قَوْلهم فِي الْجمع والتفرقة
أول الْجمع جمع الهمة وَهُوَ أَن تكون الهموم كلهَا هما وَاحِدًا
وَفِي الحَدِيث من جعل الهموم هما وَاحِدًا هم الْمعَاد كَفاهُ الله سَائِر همومه وَمن تشعبت بِهِ الهموم لم يبال الله فِي أَي أَوديتهَا هلك
وَهَذِه حَال المجاهدة والرياضة
وَالْجمع الَّذِي يعنيه أَهله هُوَ أَن يصير ذَلِك حَالا لَهُ وَهُوَ أَن لَا تتفرق همومه فيجمعها تكلّف العَبْد بل تَجْتَمِع الهموم فَتَصِير بِشُهُود الْجَامِع لَهَا هما وَاحِدًا وَيحصل الْجمع إِذْ كَانَ بِاللَّه وَحده دون غَيره
والتفرقة الَّتِى هِيَ عقيب الْجمع هُوَ أَن يفرق بَين العَبْد وَبَين همومه فِي حظوظه وَبَين طلب مرافقه وملاذه فَيكون مفرقا بَينه وَبَين نَفسه فَلَا تكون حركاته لَهَا وَقد يكون الْمَجْمُوع نَاظرا إِلَى حظوظه فِي بعض الاحوال غير أَنه مَمْنُوع مِنْهَا قد حيل بَينه وَبَينهَا لَا يَتَأَتَّى لَهُ مِنْهَا شَيْء وَهُوَ غير كَارِه لذَلِك بل مُرِيد لَهُ لعلمه بِأَنَّهُ فعل الْحق بِهِ واختصاصه لَهُ وجذبه إِيَّاه مِمَّا دونه
سُئِلَ بعض الْكِبَار عَن الْجمع مَا هُوَ
[ ١١٩ ]
فَقَالَ جمع الاسرار بِمَا لَيْسَ مِنْهُ بُد وقهرها فِيهِ اذ لَا شبه لَهُ وَلَا ضد
وَقَالَ غَيره جمعهم بِهِ حِين وصلهم بالقصور عَنهُ وفرقهم عَنهُ حِين طلبوه بِمَا مِنْهُم فسنح التشتيت لارتياده بالاسباب وَحصل الْجمع حِين شاهدوه فِي كل بَاب
قالتفرقة الَّتِى عبر عَنْهَا هِيَ الَّتِي قبل الْجمع مَعْنَاهُ أَن التَّقَرُّب إِلَيْهِ بالاعمال تفرقه وَإِذا شاهدوه مقربا لَهُم فَهُوَ الْجمع
أنشدونا لبَعض الْكِبَار الْجمع أفقدهم من حَيْثُ هم قدما
وَالْفرق أوجدهم حينا بِلَا أثر
فَاتَت نُفُوسهم والفوت فقدهم
فِي شَاهد جمعُوا فِيهِ عَن الْبشر
وجمعهم عَن نعوت الرَّسْم محوهم
عَمَّا يؤثره التلوين بِالْغَيْر
والحين حَال تلاشت فِي قديمهم
عَن شَاهد الْجمع إِضْمَار بِلَا صور
حَتَّى توافى لَهُم فِي الْفرق مَا عطفت
عَلَيْهِم مِنْهُ حِين الْوَقْت فِي الْحَضَر
فالجمع غيبتهم وَالْفرق حَضرتهمْ
والوجد والفقد فِي هذَيْن بِالنّظرِ
معنى قَوْله الْجمع أفقدهم من حَيْثُ هم أى علمهمْ بوجودهم للحق فِي علمه بهم أفقدهم من الْحِين الَّذِي صَارُوا موجودين لَهُ فَجعل الْجمع حَالَة الْعَدَم حَيْثُ لم يكن إِلَّا علم الْحق بهم وَالْفرق حَالَة مَا أخرجهم من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود
قَوْله فَاتَت نُفُوسهم أَي رأوها حِين الْوُجُود كَمَا كَانُوا إِذْ هم فقود لَا يملكُونَ لانفسهم ضرا وَلَا نفعا وَلَا يتَغَيَّر علم الله فيهم
وجمعهم هُوَ أَن يمحوهم عَن نعوت الرَّسْم وَهِي أفعالهم وأوصافهم فِي أَنَّهَا لَا تُؤثر أثر تلوين وتغيير بل تكون على مَا علم الله جلّ وَعز وَقدر وَحكم فتلاشت حَالهم حِين وجودهم فِي قديم الْعلم إِذْ كَانُوا معدمين لَا موجودين مصورين وَإِذا أوجدهم أجْرى عَلَيْهِم مَا سبق لَهُم مِنْهُ
فالجمع أَن يغيبوا عَن حضورهم وشهودهم إيَّاهُم متصرفين
وَالْفرق أَن يشْهدُوا أَحْوَالهم وأفعالهم
[ ١٢٠ ]
والوجد والفقد حالتان متغايرتان لَهُم لَا للحق تَعَالَى
قَالَ أَبُو سعيد الخراز معنى الْجمع أَنه أوجدهم نَفسه فِي أنفسهم بل أعدمهم وجودهم لانفسهم عِنْد وجودهم لَهُ
مَعْنَاهُ قَوْله كنت لَهُ سمعا وبصرا ويدا فبى يسمع وَبِي يبصر الْخَبَر
وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يتصرفون بِأَنْفسِهِم لَا لأَنْفُسِهِمْ فصاروا متصرفين للحق بِالْحَقِّ
الْبَاب الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ
قَوْلهم فِي التجلي والاستتار
قَالَ سهل التجلي على ثَلَاثَة أَحْوَال
تجلي ذَات وَهِي المكاشفة وتجلي صِفَات الذَّات وَهِي مَوضِع النُّور وتجلى حكم الذَّات وَهِي الْآخِرَة وَمَا فِيهَا
معنى قَوْله تحلى ذَات وَهِي المكاشفة كشوف الْقلب فِي الدُّنْيَا كَقَوْل عبد الله بن عمر كُنَّا نتراءى الله فِي ذَلِك الْمَكَان يَعْنِي فِي الطّواف وَقَالَ النَّبِي ﷺ اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ وكشوف العيان فِي الْآخِرَة
وَمعنى قَوْله تجلى صِفَات الذَّات وَهِي مَوضِع النُّور هُوَ أَن تتجلى لَهُ قدرته عَلَيْهِ فَلَا يخَاف غَيره وكفايته لَهُ فَلَا يَرْجُو سواهُ
وَكَذَلِكَ جَمِيع الصِّفَات كَمَا قَالَ حَارِثَة كَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا كَأَنَّهُ تجلى لَهُ كَلَامه فِي أخباره فَصَارَ الْخَبَر لَهُ كالمعاينة
وتحلى حكم الذَّات يكون فِي الْآخِرَة فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير
قَالَ بعض الْكِبَار عَلامَة تجلى الْحق للاسرار هُوَ أَن لَا يشْهد السِّرّ مَا يتسلط عَلَيْهِ التَّعْبِير أَو يحويه الْفَهم فَمن عبر أَو فهم فَهُوَ خاطر اسْتِدْلَال لَا نَاظر إجلال
[ ١٢١ ]
مَعْنَاهُ أَن يشْهد مَا لَا يُمكنهُ الْعبارَة عَنهُ أَي التَّعْبِير عَنهُ لانه لَا يشْهد إِلَّا تَعْظِيمًا وهيبة فيمنعه ذَلِك عَن تَحْصِيل مَا شَاهد من الْحَال وأنشدونا لبَعْضهِم إِذا مَا بَدَت لي تعاظمتها
فأصدر فِي حَال من لم يرد
أَجِدهُ إِذا غبت عني بِهِ
وَأشْهد وجدي لَهُ قد فقد
فَلَا الْوَصْل يشهدني غَيره
وَلَا أَنا أشهده مُنْفَرد
جمعت وَفرقت بِهِ عني
ففرد التواصل مثنى الْعدَد
مَعْنَاهُ إِذا بَدَت الْحَقِيقَة غلب على التَّعْظِيم فأغيب فِي شَاهد التَّعْظِيم عَن شُهُود التَّحْصِيل فَأَكُون كمن لم يبد لَهُ وَإِنَّمَا يكون وجودي لَهُ إِذا غبت عني وَإِذا غبت فقد وجودي فحالة الْوَصْل الَّذِي هُوَ فنائي عني لَا يشهدني غَيره وَحَالَة الِانْفِرَاد وقيامي بصفتي يغييبني عَن شُهُوده فَكَأَن جمعي بِهِ فرقني عني فَيكون حَالَة الْوَصْل هُوَ أَن يكون الله ﷿ مصرفي فَلَا أكون أَنا فِي أفعالي فَهُوَ الله تَعَالَى لَا أَنا
كَمَا قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾
وَهَذَا لِسَان الْحَال ولسان الْعلم أَن الله مصرفي وَأَنا بِهِ متصرف فَيكون المعبود وَالْعَبْد
وَقَالَ بَعضهم التجلي رفع حجبة البشرية لَا أَن تتلون ذَات الْحق جلّ وَعز عَن ذَلِك وَعلا
والاستتار أَن تكون البشرية حائلة بَيْنك وَبَين شُهُود الْغَيْب
وَمعنى رفع حجبة البشرية أَن يكون الله تَعَالَى يقيمك تَحت موارد مَا يَبْدُو لَك من الْغَيْب لَان البشرية لَا تقاوم أَحْوَال الْغَيْب
والاستتار الَّذِي يعقب التجلي هُوَ أَن تستتر الاشياء عَنْك فَلَا تشاهدها
[ ١٢٢ ]
كَقَوْل عبد الله بن عمر للَّذي سلم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الطّواف فَلم يرد عَلَيْهِ فَشَكَاهُ فَقَالَ إِنَّا كُنَّا نتراءى الله فِي ذَلِك الْمَكَان أخبر عَن تجلى الْحق لَهُ بقوله كُنَّا نتراءى الله وَأخْبر عَن الاستتار بغيبته عَن التَّسْلِيم عَلَيْهِ
وأنشدنا لبَعض الْكِبَار سرائر الْحق لَا تبدو لمحتجب
أخفاه عَنْك فَلَا تعرض مخيفه
لَا تعن نَفسك فِيمَا لست تُدْرِكهُ
حاشا الْحَقِيقَة أَن تبدو فتؤويه