غلب عَلَيْهِ خوف أَو هَيْبَة أَو إجلال أَو حَيَاء أَو بعض هَذِه الْأَحْوَال
كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث عَن أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر حِين إستشاره بَنو قُرَيْظَة لما اسْتَنْزَلَهُمْ النَّبِي ﷺ على حكم سعد بن معَاذ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلقَة أَنه ذبح ثمَّ نَدم على ذَلِك وَعلم أَنه قد خَان الله وَرَسُوله فَانْطَلق على وَجهه حَتَّى ارْتبط فِي الْمَسْجِد إِلَى عَمُود من عمده وَقَالَ لَا أَبْرَح مَكَاني هَذَا حَتَّى يَتُوب الله عَليّ مِمَّا صنعت
فَهَذَا لما غلب عَلَيْهِ الْخَوْف من الله ﷿ حَال بَينه وَبَين أَن يَأْتِي رَسُول الله ﷺ وَكَانَ هُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِ لقَوْل الله ﷿ ﴿وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لَهُم الرَّسُول﴾ الْآيَة
وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَة ارتباط بِالسَّوَارِي والعمد
وَقَالَ النَّبِي ﷺ لما أَن استبطاه أما لَو جَاءَنِي لإستغفرت لَهُ فَأَما إِذْ فعل مَا فعل فماأنا بِالَّذِي اطلقه من مَكَانَهُ حَتَّى يَتُوب الله عَلَيْهِ فَلَمَّا علم الله صدقه وَأَن ذَلِك صدر عَنهُ لغَلَبَة الْخَوْف عَلَيْهِ غفر لَهُ فَأنْزل الله تَوْبَته فَأَطْلقهُ النَّبِي ﷺ
فَأَبُو لبَابَة ﵁ لما أَن غلب عَلَيْهِ الْخَوْف لم يُمكنهُ مُلَاحظَة السَّبَب وَهُوَ اسْتِغْفَار الرَّسُول ﷺ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم﴾ الْآيَة وَلم يُمكنهُ مُرَاعَاة الْأَدَب وَالْأَدب أَن يعْتَذر إِلَى من أذْنب إِلَيْهِ وَهُوَ الرَّسُول ﷺ
[ ١١٤ ]
وكما غلب على عمر ﵁ حمية الدّين حِين اعْترض على رَسُول الله ﷺ لما أَرَادَ أَن يُصَالح الْمُشْركين عَام الْحُدَيْبِيَة فَوَثَبَ عمر حَتَّى أَتَى أَبَا بكر ﵁ فَقَالَ يَا أَبَا بكر أَلَيْسَ هَذَا برَسُول الله
قَالَ بلَى
قَالَ أَلسنا بِالْمُسْلِمين
قَالَ بلَى
قَالَ أَلَيْسُوا بالمشركين
قَالَ بلَى
قَالَ فعلام نعطي الدنية فِي ديننَا
فَقَالَ أَبُو بكر يَا عمر إلزم غرزه فَإِنِّي أشهد أَنه رَسُول الله
فَقَالَ عمر وَأَنا أشهد أَنه رَسُول الله ثمَّ غلب عَلَيْهِ مَا يجد حَتَّى أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مثل مَا قَالَ لأبي بكر وأجابه النَّبِي ﷺ كَمَا أَجَابَهُ أَبُو بكر حَتَّى قَالَ أَنا اعبد الله وَرَسُوله لن أُخَالِف أمره وَلنْ يضيعني
فَكَانَ عمر يَقُول فَمَا زلت اصوم وأتصدق وَأعْتق وأصلي من الَّذِي صنعت يَوْمئِذٍ مَخَافَة كَلَامي الَّذِي تَكَلَّمت بِهِ حَتَّى رَجَوْت أَن يكون خيرا
