وَقَالَ رجل للنوري مَا الدَّلِيل على الله
قَالَ الله
قَالَ فَمَا الْعقل
قَالَ الْعقل عَاجز وَالْعَاجِز لَا يدل إِلَّا على عَاجز مثله
وَقَالَ ابْن عَطاء الْعقل آلَة للعبودية لَا للإشراف على الربوبية
وَقَالَ غَيره الْعقل يجول حول الْكَوْن فَإِذا نظر إِلَى المكون ذاب
وَقَالَ أَبُو بكر القحطبي من لحقته الْعُقُول فَهُوَ مقهور إِلَّا من جِهَة الْإِثْبَات وَلَوْلَا أَنه تعرف إِلَيْهَا الألطاف لما أَدْرَكته من جهه الْإِثْبَات
وأنشدونا لبَعض الْكِبَار من رامه بِالْعقلِ مسترشدا سرحه فِي حيرة يلهو وشاب بالتلبيس أسراره يَقُول من حيرته هَل هُوَ
وَقَالَ بعض الْكِبَار لَا يعرفهُ إِلَّا من تعرف إِلَيْهِ وَلَا يوحده إِلَّا من توَحد لَهُ وَلَا يُؤمن بِهِ إِلَّا من لطف بِهِ وَلَا يصفه إِلَّا من تجلى لسره وَلَا يخلص لَهُ إِلَّا من جذبه إِلَيْهِ وَلَا يصلح لَهُ إِلَّا من اصطنعة لنَفسِهِ
[ ٦٣ ]
معنى من تعرف إِلَيْهِ أَي من تعرف الله إِلَيْهِ وَمعنى من توَحد لَهُ أَي أرَاهُ أَنه وَاحِد
وَقَالَ الْجُنَيْد الْمعرفَة معرفتان معرفَة تعرف وَمَعْرِفَة تَعْرِيف معنى التعرف ان يعرفهُمْ الله ﷿ نَفسه ويعرفهم الْأَشْيَاء بِهِ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم ﵇ لَا أحب الآفلين وَمعنى التَّعْرِيف أَن يُرِيهم آثَار قدرته فِي الْآفَاق والأنفس ثمَّ يحدث فيهم لطفا تدلهم الْأَشْيَاء أَن لَهَا صانعا وَهَذِه معرفَة عَامَّة الْمُؤمنِينَ وَالْأولَى معرفَة الْخَواص وكل لم يعرفهُ فِي الْحَقِيقَة إِلَّا بِهِ
وَهَذَا كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن وَاسع مَا رَأَيْت شَيْئا إِلَّا وَرَأَيْت الله فِيهِ
وَقَالَ غَيره مَا رَأَيْت شَيْئا إِلَّا وَرَأَيْت الله قبله
وَقَالَ ابْن عَطاء تعرف إِلَى الْعَامَّة بخلقه لقَوْله ﴿أَفلا ينظرُونَ إِلَى الْإِبِل كَيفَ خلقت﴾ وَإِلَى الْخَاصَّة بِكَلَامِهِ وَصِفَاته بقوله ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ وَقَالَ ﴿وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ وَإِلَى الْأَنْبِيَاء بِنَفسِهِ كَمَا قَالَ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ وَقَالَ ﴿ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل﴾ وَقَالَ بعض الكبراء من أهل الْمعرفَة لم يبْق بيني وَبَين الْحق تبياني وَلَا دَلِيل وَلَا آيَات برهاني هَذَا تجلى طُلُوع الْحق نائرة قد أزهرت فِي تلاليها بسُلْطَان
[ ٦٤ ]
لَا يعرف الْحق إِلَّا من يعرفهُ لَا بعرف القدمى المجث الفاني لَا يسْتَدلّ على الْبَارِي بصنعته رَأَيْتُمْ حَدثا ينبي عَن أزمان كَانَ الدَّلِيل لَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ بِهِ من شَاهد الْحق فِي تَنْزِيل فرقان كَانَ الدَّلِيل لَهُ مِنْهُ بِهِ وَله حَقًا وَجَدْنَاهُ بل علما بتبيان هَذَا وجودي وتشريحي ومعتقدي هَذَا توَحد تَوْحِيد وإيماني هَذَا عبارَة أهل الِانْفِرَاد بِهِ دوِي المعارف فِي سر وإعلان هَذَا وجود وجود الواجدين لَهُ بني التجانس أَصْحَابِي وخلاني
وَقَالَ بعض الكبراء إِن الله تَعَالَى عرفنَا نَفسه بِنَفسِهِ ودلنا على معرفَة نَفسه بِنَفسِهِ فَقَامَ شَاهد الْمعرفَة من الْمعرفَة بالمعرفة بعد تَعْرِيف الْمُعَرّف بهَا
مَعْنَاهُ أَن الْمعرفَة لم يكن لَهَا سَبَب غير أَن الله تَعَالَى عرف الْعَارِف فَعرف بتعريفه
وَقَالَ بعض الْكِبَار من الْمَشَايِخ البادي من المكونات مَعْرُوف بِنَفسِهِ لهجوم الْعقل عَلَيْهِ وَالْحق اعز من أَن تهجم الْعُقُول عَلَيْهِ وَأَنه عرفنَا نَفسه أَنه رَبنَا فَقَالَ ﴿أَلَسْت بربكم﴾ وَلم يقل من أَنا فتهجم الْعُقُول عَلَيْهِ حِين بدا مُعَرفا فَلذَلِك انْفَرد عَن الْعُقُول وتنزه عَن التحصل غير الْإِثْبَات
وَأَجْمعُوا أَنه لَا يعرفهُ إِلَّا ذُو عقل لِأَن الْعقل آلَة للْعَبد يعرف بِهِ مَا عرف وَهُوَ بِنَفسِهِ لَا يعرف الله تَعَالَى
[ ٦٥ ]
وَقَالَ أَبُو بكر السباك لما خلق الله الْعقل قَالَ لَهُ من أَنا فَسكت فكحله بِنور الوحدانية فَفتح عَيْنَيْهِ فَقَالَ أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت
فَلم يكن لِلْعَقْلِ ان يعرف الله إِلَّا بِاللَّه
الْبَاب الثَّانِي وَالْعشْرُونَ