قَوْلهم فِي المجاهدات والمعاملات
قَالَ بعض الكبراء التَّعَبُّد إتْيَان مَا وظف الله على شَرط الْوَاجِب
وَشرط الْوَاجِب الْإِتْيَان بِهِ على غير مُطَالبَة عوض وَإِن شهدته فضلا بل يستوفيك عَن رُؤْيَة الْفضل
والعوض مَا لله عَلَيْك فِي الْعَمَل فِي قَوْله ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ﴾ قَالَ ليعبدوه بِالرّقِّ لَا بالطمع
قيل لابي بكر الوَاسِطِيّ بِأَيّ شَاهد يَنْبَغِي أَن يكون العَبْد فِي حركات مَا يسْعَى
قَالَ بِشَاهِد الفناء عَن حركاته الَّتِي هِيَ كائنة بِغَيْرِهِ
قَالَ أَبُو عبد الله النياجي استحلاء الطَّاعَة ثَمَرَة الوحشة عَن الْحق جلّ وَعز
[ ١٤١ ]
إِذْ لَا يواصل الْحق بهَا وَلَا يفاصل وَلَا يعْتَمد عَلَيْهَا اعْتِمَاد معول وَلَا يَتْرُكهَا ترك معاند بل يُقيم وظائف الْحق رقا وعبودية وَيكون الِاعْتِمَاد على مَا فِي الازل
يُرِيد باستحلاء الطَّاعَة رؤيتها من نَفسك دون مُشَاهدَة فضل الله عَلَيْك فِي التَّوْفِيق فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ قَالَ أكبر من أَن تبلغه أفهامكم وتحويه عقولكم وَيجْرِي على أَلْسِنَتكُم
وَحَقِيقَة الذّكر هُوَ نِسْيَان مَا سواهُ فِيهِ لقَوْله ﷿ ﴿وَاذْكُر رَبك إِذا نسيت﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية﴾ أَي الخالية عَن ذكر الله لِتَعْلَمُوا أَنكُمْ بفضله نلتم لَا بأعمالكم
قَالَ أَبُو بكر القحطبي نفوس الْمُوَحِّدين نفوس سئمت من جَمِيع مَا ظهر من نعوتها وصفاتها واستقبحت كل باد بدا مِنْهَا وانقطعت عَن الشواهد والعوائد والفوائد وعجزت عَن إِظْهَار الدَّعْوَى بَين يَدَيْهِ لما سَمِعت قَوْله ﷿ ﴿وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾
الشواهد الْخلق والعوائد الاعواض والفوائد الاعراض
قَالَ أَبُو بكر الوَاسِطِيّ معنى التَّكْبِير فِي الصَّلَاة كَأَنَّك تَقول جللت عَن أَن تواصل بهَا أَو تفاصل بِتَرْكِهَا إِذْ الْفَصْل والوصل لَيْسَ بحركات بل هُوَ بِمَا سبق فِي الازل
قَالَ الْجُنَيْد لَا يكونن همك فِي صَلَاتك إِقَامَتهَا دون الْفَرح وَالسُّرُور بالاتصال بِمن لَا وَسِيلَة إِلَيْهِ إِلَّا بِهِ
قَالَ ابْن عَطاء لَا يكونن همك فِي صَلَاتك إِقَامَتهَا دون الهيبة والاجلال لمن رآك فِيهَا
[ ١٤٢ ]
وَقَالَ غَيره معنى الصَّلَاة التَّجْرِيد عَن العلائق والتفريد بالحقائق
والعلائق مَا سوى الله والحقائق مالله وَمن الله
وَقَالَ آخر الصَّلَاة وصل
قَالَ سَمِعت فَارِسًا يَقُول معنى الصَّوْم الْغَيْبَة عَن رُؤْيَة الْخلق بِرُؤْيَة الْحق ﷿ لقَوْله تَعَالَى فِي قصَّة مَرْيَم ﴿إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا﴾
قَالَ لغيبتي عَنْهُم بِرُؤْيَة الْحق فَلَا أستجيز فِي صومي أَن يشغلني عَنهُ شاغل أَو يقطعني عَنهُ قَاطع
وَيدل على قَول النَّبِي ﷺ الصَّوْم جنَّة أَي حجاب عَمَّا دون الله فِي قَوْله تَعَالَى الصَّوْم لي وَأَنا أجزى بِهِ
قَالَ بعض الْكِبَار أَي أَنا الْجَزَاء بِهِ وَقَالَ أَبُو الْحسن بن أبي ذَر أَي معرفتي هِيَ الْجَزَاء لَهُ بِهِ قَالَ وحسبه ذَلِك جَزَاء فَمَا يبلغهَا شَيْء وَلَا يدانيها
سَمِعت أَبَا الْحسن الْحسنى الْهَمدَانِي يَقُول معنى قَوْله الصَّوْم لي كي يَنْقَطِع الاطماع عَنهُ طمع الْعَدو أَن يُفْسِدهُ لَان مَا لله فَلَا يطْمع فِيهِ الْعَدو وطمع النَّفس أَن تعجب بِهِ فَإِنَّهَا إِنَّمَا تعجب بِمَا لَهَا وطمع الْخُصُوم فِي الْآخِرَة فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ مَا للْعَبد دون مَا لله هَذَا معنى مَا فهمت من قَوْله
قَالَ بَعضهم جهد الْبلَاء النّظر الى النُّفُوس والاعتماد على الافعال فَإِن وكل إِلَيْهَا فَهُوَ دَرك الشَّقَاء وَفِي دَرك الشَّقَاء شماتة الاعداء
أنشدونا للنورى
[ ١٤٣ ]
. أَقُول أكاد الْيَوْم أَن أبلغ المدى
فيبعد عَنى مَا أَقُول أكاد
فَمَا لي جِهَاد غير أَنى مقصر
وعجزي عَن طول الْجِهَاد جِهَاد
وَإِن رجائي عودة مِنْك بِالرِّضَا
وَإِلَّا فحظي فِي الْمعَاد بعاد
انشدونا لغيره هبني أراعيك بالاذكار ملتمسا
مَا يبتغيه ذَوُو التلوين بِالْغَيْر
فَكيف لي بِشُهُود مِنْك يحملني
عَن فتْنَة الْوَقْت بل عَن حجبة الاثر
