١ - كتاب الله - تعالى -،
٢ - وسنة رسوله - ﷺ -؛
فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما.
وعلى هذا فما ورد إثباته لله - تعالى - من ذلك في الكتاب أو السنة وجب إثباته،
وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه، مع إثبات كمال ضده،
وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما:
١ - وجب التوقف في لفظه؛ فلا يُثْبت ولا يُنفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه.
٢ - وأما معناه فيفصل فيه؛ فإن أريد به حق يليق بالله - تعالى - فهو مقبول، وإن أريد به معنىً لا يليق بالله - ﷿ - وجب رده.
فمما ورد إثباته لله - تعالى -:
كل صفة دل عليها اسم من أسماء الله - تعالى - دلالة مطابقة، أو تضمن، أو التزام.
ومنه: كل صفة دل عليها فعل من أفعاله؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦ وَ٢٩٨)، والحموية (ص ٢٧١)، وبدائع الفوائد (١/ ٢٨٥).
[ ٩١ ]
القيامة، ونحو ذلك من أفعاله التي لا تحصى أنواعها فضلًا عن أفرادها " وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ " [إبراهيم: ٢٧].
ومنه: الوجه، والعينان، واليدان ونحوها.
ومنه: الكلام، والمشيئة، والإرادة بقسميها: الكوني والشرعي؛ فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة.
ومنه: الرضا، والمحبة، والغضب، والكراهة ونحوها (١).
ومما ورد نفيه عن الله - سبحانه - لانتفائه وثبوت كمال ضده: الموت، والنوم، والسِّنَة، والعجز، والإعياء، والظلم، والغفلة عن أعمال العباد، وأن يكون له مثيل أو كفؤ ونحو ذلك.
ومما لم يرد إثباته ولا نفيه: لفظ (الجهة)؛ فلو سأل سائل: هل نثبت لله تعالى جهة؟
قلنا له:
١ - لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتًا ولا نفيًا، ويغني عنه ما ثبت فيهما مِنْ أَنَّ الله - تعالى - في السماء.
٢ - وأما معناه؛ فإما أن يراد به:
أ - جهة سفل.
ب - أو جهة علو تحيط بالله.
ج - أو جهة علو لا تحيط به.
_________________
(١) قال المؤلف: أدلة هذه مذكورة في مواضعها من كتب العقائد. قلت: انظر توضيح مقاصد العقيدة الواسطية؛ فكثير منها شكره شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في الواسطية.
[ ٩٢ ]
فالأول باطل؛ لمنافاته لعلو الله - تعالى - الثابت بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، والإجماع.
والثاني باطل - أيضًا -؛ لأن الله - تعالى - أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته.
والثالث حق؛ لأن الله - تعالى - العلي فوق خلقه، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته.
ودليل هذه القاعدة: السمع، والعقل.
فأما السمع فمنه: قوله تعالى: " وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " [الأنعام: ١٥٥]، وقوله: " فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " [الحشر: ٧]، وقوله: " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا " [النساء: ٨٠]، وقوله: " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا " [النساء: ٥٩]، وقوله: " وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ " [المائدة: ٤٩]. إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة.
وكل نص يدل على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن فهو دال على وجوب الإيمان بما جاء في السنة؛ لأن مما جاء في القرآن الأمر باتباع النبي - ﷺ - والرد إليه عند التنازع، والرد إليه يكون إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته.
فأين الإيمان بالقرآن لمن استكبر عن اتباع الرسول - ﷺ - المأمور به في القرآن؟!
[ ٩٣ ]
وأين الإيمان بالقرآن لمن لم يَرُدَّ النزاعَ إلى النبي - ﷺ - وقد أمر الله به في القرآن؟!
وأين الإيمان بالرسول الذي أمر به القرآن لمن لم يقبل ما جاء في سنته؟!
ولقد قال الله تعالى: " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ " [النحل: ٨٩]، ومن المعلوم أن كثيرًا من أمور الشريعة العلمية والعملية جاء بيانها بالسنة، فيكون بيانها بالسنة من تبيان القرآن.
وأما العقل فنقول: إن تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله - تعالى - من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل، فوجب الرجوع فيه إلى ما جاء في الكتاب والسنة.