وكاعتراضه على النَّبِي ﷺ أَيْضا حِين صلى على عبد الله ابْن ابي قَالَ عمر فتحولت حَتَّى قُمْت فِي صَدره وَقلت يَا رَسُول الله أَتُصَلِّي على هَذَا وَقد قَالَ يَوْم كَذَا كَذَا يعدد أَيَّامًا لَهُ حَتَّى قَالَ لَهُ أخر عني يَا عمر إِنِّي خيرت فاخترت وَصلى عَلَيْهِ فَقَالَ عمر فَعجب لي وجرأتي على رَسُول الله
[ ١١٥ ]
وَمِنْه حَدِيث أبي طيبَة حِين حجم النَّبِي ﷺ فَشرب دَمه وَذَلِكَ مَحْظُور فِي الشَّرِيعَة وَلَكِن فعله فِي حَال الْغَلَبَة فعذره النَّبِي ﷺ وَقَالَ لقد احتظرت بحظائر من النَّار
فَهَذِهِ كلهَا وأمثالها كَثِيرَة تدل على أَن حَالَة الْغَلَبَة حَالَة صَحِيحَة وَيجوز فِيهَا مَا لَا يجوز فِي حَال السّكُون وَيكون السَّاكِن فِيهَا بِمَا هُوَ أرفع مِنْهُ فِي الْحَال أمكن وَأتم حَالَة كَمَا كَانَ أَبُو بكر الصّديق ﵁
الْبَاب الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ
قَوْلهم فِي السكر
وَهُوَ أَن يغيب عَن تَمْيِيز الْأَشْيَاء وَلَا يغيب عَن الْأَشْيَاء وهوأن لَا يُمَيّز بَين مرافقة وملاذه وَبَين اضدادها فِي مرافقة الْحق فَإِن غلبات وجود تسقطه عَن المييز بَين مَا يؤلمه ويلذه
كَمَا رُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات فِي حَدِيث حَارِثَة أَنه قَالَ اسْتَوَى عِنْدِي حجرها ومدرها وذهبها وفضتها
وكما قَالَ عبد الله بن مَسْعُود مَا أُبَالِي على أَي الْحَالين وَقعت على غنى أَو فقر إِن كَانَ فقرا فَإِن فِيهِ الصَّبْر وَإِن كَانَ غنى فَإِن فِيهِ الشُّكْر
ذهب عَنهُ التَّمْيِيز بَين الأرفق وضده وَغلب عَلَيْهِ رُؤْيَة مَا للحق من الصَّبْر وَالشُّكْر
وَأنْشد بَعضهم قد استولى على قلبِي هَوَاك
وَمَالِي فِي فُؤَادِي من سواك فَلَو قطعتني فِي الْحبّ إربا
لما حن الْفُؤَاد إِلَى سواك
[ ١١٦ ]
والصحو الَّذِي هُوَ عقيب السكر هُوَ أَن يُمَيّز فَيعرف المؤلم من الملذ فيختار المؤلم فِي مُوَافقَة الْحق وَلَا يشْهد الْأَلَم بل يجد لَذَّة فِي المؤلم
كَمَا جَاءَ عَن بعض الْكِبَار أَنه قَالَ لَو قطعني الْبلَاء إربا إربا مَا ازددت لَك إِلَّا حبا حبا
وَعَن أبي الدَّرْدَاء أَنه قَالَ أحب الْمَوْت اشتياقا إِلَى رَبِّي وَأحب الْمَرَض تكفيرا لخطيئتي وَأحب الْفقر تواضعا لرَبي
وَعَن بعض الصَّحَابَة أَنه قَالَ يَا حبذا المكروهان الْمَوْت والفقر
وَهَذِه الْحَالة أتم لِأَن صَاحب السكر يَقع على الْمَكْرُوه من حَيْثُ لَا يدْرِي
ويغيب عَن وجود التكره وَهَذَا يخْتَار الآلام على الملاذ ثمَّ يجد اللَّذَّة فِيمَا يؤلمه بِغَلَبَة شُهُود فَاعله
والصاحي الَّذِي نَعته قبل نعت السكر رُبمَا يخْتَار الالام على الملاذ لرؤية ثَوَاب أَو مطالعة عوض وَهُوَ متألم فِي الآلام ومتلذذ فِي الملاذ فَهُوَ نعت الصحو وَالسكر وأنشدونا لبَعض الْكِبَار كَفاك بِأَن الصحو أوجد أنني
فَكيف بِحَال السكر وَالسكر أَجْدَر ٥ فحالاك لي حالان صحو وسكره
فَلَا زلت فِي حَالي أصحو وأسكر
مَعْنَاهُ أَن حَالَة التَّمْيِيز إِذا أسقط عني مَالِي وأوجد مَالك فَكيف يكون حَاله السكر وَهُوَ سُقُوط التميز عني وَيكون الله هُوَ الَّذِي يصرفني فِي وظائفي ويراعيني فِي أحوالي وَهَاتَانِ حالتان تجريان عَليّ وهما لله تَعَالَى لَا لي فَلَا زلت فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ ابدا
[ ١١٧ ]
الْبَاب السَّادِس وَالْخَمْسُونَ
قَوْلهم فِي الْغَيْبَة وَالشُّهُود
فَمَعْنَى الْغَيْبَة أَن يغيب عَن حظوظ نَفسه فَلَا يَرَاهَا وهى اعنى الحظوظ قَائِمَة مَعَه مَوْجُودَة فِيهِ غير أَنه عَنْهَا بِشُهُود مَا للحق
كَمَا قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي وبلغه أَنه قيل للاوزاعي رَأينَا جاريتك الزَّرْقَاء فِي السُّوق فَقَالَ أَو زرقاء هى
فَقَالَ سُلَيْمَان انفتحت عُيُون قُلُوبهم وانطبقت عُيُون رؤوسهم
أخبر أَن غيبته عَن رزقتها كَانَت مَعَ بَقَاء لَذَّة الْحور فِيهِ بقوله أَو زرقاء هى
وَالشُّهُود أَن يرى حظوظ نَفسه
وَمعنى ذَلِك أَن يَأْخُذ مَا يَأْخُذ بِحَال الْعُبُودِيَّة وخضوع البشرية لَا للذة والشهوة
وغيبة أُخْرَى وَرَاء هَذِه وهى أَن يغيب عَن الفناء والفاني بِشُهُود الْبَقَاء وَالْبَاقِي لَا غير كَمَا أخبر حَارِثَة عَن نَفسه وَيكون الشُّهُود شُهُود عيان وَيكون غيبته عَمَّا غَابَ غيبَة شُهُود الضّر والنفع لَا غيبَة استتار واحتجاب
وأنشدونا للنورى شهِدت وَلم أشهد لحاظا لحظته
وَحسب لحاظ شَاهد غير مشْهد
وغبت مغيبا غَابَ للغيب غيبه
فلاح ظُهُور غيبه غير مفقد
وَعبر عَن الشُّهُود بعض مشائخنا فَقَالَ الشُّهُود أَن تشهد مَا تشهد مستصغرا لَهُ مَعْدُوم الصّفة لما غلب عَلَيْك من شَاهد الْحق كَمَا جَاءَ أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل
وكل نعيم لَا محَالة زائل
[ ١١٨ ]
وكما قَالَ مُوسَى ﵇ ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك﴾ رأى السامرى مَعْدُوم الصّفة فِي شُهُود الْحق وأنشدونا للنورى تسترت عَن دهرى بستر همومه
محيرة فِي قدر من جلّ عَن قدرى
فَلَا الدَّهْر يدرى أننى عَنهُ غَائِب
وَلَا أَنا أَدْرِي بالخطوب إِذا تجرى
إِذا كَانَ كلى قَائِما بوفائه
فلست أُبَالِي مَا حييت يَد الدَّهْر