يَقُول إِن طالعت فِي أفعالي ومجاهداتي ثوابك عَلَيْهَا وَهُوَ الَّذِي يَطْلُبهُ أَرْبَاب لمجاهدات وَأَصْحَاب الْمُعَامَلَات فيكف أطالع سهود مَا يحملني عَن خوف الْعَاقِبَة من تَغْيِير الْأَحْوَال والاوقات وَعَن النّظر إِلَى حركاتي ومجاهداتي وَهِي الَّتِي تحجبني عَنْك
الْبَاب الْخَامِس وَالسِّتُّونَ
حَالهم فِي الْكَلَام على النَّاس
قيل للنوري مَتى يسْتَحق الانسان الْكَلَام على النَّاس
قَالَ إِذا فهم عَن الله ﷻ صلح أَن يفهم عباد الله وَإِذا لم يفهم عَن الله كَانَ بلاؤه عَاما فِي بِلَاده وعَلى عباده
قَالَ السرى السَّقطِي إِنِّي أذكر مَجِيء النَّاس إِلَى فَأَقُول اللَّهُمَّ هَب لَهُم من الْعلم مَا يشغلهم عني فَإِنِّي لَا أحب مجيئهم إِلَى
قَالَ سهل بن عبد الله أَنا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة أكلم الله وَالنَّاس يتوهمون أَنى أكلمهم
[ ١٤٤ ]
قَالَ الجنيدي للشبلي نَحن حبرنا هَذَا الْعلم تحبيرا ثمَّ خبأناه فِي السراديب فَجئْت أَنْت فأظهرته على رُؤُوس الْمَلأ
فَقَالَ أَنا أَقُول وَأَنا أسمع فَهَل فِي الدَّاريْنِ غَيْرِي
وَقَالَ بعض الْكِبَار للجنيد وَهُوَ يتَكَلَّم على النَّاس يَا أَبَا الْقَاسِم إِن الله لَا يرضى عَن الْعَالم بِالْعلمِ حَتَّى يجده فِي الْعلم فَإِن كنت فِي الْعلم فَالْزَمْ مَكَانك وَإِلَّا فَانْزِل
فَقَامَ الْجُنَيْد وَلم يتَكَلَّم على النَّاس شَهْرَيْن ثمَّ خرج فَقَالَ لَوْلَا أَنه بَلغنِي عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي آخر الزَّمَان يكون زعيم الْقَوْم أرذلهم مَا خرجت اليكم
وَقَالَ الْجُنَيْد مَا تَكَلَّمت على النَّاس حَتَّى أَشَارَ إِلَى وعَلى ثَلَاثُونَ من البدلاء إِنَّك تصلح أَن تَدْعُو إِلَى الله ﷿
وَقيل لبَعض الْكِبَار لم لَا تَتَكَلَّم
فَقَالَ هَذَا علم قد أدبر وَتَوَلَّى والمقبل على الْمُدبر أدبر من الْمُدبر
قَالَ أَبُو مَنْصُور البنجخينى لأبي الْقَاسِم الْحَكِيم بِأَيّ نِيَّة أَتكَلّم على النَّاس
فَقَالَ لَا أعلم للمعصية نِيَّة غير التّرْك
وَاسْتَأْذَنَ أَبُو عُثْمَان سعيد بن إِسْمَاعِيل الرَّازِيّ أَبَا حَفْص الْحداد وَكَانَ تِلْمِيذه فِي الْكَلَام على النَّاس فَقَالَ لَهُ أَبُو حَفْص وَمَا يَدْعُوك إِلَيْهِ فَقَالَ أَبُو عُثْمَان الشَّفَقَة عَلَيْهِم والنصيحة لَهُم
فَقَالَ وَمَا بلغ من شفقتك عَلَيْهِم
فَقَالَ لَو علمت أَن الله يُعَذِّبنِي بدل جَمِيع من آمن بِهِ ويدخلنهم الْجنَّة وجدت من قلبِي الرِّضَا بِهِ
[ ١٤٥ ]
فَأذن لَهُ وَشهد أَبُو حَفْص مَجْلِسه فَلَمَّا قضى أَبُو عُثْمَان كَلَامه قَامَ سَائل فَسبق أَبُو عُثْمَان فَأعْطَاهُ ثوبا كَانَ عَلَيْهِ
فَقَالَ أَبُو حَفْص يَا كَذَّاب إياك أَن تَتَكَلَّم على النَّاس وفيك هَذَا الشَّيْء
فَقَالَ أَبُو عُثْمَان وَمَا ذَاك يَا أستاذ
قَالَ أما كَانَ فِيك من النَّصِيحَة لَهُم والشفقة عَلَيْهِم أَن تؤثرهم على نَفسك بِثَوَاب السَّبق ثمَّ تتلوهم
سَمِعت فَارِسًا يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الانماطي يَقُول كُنَّا عِنْد الْجُنَيْد إِذْ مر بِهِ الوري فَسلم فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْد وَعَلَيْك السَّلَام يَا أَمِير الْقُلُوب تكلم
فَقَالَ النوري يَا أَبَا الْقَاسِم غششتهم فأجلسوك على المنابر ونصحتهم فرموني فِي الْمَزَابِل
فَقَالَ الْجُنَيْد مَا رَأَيْت قلبِي أَحْزَن مِنْهُ فِي ذَلِك الْوَقْت
ثمَّ خرج علينا فِي الْجُمُعَة الاخرى فَقَالَ إِذا رَأَيْتهمْ الصُّوفِي يتَكَلَّم على النَّاس فاعلموا أَنه فارغ
وَقَالَ ابْن عَطاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقل لَهُم فِي أنفسهم قولا بليغا﴾ قَالَ على مِقْدَار فهومهم ومبلغ عُقُولهمْ
وَقَالَ غَيره فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو تَقول علينا بعض الْأَقَاوِيل لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أَي لَو نطق بالمواجيد على أهل الرسوم يدل عَلَيْهِ قَوْله ﴿بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ وَلم يقل بلغ مَا تعرفنا بِهِ إِلَيْك
رأى الْحُسَيْن المغازلي رُوَيْم بن مُحَمَّد وَهُوَ يتَكَلَّم على النَّاس فِي الْفقر فَوقف عَلَيْهِ وَقَالَ
[ ١٤٦ ]
. وَمَا تصنع بِالسَّيْفِ
إِذا لم تَكُ قتالا
أَلا ابتعت بِمَا حلي
ت هَذَا السَّيْف خلخالا
عبر بعبارته عَن حَال لَيْسَ هُوَ فِيهَا