التعليق
مضمون هذه القاعدة: أن المعوَّل عليه في معرفة الله بأسمائه وصفاته هو الكتاب والسنة.
فكل ما أخبر الله به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله وجب الإيمان به، فإن الله - تعالى - أمر بالإيمان به وبرسوله وكتابه " فامنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا " [التغابن: ٨]، فهذا يتضمن الإيمان بكل ذلك، وهذا معنى قولنا: أن أسماء الله وصفاته توقيفية، يعني: إنما يعول فيها على توقيف الشرع، ونص الشرع، ودلالة الشرع.
وصفاته تعالى إما صفات ثبوتية أو صفات سلبية، لكن الصفات السلبية هي صفات النفي، والنفي - كما تقدم - لا يكون مدحًا إلا إذا تضمن إثباتًا لكمال؛ فالله - تعالى - موصوف بإثبات صفات الكمال؛ كالحياة والسمع والبصر والفعل فهو فعال لما يريد، وموصوف بنفي النقائص.
[ ٩٤ ]
والنقائص منها ما نُص على نفيه في الكتاب والسنة؛ كالنوم والسنة والموت واللغوب والأَوْدُ (١) والغفلة والضلال والنسيان، وكما في السنة: " إنكم لا تدعون أصم " (٢) فيه تنزيه الله - تعالى - عن الصمم.
ومن النقائص ما لم يصرح بنفيه، لكن إثبات أحد الضدين نفي للآخر: فإثبات العلم يتضمن نفي الجهل وكل ما ينافي العلم، وإثبات الحياة فيه نفي للموت وكل ما ينافي كمال الحياة، وإثبات القدرة يتضمن نفي العجز وكل ما ينافي كمال القدرة، وإثبات القوة يتضمن نفي الضعف وكل ما يستلزم الضعف، وإثبات السمع يتضمن نفي الصمم عن الله وكل ما ينافي كمال السمع وهكذا.
فالنقائص:
١ - منها ما هو منصوص على نفيه.
٢ - ومنها ما يعلم نفيه بإثبات ضده.
٣ - ومنها ما يعلم نفيه بطريق اللزوم.
فكل ما يستلزم النقص فإنه يجب نفيه عن الله، قالوا مثل: الحزن، والبكاء، والأكل، والشرب، وكذلك أدوات الأكل، وكذلك مما نزه الله نفسه عنه: الصاحبة، والولد وهكذا كل ما يتصل بهذا فإنه يجب تنزيهه - تعالى - عنه.
أما ما لم يدل على نفيه ولا على إثباته دليل بوجه من الوجوه، لا بالنص ولا بطريق التضمن ولا بطريق اللزوم، فإنه يجب التوقف فيه،
_________________
(١) كما في قوله تعالى: " ولا يؤوده حفظهما " [البقرة: ٢٥٥] ومعناه: لا يشق على الله - تعالى - ولا يعجزه ولا يكرثه ولا يثقله حفظ هذه العوالم العلوية والسفلية؛ انظر: الصفدية (٣٥٢)، توضيح مقاصد العقيدة الواسطية (ص ٥٤).
(٢) تقدم في صفحة رقم ().
[ ٩٥ ]
ومن الأمثلة في هذا: (الأُذُن) لله - تعالى - فهذه مما يجب التوقف فيها، فلا تنفى ولا تثبت، لأنه ليس عندنا ما يدل على إثباتها نصًا ولا لزومًا ولا تضمنًا (١).
وأما ما أحدثه المتكلمون من العبارات المحدثة التي أضافوها لله، فهذه فيها التفصيل الذي ذكر الشيخ، مثل: الجسم، والجهة، والحيز، والمتحيز، والمركب؛ فهذه ألفاظ مبتدعة وجمهورهم يقولون: إن الله ليس بجسم، ولا في جهة، وليس بمركب، فيقال: هذه الألفاظ:
أولًا: محدثة لم يأتِ في الكتاب ولا في السنة النص على إثباتها ولا نفيها.
وثانيًا: هي ألفاظ مجملة تحتمل حقًا وباطلًا.