قَالَ بعض الْكِبَار من تكلم عَن غير مَعْنَاهُ فقد تحمر فِي دَعْوَاهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿كَمثل الْحمار يحمل أسفارا﴾
الْبَاب السَّادِس وَالسِّتُّونَ
فِي توقي الْقَوْم ومجاهداتهم
ورث حَارِث المحاسبي من أَبِيه أَكثر من ثَلَاثِينَ ألف دِينَار فَلم يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا وَقَالَ إِنَّه كَانَ يرى الْقدر
قَالَ أَبُو عُثْمَان كُنَّا فِي دَار أبي بكر بن أبي حنيفَة مَعَ أبي حَفْص فَجرى ذكر صديق غَائِب عَنَّا
فَقَالَ أَبُو حَفْص لَو كَانَ عندنَا كاغد كتبنَا أليه
فَقلت هَا هُنَا كاغد وَكَانَ أَبُو بكر قد خرج إِلَى السُّوق
فَقَالَ أَبُو حَفْص لَعَلَّ أَبَا بكر قد مَاتَ وَلم نعلم وَصَارَ الكاغد للْوَرَثَة فَترك الْكتاب
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان كنت عِنْد أبي حَفْص وَبَين يَدَيْهِ زبيب فَأخذت زبيبة ووضعتها فِي فمي فَأخذ بحلقي وَقَالَ يَا خائن تَأْكُل ربيبي فَقلت لِثِقَتِي بزهادتك فِي الدُّنْيَا وَعلمِي بإثارك أخذت الزبيبة فَقَالَ يَا جَاهِل تثق بقلب لَا يملكهُ صَاحبه
سَمِعت كثيرا من مشائخنا يَقُولُونَ كَانَ الشُّيُوخ يهجرون الْفَقِير لثلاث
إِذا حج عَن غَيره بِمَال وَإِذا أَتَى خُرَاسَان وَإِذا دخل الْيمن
[ ١٤٧ ]
فَقَالُوا من أَتَى خُرَاسَان لم يَأْته إِلَّا للرفق وَلَيْسَ بهَا مُبَاح فيطيب مطعمه
وَأما الْيمن فَفِيهِ طرق إِلَى الْفسق كَثِيرَة
وَكَانَ أَبُو المغيث لَا يسْتَند وَلَا ينَام على جنبه وَكَانَ يقوم اللَّيْل وَإِذا غلبته عينه قعد وَوضع جَبينه على رُكْبَتَيْهِ فيعفو غفوة
فَقيل لَهُ ارْفُقْ بِنَفْسِك
فَقَالَ وَالله مَا رفق الرفيق بِي رفقا فرحت بِهِ أما سَمِعت سيد الْمُرْسلين يَقُول أَشد النَّاس بلَاء الانبياء ثمَّ الامثل فالامثل
قَالُوا إِن أَبَا عَمْرو الزجاجي أَقَامَ بِمَكَّة سِنِين كَثِيرَة لم يحدث فِي الْحرم وَكَانَ يخرج من الْحرم للْحَدَث ثمَّ يعود إِلَيْهِ وَهُوَ على طَهَارَة
قَالَ سَمِعت فَارِسًا يَقُول كَانَ أَبُو عبد الله الْمَعْرُوف بشكثل لَا يكلم النَّاس وَكَانَ يأوي الى الخرابات فِي سَواد الْكُوفَة وَكَانَ لَا يَأْكُل إِلَّا الْمُبَاح والقمامات فَلَقِيته يَوْمًا فتعلقت بِهِ وَقلت سَأَلتك بِاللَّه أَلا أَخْبَرتنِي مَا الَّذِي مَنعك عَن الْكَلَام
فَقَالَ يَا هَذَا الْكَوْن توهم فِي الْحَقِيقَة وَلَا تصح الْعبارَة عَمَّا لَا حَقِيقَة لَهُ وَالْحق تقصر عَنهُ الاقوال دونه فَمَا وَجه الْكَلَام وَتَرَكَنِي وَمر
قَالَ وسمعته يَقُول سَمِعت الْحُسَيْن المغازلي يَقُول رَأَيْت عبد الله القشاع لَيْلَة قَائِما على شط دجلة وَهُوَ يَقُول يَا سَيِّدي أَنا عطشان يَا سَيِّدي أَنا عطشان حَتَّى أصبح فَلَمَّا أصبح قَالَ يَا ويلتي تبيح لي شَيْئا وتحول بيني وَبَينه وتخطر عَليّ شَيْئا وتخلي بيني وَبَينه فأيش أصنع وَرجع وَلم يشرب مِنْهُ
وسمعته يَقُول سَمِعت بعض الْفُقَرَاء قَالَ كنت سنة الهبير مَعَ النَّاس فانفلت ثمَّ رجعت فَكنت أَطُوف بَين الْجَرْحى قَالَ فَرَأَيْت أَبَا مُحَمَّد الْجريرِي وَكَانَ قد نَيف على الْمِائَة
[ ١٤٨ ]
فَقلت يَا شيخ أَلا تَدْعُو فَيكْشف مَا ترى
قَالَ قد فعلت قَالَ إِنِّي أفعل مَا أَشَاء فَأَعَدْت عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أخي لَيْسَ هَذَا وَقت الدُّعَاء هَذَا وَقت الرِّضَا وَالتَّسْلِيم
فَقلت أَلَك حَاجَة
فَقَالَ أَنا عطشان
فَجِئْته بِمَاء فَأَخذه وَأَرَادَ أَن يشرب فَنظر إِلَى فَقَالَ هَؤُلَاءِ عطاش وَأَنا أشْرب هَذَا شَره فَرده على وَمَات من سَاعَته
قَالَ وسمعته يَقُول سَمِعت بعض أَصْحَاب الْجريرِي يَقُول مكثت عشْرين سنة لَا يخْطر لي ذكر الطَّعَام حَتَّى يحضر وَمَكَثت عشْرين سنة أصلى الْفجْر على طهُور الْعشَاء الْآخِرَة وَمَكَثت عشْرين سنة لَا أعقد مَعَ الله عقدا مَخَافَة أَن يكذبنِي على لساني وَمَكَثت عشْرين سنة لَا يسمع لساني إِلَّا من قلبِي ثمَّ حَالَتْ الْحَال فَمَكثت عشْرين سنة لَا يسمع قلبِي إِلَّا من لساني
معنى قَوْله لَا يسمع لساني إِلَّا من قلبِي أَي لَا أَقُول إِلَّا من حَقِيقَة مَا أَنا عَلَيْهِ وَقَوله لَا يسمع قلبِي إِلَّا من لساني أَي حفظ على لساني لما قَالَ فَبِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي ينْطق
قَالَ وَسمعت بعض مشائخنا يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن سَعْدَان يَقُول خدمت أَبَا المغيث عشْرين سنة فَمَا رَأَيْته أَسف على شَيْء فَاتَهُ أَو طلب شَيْئا فَقده
وَقيل إِن أَبَا السَّوْدَاء وقف سِتِّينَ وَقْفَة
وجعفر بن مُحَمَّد الْخُلْدِيِّ وقف خمسين وَقْفَة
وَكَانَ بعض الْمَشَايِخ وَأكْثر ظَنِّي أَنه أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِي حج عشر حجج عَن النَّبِي ﷺ وَحج عَن الْعشْرَة من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ
[ ١٤٩ ]
عشر حجج حج عَن نَفسه حجَّة يتوسل بِتِلْكَ الْحجَج إِلَى الله فِي قبُول حجَّته
الْبَاب السَّابِع وَالسِّتُّونَ
فِي لطائف الله للْقَوْم وتنبيهه إيَّاهُم بالهاتف
قَالَ أَبُو سعيد الخراز بَينا أَنا عَشِيَّة عَرَفَة قطعني قرب الله ﷿ عَن سُؤال الله ثمَّ نازعتني نَفسِي بِأَن أسأَل الله تَعَالَى فَسمِعت هاتفا يَقُول أبعد وجود الله تسْأَل الله غير الله
قَالَ أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِي حججْت سنة من السنين فَكنت أَمْشِي فَوَقَعت فِي بِئْر فنازعتني نَفسِي بِأَن أستغيث فَقلت لَا وَالله لَا أستغيث فَمَا استتممت هَذَا الخاظر حَتَّى مر بِرَأْس بالبئر رجلَانِ فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر تعال حَتَّى نطم رَأس هَذَا الْبِئْر من الطَّرِيق فَأتوا بقصب وبارية وهممت أَن أصيح ثمَّ قلت يَا من هُوَ أقرب إِلَى مِنْهُمَا وَسكت حَتَّى طموا ومضوا فَإِذا أَنا بِشَيْء قد دلى برجليه فِي الْبِئْر وَهُوَ يَقُول تعلق بِي فتعلقت بِهِ فَإِذا هُوَ سبع وَإِذا هَاتِف يَهْتِف بِي وَيَقُول لي يَا أَبَا حَمْزَة هَذَا حسن نجيناك من التّلف فِي الْبِئْر بالسبع
قَالَ سَمِعت بعض أَصْحَابنَا يَقُول قَالَ أَبُو الْوَلِيد السقاء قدم إِلَى أَصْحَابنَا بوما لَبَنًا فَقلت هَذَا يضرني فَلَمَّا كَانَ يَوْم من الايام دَعَوْت الله تَعَالَى فَقلت اللَّهُمَّ اغْفِر لي فَإنَّك تعلم أَنِّي مَا أشركت بك طرفَة عين فَسمِعت هاتفا يَهْتِف بِي وَيَقُول وَلَا لَيْلَة اللَّبن
قَالَ أَبُو سعيد الخراز كنت فِي الْبَادِيَة فنالني جوع شَدِيد فطالبتني نَفسِي بِأَن أسأَل الله طَعَاما فَقلت لَيْسَ هَذَا من فعل المتوكلين فطالبتني نَفسِي بِأَن أسأَل الله صبرا فَلَمَّا هَمَمْت بذلك سَمِعت هاتفا يَقُول
[ ١٥٠ ]
. وَيَزْعُم أَنه منا قريب
وَأَنا لَا نضيع من أَتَانَا
ويسألنا القوى عَجزا وضعفا
كأنا لَا نرَاهُ وَلَا يَرَانَا
وَيشْهد لصِحَّة حَال الْهَاتِف مَا حَدثنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود قَالَ حا نصر بن زَكَرِيَّا حا عمار بن الْحسن حا سَلمَة بن الْفضل حا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت لما أَرَادوا غسل النَّبِي ﷺ اخْتلفُوا فِيهِ فَقَالُوا وَالله مَا نَدْرِي أنجرد رَسُول الله من ثِيَابه كَمَا نجرد مَوتَانا أَو نغسله وَعَلِيهِ ثِيَابه قَالَت فَلَمَّا اخْتلفُوا ألْقى الله عَلَيْهِم السّنة حَتَّى مَا بَقِي مِنْهُم أحد إِلَّا وذقنه فِي صَدره ثمَّ كَلمهمْ مُتَكَلم من نَاحيَة الْبَيْت لَا يَدْرُونَ من هُوَ أَن اغسلوا النَّبِي وَعَلِيهِ ثِيَابه
الْبَاب الثَّامِن وَالسِّتُّونَ
تنبيههم اياهم بالفراسات قَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن الْمُهْتَدي كنت فِي الْبَادِيَة فَرَأَيْت رجلا يمشي بَين يَدي حافي الْقدَم حاسر الرَّأْس لَيْسَ مَعَه ركوة فَقلت فِي نَفسِي كَيفَ يُصَلِّي هَذَا الرجل مَا لهَذَا طَهَارَة وَلَا صَلَاة قَالَ فَالْتَفت إِلَى فَقَالَ ﴿يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ﴾ قَالَ فَسَقَطت مغشيا عَليّ قَالَ فَلَمَّا أَفَقْت استغفرت الله من تِلْكَ الرُّؤْيَة الَّتِي نظرت بهَا إِلَيْهِ فَبينا أَنا أَمْشِي فِي بعض الطَّرِيق فَإِذا هُوَ بَين يَدي فَلَمَّا رَأَيْته هِبته وتوقفت فَالْتَفت إِلَى ثمَّ قَرَأَ ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات﴾ قَالَ ثمَّ غَابَ فَمَا رَأَيْته بعد ذَلِك أَو كَمَا قَالَ
سَمِعت أَبَا الْحسن الْفَارِسِي يَقُول قَالَ لي أَبُو الْحسن المزين دخلت الْبَادِيَة
[ ١٥١ ]
وحدي على التَّجْرِيد فَلَمَّا بلغت العمق قعدت على شَفير الْبركَة فحدثتني نَفسِي بقطعها الْبَادِيَة على التَّجْرِيد ودخلها شَيْء من الْعجب فَإِذا أَنا بالكتاني أَو غَيره الشَّك مني من وَرَاء الْبركَة فناداني يَا حجام إِلَى كم تحدث نَفسك نَفسك بالاباطيل
وَيرى أَنه قَالَ لَهُ يَا حجام احفظ قَلْبك وَلَا تحدث نَفسك بالاباطيل
وَقَالَ ذُو النُّون رَأَيْت فَتى عَلَيْهِ أطمار رثَّة فتقذرته نَفسِي وَشهد لَهُ قلبِي بِالْولَايَةِ فقيت بَين نَفسِي وقلبي أتفكر فَاطلع الْفَتى على سري فَنظر إِلَى فَقَالَ يَا ذَا النُّون لَا تبصرني لكَي ترى خلقي وانما الدّرّ دَاخل الصدف ثمَّ ولى وَهُوَ يَقُول تهت على أهل ذَا الزَّمَان فَمَا
أرفع مِنْهُم لوَاحِد رَأْسا
ذَاك لاني فَتى أَخُو فطن
أعرف نَفسِي وَأعرف الناسا
فصرت حرا مملكا ملكا
مدرعا بالقنوع لباسا
وَيشْهد لصِحَّة الفراسة مَا حَدثنَا أَحْمد بن عَليّ قَالَ حا ثَوَاب بن يزِيد الْموصِلِي حا إِبْرَاهِيم بن الْهَيْثَم الْبَلَدِي حا أَبُو صَالح كَاتب اللَّيْث حا مُعَاوِيَة بن صَالح عَن رَاشد بن سعيد عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله
الْبَاب التَّاسِع وَالسِّتُّونَ
تنبيهه إيَّاهُم بالخواطر
قَالَ أَبُو بكر بن مُجَاهِد المقريء قدم أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يَوْمًا ليُصَلِّي بِالنَّاسِ وَمَا كَانَ يؤم فَيقدم اضطرارا فَلَمَّا تقدم قَالَ للنَّاس اسْتَووا فَغشيَ عَلَيْهِ فَلم يفق إِلَّا بالغد فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ وَقت مَا قلت لكم اسْتَووا وَقع فِي قلبِي خاطر من الله تَعَالَى كَأَنَّهُ يَقُول لي يَا عَبدِي هَل استويت لي قطّ طرفَة عين حَتَّى تَقول لخلقي اسْتَووا
[ ١٥٢ ]
قَالَ الْجند مَرضت مرضة فَسَأَلت الله أَن يعافيني فَقَالَ لي فِي سري لَا تدخل بيني وَبَين نَفسك
قَالَ سَمِعت بعض أَصْحَابنَا يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن سَعْدَان يَقُول سَمِعت بعض الكبراء يَقُول رُبمَا أغفو غفوة فأنادى أتنام عني إِن نمت عني لاضربنك بالسياط
الْبَاب السبعون
تنبيهه إيَّاهُم فِي الرُّؤْيَا ولطائفها
قَالَ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن غَالب يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن خَفِيف يَقُول سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عَليّ الكتاني يَقُول رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي عادتي فَكَانَت الْعَادة قد جرت لَهُ أَنه كَانَ يرى النَّبِي ﷺ كل لَيْلَة اثْنَيْنِ وخميس فيسأله مسَائِل فَيُجِيبهُ عَنْهَا قَالَ فرأيته قد أقبل عَليّ وَمَعَهُ أَرْبَعَة نفر
فَقَالَ لي يَا أَبَا بكر أتعرف من هَذَا
قلت نعم هُوَ أَبُو بكر
ثمَّ قَالَ لي أتعرف هَذَا
قلت نعم هُوَ عمر
ثمَّ قَالَ أتعرف هَذَا
قلت نعم هُوَ عُثْمَان
ثمَّ قَالَ لي أتعرف هَذَا الرَّابِع
فتوقفت وَلم أجب فَأَعَادَ عَليّ ثَانِيًا فتوقفت فَأَعَادَ عَليّ ثَالِثا فتوقفت وَكَانَ فِي قلبِي مِنْهُ غيرَة قَالَ فَجمع كَفه وَأَشَارَ بهَا إِلَى ثمَّ بسطها وَضرب بهَا
[ ١٥٣ ]
صَدْرِي وَقَالَ لي يَا أَبَا بكر قل هَذَا عَليّ بن أبي طَالب
فَقلت يَا رَسُول الله هَذَا عَليّ بن ابي طَالب قَالَ فآخى ﵇ بيني وَبَين عَليّ ﵁ قَالَ ثمَّ أَخذ عَليّ ﵁ بيَدي وَقَالَ لي يَا أَبَا بكر قُم حَتَّى تخرج إِلَى الصَّفَا فَخرجت مَعَه إِلَى الصَّفَا وَكنت نَائِما فِي حُجْرَتي فَاسْتَيْقَظت فَإِذا أَنا على الصَّفَا
قَالَ سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله بن الْجلاء يَقُول دخلت مَدِينَة رَسُول الله ﷺ وَبِي شَيْء من الْفَاقَة فتقدمت إِلَى القب وسلمت على النَّبِي ﷺ وعَلى ضجيعيه أبي بكر وَعمر ﵄ ثمَّ قلت يَا رَسُول الله بِي فاقة وَأَنا ضيفك اللَّيْلَة ثمَّ تنحيت ونمت بَين الْقَبْر والمنبر فَإِذا أَنا بِالنَّبِيِّ ﵇ جَاءَنِي وَدفع إِلَيّ رغيفا فَأكلت نصفه فانتبهت فَإِذا فِي يَدي نصف الرَّغِيف
قَالَ يُوسُف بن الْحُسَيْن كَانَ عندنَا شَاب من أهل الارادة أقبل على الحَدِيث وَقصر فِي قِرَاءَة الْقُرْآن فَأتى فِي مَنَامه فَقيل لَهُ إِن لم تكن بِي جَافيا فَلم هجرت كتابي أما تدبرت مَا فِيهِ من لطيف خطابي
يشْهد لصِحَّة الرُّؤْيَا مَا حَدثنَا على بن الْحسن بن أَحْمد السَّرخسِيّ إِمَام جَامعهَا حا أَبُو الْوَلِيد مُحَمَّد بن إِدْرِيس السّلمِيّ حا سُوَيْد حا مُحَمَّد بن عَمْرو بن صَالح بن مَسْعُود الكلَاعِي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ دخلت مَسْجِد الْبَصْرَة فَإِذا رَهْط من أَصْحَابنَا جُلُوس فَجَلَست إِلَيْهِم فَإِذا هم يذكرُونَ رجلا يغتابونه فنهيتهم عَن ذكره وحدثتهم بِأَحَادِيث فِي الْغَيْبَة بلغتني عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ فَأمْسك الْقَوْم وَأخذُوا فِي حَدِيث آخر ثمَّ عرض ذكر ذَلِك الرجل فتناولوه وتناولته مَعَهم فانصرفوا إِلَى رحالهم وانصرفت إِلَى رحلي فَنمت فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي أسود فِي يَده طبق من خلاف
[ ١٥٤ ]
وَعَلِيهِ قِطْعَة من لحم خِنْزِير فَقَالَ لي كل قلت لَا آكل هَذَا لحم خِنْزِير قَالَ كل قلت لَا آكل هَذَا لحم خِنْزِير قَالَ كل قلت لَا آكل هَذَا لحم خِنْزِير هَذَا حرَام قَالَ لتأكلنه فأبيت عَلَيْهِ ففك لحي ووضعها فِي فمي فَجعلت ألوكها وَهُوَ قَائِم بَين يَدي فَجعلت أَخَاف أَن القيها وأكره أَن أسترطها فَاسْتَيْقَظت على تِلْكَ الْحَال فوَاللَّه لقد لَبِثت ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثَلَاثِينَ لَيْلَة مَا يَنْفَعنِي طَعَام أطْعمهُ وَلَا شراب أشربه إِلَّا وجدت طعمها فِي فمي وريحها فِي منخري
الْبَاب الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ
لطائف الْحق بهم فِي غيرته عَلَيْهِم
دخل جمَاعَة على رَابِعَة يعودونها من شكوى فَقَالُوا مَا حالك
قَالَت وَالله مَا أعرف لعلتي سَببا غير أَنِّي عرضت على الْجنَّة فملت بقلبي إِلَيْهَا فأحسب أَن مولَايَ غَار عَليّ فعاتبني فَلهُ العتبى
قَالَ الْجُنَيْد دخلت على سري السَّقطِي فَرَأَيْت عِنْده خزف كوز مكسور فَقلت مَا هَذَا
قَالَ جَاءَتْنِي الصبية البارحة بكوز فِيهِ مَاء فَقَالَت لي يَا أَبَت هَذَا الْكوز مُعَلّق هَهُنَا فَإِذا برد فأشربه فَإِنَّهَا لَيْلَة غمَّة فغلبتني عَيْني فَرَأَيْت جَارِيَة من أحسن الْجَوَارِي دخلت عَليّ فَقلت لمن أَنْت قَالَت لمن لَا يشرب المَاء الْمبرد فِي الكيزان وَضربت بِيَدِهَا إِلَى الْكوز فانكسر وَهُوَ الَّذِي ترى فَمَا زَالَ الخزف مَكَانَهُ لم يحركه حَتَّى ستره الْغُبَار
قَالَ المزين أَقمت فِي بعض الْمنَازل بالبادية سَبْعَة أَيَّام لم أطْعم شَيْئا فأضافني
[ ١٥٥ ]
رجل فِي منزله فَقدم إِلَى تَمرا وخبزا فَلم أقدر على أكله فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل اشتهيته فَأخذت نواة أعالج بهَا فتح فمي فَضربت النواة سني فَقَالَت صبية من الْبَيْت يَا أبي كم يَأْكُل ضيفنا اللَّيْلَة فَقلت يَا سَيِّدي جوع سَبْعَة أَيَّام ثمَّ تنغص على وَعزَّتك لَا ذقته
قَالَ أَحْمد بن السمين كنت أَمْشِي فِي طَرِيق مَكَّة فَإِذا أَنا بِرَجُل يَصِيح أَغِثْنِي يَا رجل الله الله
قلت مَالك مَالك
قَالَ خُذ مني هَذِه الدَّرَاهِم فَإِنِّي مَا أقدر أَن أذكر الله وَهِي معي فأخذتها مِنْهُ فصاح لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك وَكَانَت أَرْبَعَة عشر درهما
قيل لابي الْخَيْر الاقطع مَا كَانَ سَبَب قطع يدك قَالَ كنت فِي جبل لكام أَو لبنان وَمَعِي رَفِيق لي فجَاء رجل من بعض السلاطين وَمَعَهُ دَنَانِير يفرقها فناولني مِنْهَا دِينَارا فمددت إِلَيْهِ ظهر كفي فَوضع عَلَيْهَا دِينَارا فقلبته يَدي فِي حجر رفيقي وَقمت فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة إِذا أَنا بأصحاب السُّلْطَان يطْلبُونَ لصوصا فأخذوني فَقطعُوا يَدي
يشْهد فَهَذَا الْمَعْنى مَا حَدثنَا بِهِ أمد بن حَيَّان التَّمِيمِي قَالَ أخبرنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أسماعيل حا قُتَيْبَة بن سعيد حا يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الاسكندراني عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة عَن مَحْمُود بن لبيد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله تَعَالَى ليحمي عَبده من الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبهُ كَمَا تحمون مرضاكم
[ ١٥٦ ]
الْبَاب الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ
لطائفه بهم فِيمَا يحملهم
سَمِعت فَارِسًا يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن الْعلوِي تلميذ إِبْرَاهِيم الْخَواص يَقُول رَأَيْت الْخَواص بالدينور فِي جَامعهَا وَهُوَ جَالس فِي وَسطه والثلج يَقع عَلَيْهِ فأدركني الاشفاق عَلَيْهِ فَقلت لَهُ لَو تحولت إِلَى الْكن
فَقَالَ لَا ثمَّ أنشأ يَقُول لقد وضح الطَّرِيق إِلَيْك قصدا
فَمَا أحد أرادك يسْتَدلّ
فَإِن ورد الشتَاء ففيك صيف
وَأَن ورد المصيف ففيك ظلّ
ثمَّ قَالَ لي هَات يدك فناولته يَدي فأدخلتها تَحت خرقته فَإِذا هُوَ يتصبب عرقا
قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن الْفَارِسِي يَقُول كنت فِي بعض الْوَادي فَأَصَابَنِي عَطش شَدِيد حَتَّى تعبت عَن الْمَشْي من الضعْف وَكنت سَمِعت أَن العطشان تقطر عَيناهُ قبل أَن يَمُوت قَالَ فَقَعَدت وَأَنا أنْتَظر تقطر عَيْني إِذْ سَمِعت حسا فَنَظَرت فَإِذا هِيَ حَيَّة بَيْضَاء كَأَنَّهَا الْفضة الصافية تبرق وَقد قصدتني مسرعة فهالتني فَقُمْت فَزعًا ودخلتني قُوَّة من الْفَزع فَجعلت أَمْشِي على ضعف وَهِي خَلْفي تنفث فَلم أزل أَمْشِي وَهِي خَلْفي حَتَّى بلغت مَاء وَسكن الْحس فَالْتَفت فَلم أرها وشربت المَاء فنجوت قَالَ وَرُبمَا يكون بِي غم أوعلة فأراها فِي النّوم فَتكون بِشَارَة لي بفرج غمي وَزَوَال علتي
الْبَاب الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ
لطائفه بهم فِي الْمَوْت وَبعده
قَالَ أَبُو الْحسن الْمَعْرُوف بالقزاز كُنَّا فِي الْفَج فَأَتَانَا شَاب حسن الْوَجْه عَلَيْهِ
[ ١٥٧ ]
طمران فَسلم علينا وَقَالَ هَهُنَا مَوضِع أَمُوت فِيهِ نظيف قَالَ فعجبنا وَقُلْنَا لَهُ نعم فدللناه على عين بِالْقربِ منا فَذهب فَتَوَضَّأ وَصلى مَا شَاءَ الله ثمَّ انتظرنا سَاعَة فَلم يجئنا فأتيناه فَإِذا هُوَ ميت
قَالَ أَصْحَاب سهل بن عبد الله كَانَ سهل على التخت يغسل وسبابته من يَده الْيُمْنَى منتصبة يُشِير بهَا
قَالَ أَبُو عَمْرو الاصطخري رَأَيْت أَبَا تُرَاب النخشبي فِي الْبَادِيَة قَائِما مَيتا لَا يمسِكهُ شَيْء
قَالَ إِبْرَاهِيم بن شَيبَان وافاني بعض المريدين فاعتل عِنْدِي أَيَّامًا فَمَاتَ فَلَمَّا أَن أَدخل فِي قَبره أردْت أَن أكشف خَدّه وأضعه على التُّرَاب تذللا لَعَلَّ الله يرحمه فَتَبَسَّمَ فِي وَجْهي وَقَالَ لي تذللني بَين يَدي من يدللني قَالَ قلت لَا يَا حَبِيبِي أحياة بعد الْمَوْت فَأجَاب اما علمت ان احباءه لَا يملكُونَ وَلَكِن ينقلونمن دَار إِلَى دَار
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن شَيبَان أَيْضا كَانَ عِنْدِي فِي الْقرْيَة شَاب من أَهلهَا متنسكا ملازما لِلْمَسْجِدِ وَكنت مشغوفا بِهِ فاعتل فَأتيت فِي بعض الْجُمُعَات البد للصَّلَاة وَكنت إِذا جِئْت الْبَلَد أقيم عِنْد اخواني بَقِيَّة يومي وليلتي فَوَقع عَليّ الانزعاج بعد الْعَصْر فَأتيت الْقرْيَة بعد الْعَتَمَة فَسَأَلت عَن الْفَتى قَالُوا نظنه متوجعا فَأَتَيْته وسلمت عَلَيْهِ وصافحته فَخرجت روحه مَعَ المصافحة فتوليت غسله فغلطت فِي صب المَاء أردْت أَن أصب على يَمِينه صببت على يسَاره وَيَده فِي يَدي فَانْتزع يَده من يَدي حَتَّى ذهب مَا كَانَ عَلَيْهِ من السدر فَغشيَ عَليّ من كَانَ معي ثمَّ فتح عَيْنَيْهِ فِي فَفَزِعت وَصليت عَلَيْهِ وَدخلت الْقَبْر أواريه وكشفت عَن وَجهه فَفتح عَيْنَيْهِ وَتَبَسم حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه وثناياه فسوينا عَلَيْهِ وحثينا عَلَيْهِ التُّرَاب
يشْهد لصِحَّة ذَلِك مَا حَدثنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي حا نصر
[ ١٥٨ ]
ابْن أَحْمد الْبَغْدَادِيّ ح الْوَلِيد بن شُجَاع السكونِي عَن خَالِد عَن نَافِع الاشعري عَن حَفْص بن يزِيد بن مَسْعُود بن خرَاش أَن الرّبيع بن خرَاش كَانَ حلف أَن لَا يضْحك حَتَّى يعلم أَفِي الْجنَّة هُوَ أم فِي النَّار فَمَكثَ لَا يرَاهُ أحد يضْحك حَتَّى مَاتَ فِيمَا يرَوْنَ فأغمضوه وسجوه وبعثوا الى قَبره ليحفر وبعثوا إِلَى كَفنه فَأتى بِهِ
فَقَالَ ربعي بن خرَاش رحم الله أخي كَانَ أقومنا فِي اللَّيْل الطَّوِيل وأصومنا فِي الْيَوْم الْحَار قَالَ فَإِنَّهُم لجُلُوس حوله إِذْ طرح الثَّوْب عَن وَجهه فَاسْتَقْبَلَهُمْ وَهُوَ يضْحك
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ ربعي يَا أخي أبعد الْمَوْت حَيَاة
قَالَ نعم إِنِّي لقِيت رَبِّي وَإنَّهُ تَلقانِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان وَإنَّهُ قد كساني سندسا وَحَرِيرًا أَلا وَإِنِّي وجدت الامر أيسر مِمَّا ترَوْنَ فَلَا تغتروا فَإِن خليلي مُحَمَّدًا ﷺ ينتظرني ليُصَلِّي عَليّ الْوَحْي الْوَحْي ثمَّ خرجت نَفسه فِي آخر ذَلِك كَأَنَّهَا حَصَاة قذفت فِي مَاء فَبلغ ذَلِك عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ فَقَالَت اخو بني عبس ﵀ سَمِعت رَسُول الله يَقُول يتَكَلَّم رجل من أمتِي بعد الْمَوْت من خير التَّابِعين
الْبَاب الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ
من لطائف مَا جرى عَلَيْهِم
قَالَ أَبُو بكر القحطبي كنت فِي مجْلِس سمنون فَوقف عَلَيْهِ رجل فَسَأَلَهُ عَن الْمحبَّة فَقَالَ لَا أعرف الْيَوْم من أَتكَلّم عَلَيْهِ يعلم هَذِه الْمَسْأَلَة فَسقط على رَأسه طَائِر فَوَقع على ركبته فَقَالَ إِن كَانَ فَهَذَا ثمَّ جعل يَقُول وَيُشِير الى الطير
[ ١٥٩ ]
بلغ من أَحْوَال الْقَوْم كَذَا وَكَذَا فشاهدوا كَذَا وَكَذَا وَكَانُوا فِي حَال كَذَا وَكَذَا فَلم يزل يتَكَلَّم عَلَيْهِ حَتَّى سقط الطير عَن ركبته مَيتا
قَالَ أَبُو بكر بن مُجَاهِد سَمِعت أَحْمد بن سِنَان الْعَطَّار يَقُول سَمِعت بعض أَصْحَابنَا يَقُول خرجت يَوْمًا إِلَى نيل وَاسِط فَإِذا أَنا بطير أَبيض فِي وسط المَاء وَهُوَ يَقُول سُبْحَانَ الله على غَفلَة النَّاس
قَالَ جَعْفَر سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول لقِيت شَابًّا من المريدين فِي الْبَادِيَة جَالِسا عِنْد شَجَرَة فَقلت يَا غُلَام مَا الَّذِي أجلسك هنها
فَقَالَ ضال افتقدته فمضيت وَتركته فَلَمَّا انْصَرف إِذا أَنا بِهِ قد انْتقل إِلَى مَوضِع قريب مني فَقلت لَهُ فَمَا جلوسك السَّاعَة هَهُنَا
قَالَ وجدت مَا كنت أطلبه فِي هَذَا الْموضع فَلَزِمته
فَقَالَ الْجُنَيْد فَلَا أَدْرِي أَي حاليه أشرف لُزُومه لافتقاد حَاله أَو لُزُومه الْموضع الَّذِي نَالَ فِيهِ مُرَاده
قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَعْدَان سَمِعت بعض الكبراء يَقُول كنت يَوْمًا جَالِسا بحذاء الْبَيْت فَسمِعت أنينا من الْبَيْت يَا جدر تَنَح عَن طَرِيق أوليائي وأحبائي فَمن زارك بك طَاف حولك وَمن زارني بِي طَاف عِنْدِي
الْبَاب الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ
فِي السماع
السماع استجام من تَعب الْوَقْت وتنفس لارباب الاحوال واستحضار الاسرار لِذَوي الاشغال
وَإِنَّمَا اختير على غَيره مِمَّا تستروح إِلَيْهِ الطباع لبعد النُّفُوس عَن التشبث بِهِ والسكون إِلَيْهِ فَإِنَّهُ من الْقَضَاء يَبْدُو وَإِلَى الْقَضَاء يعود
[ ١٦٠ ]
وأرباب الكشوف والمشاهدات استغنوا عَنْهَا بالاسباب الحاملة لَهُم تنزه أسرارهم فِي ميادين الكشوف
سَمِعت فَارِسًا يَقُول كنت عِنْد قوطة الْموصِلِي وَكَانَ لزم سَارِيَة فِي جَامع بَغْدَاد أَرْبَعِينَ سنة قُلْنَا لَهُ هَهُنَا قَوَّال طيب نَدْعُوهُ لَك
قَالَ أَنا أجل من أَن يستقطعني شخص أَو ينفذ فِي قَول أَنا ردم كُله
فالسماع إِذا قرع الاسماع أثار كوامن أسرارها فَمن بَين مُضْطَرب لعجز الصّفة عَن حمل الْوَارِد وَمن بَين مُتَمَكن بِقُوَّة الْحَال
قَالَ أَبُو مُحَمَّد رُوَيْم إِن الْقَوْم سمعُوا الذّكر الاول حِين خاطبهم بقوله ﴿أَلَسْت بربكم﴾ فكمن ذَلِك فِي أسرارهم كَمَا كمن كَون ذَلِك فِي عُقُولهمْ فَلَمَّا سمعُوا كوامن أَسْرَاهُم فانزعجوا كَمَا ظَهرت كوامن عُقُولهمْ عِنْد إِخْبَار الْحق لَهُم عَن ذَلِك فصدقوا
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْبَغْدَادِيّ يَقُول السماع على ضَرْبَيْنِ فطائفة سَمِعت الْكَلَام فاستخرجت مِنْهُ عِبْرَة وَهَذَا لَا يسمع إِلَّا بالتمييز وَحُضُور الْقلب وَطَائِفَة سَمِعت النغمة وَهِي قوت الرّوح فَإِذا ظفر الرّوح بقوته أشرف على مقَامه وَأعْرض عَن تَدْبِير الْجِسْم فَظهر عِنْد ذَلِك من المستمع الِاضْطِرَاب وَالْحَرَكَة
قَالَ أَبُو عبد الله النباجي السماع مَا أثار فكرة واكتسب عِبْرَة وَمَا سواهُ فتْنَة
قَالَ الْجُنَيْد الرَّحْمَة تنزل على الْفَقِير فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع عِنْد الاكل فَإِنَّهُ لَا يَأْكُل إِلَّا عِنْد الْحَاجة وَعند الْكَلَام فَإِنَّهُ لَا يتَكَلَّم إِلَّا للضَّرُورَة وَعند السماع فَإِنَّهُ لَا يسمع إِلَّا عِنْد الوجد
تمّ الْكتاب بِحَمْد الله
[ ١٦١ ]