ولهذا الواجب أن يستفصل ممن تكلم بها ويسأل عن مراده:
١ - فإن أراد حقًا قبل.
٢ - وإن أراد باطلًا رد.
٣ - وإن أراد حقًا وباطلًا مُيَّز، فقبل الحق ورد الباطل.
فالجسم له معان، فله معنًى في اللغة ومعاني اصطلاحية كلامية، فإذا قال قائل: الله - تعالى - ليس بجسم.
قلنا: ما تريد بالجسم؟
فإن قال: الجسم هو الذي تقوم به الصفات، لأن ما قامت به الصفات فهو جسم.
نقول: هذا باطل؛ فالله - تعالى - تقوم به الصفات، فلا يجوز نفي الجسم بهذا المعنى.
_________________
(١) شرح الرسالة التدمرية (٣٩٥).
[ ٩٦ ]
وإذا قال: المراد بالجسم هو: المركب من الجواهر المفردة.
قلنا: هذا المعنى في نفسه باطل، ونظرية الجوهر الفرد والجواهر المفردة هي في نفسها باطلة (١).
فإذا قيل: إنه - تعالى - ليس بجسم، أي: ليس بمركب من الجواهر المفردة؛ فنقول: هذا حق.
وإذا قال: الجسم هو الذي يقبل الإشارة، فيقول: الله ليس بجسم أي لا يقبل الإشارة.
قلنا: هذا باطل، فالله - تعالى - يقبل أن يشار إليه، فالرسول - ﷺ - وهو أعلم الخلق به أشار إليه بأصبعه في أعظم جمع وقال: " اللهم اشهد " (٢)، وتقول: الله فوق وتشير إليه.
وإذا قال: الجسم هو القائم بنفسه.
قلنا: هذا حق لا يجوز نفيه، فالله قائم بنفسه.
فلفظ الجسم منه معان لا يجوز نفيها عن الله، وله معان يجب نفيها، ومنها معان يمكن أن يقال: يتوقف فيها.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٦/ ١١٣)، جامع المسائل (المجموعة الخامسة / ١٦٨ وما بعدها)، الرسالة الصفدية (١٤٤)، درء تعارض العقل والنقل (١/ ١١٩، ٣/ ٣٥٥ مهم، ٤/ ٢٠١ مهم)، منهاج السنة النبوية (٢/ ١٣٤ وما بعدها)، وقال في المنهاج (٢/ ١٣٩): فالقول بأن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة، قولٌ لا يعرف عن أحدٍ من أئمة المسلمين، لا من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسانٍ ولا من بعدهم من الأئمة المعروفين وهذا خلاف ما دلَّ عليه السمع والعقل والعيان، ووحود جواهر لا تقبل القسمة منفردة عن الأجسام مما يُعْلَمُ بطلانه بالعقل والحس . وانظر: شرح الرسالة التدمرية (١٧٦).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٢١٨) من حديث جابر - ﵁ -؛ وأصل تقرير النبي - ﷺ - للصحابة في حجة الوداع بقوله: " اللهم اشهد " ثابت في الصحيحين.
[ ٩٧ ]
ومن الألفاظ المجملة ما ذكره الشيخ: لفظ (الجهة)، وقد ذكر شيخ الإسلام هذا المعنى في القاعدة الثانية في التدمرية (١) فذكر قاعدة في الألفاظ المحدثة المجملة فذكر لفظ (الجهة)، ولفظ (التحيز) أو (المتحيز).
فلفظ (المتحيز) إن أريد به الذي تحيط به الأوعية والأمكنة؛ فالله ليس بمتحيز لأنه لا يحيط به شيء، وإن أريد بالمتحيز المنحاز المتميز عن العالم، فوق جميع العالم؛ فنعم هو - تعالى - متحيز؛ فنفي هذا المعنى باطل ونفي الأول حق.
ثم ختم الشيخ هذه القاعدة بذكر الأدلة عليها، وهو كل ما في القرآن من الأمر باتباع القرآن واتباع الرسول، وطاعة الله ورسوله، والإيمان بالله ورسوله، فكلها تتضمن الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله - ﷺ -؛ والله أعلم.
_________________
(١) التدمرية (ص ٢٠٥).
[ ٩٨ ]
القاعدة الثانية: