٦٢- والإيمان (١): هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان (٢)
_________________
(١) قوله: والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان اقتصر المصنف على هذين الركنين في بيان الإيمان وهو قول المرجئة وذهب مالك والشافعي وأحمد وسائر أهل الحديث إلى أنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهذا هو الحق والصواب (م)
(٢) أ) هذا التعريف فيه نظر وقصور والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها فراجعها إن شئت وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظيًا بل هو لفظي ومعنوي ويترتب عليه أحكام كثيرة يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة والله المستعان. (ز) ب) هذا مذهب الحنفية والماتريدية، خلافًا للسلف وجماهير الأئمة كمالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم، فإن هؤلاء زادوا على الإقرار والتصديق: العمل بالأركان. وليس الخلاف بين المذهبين اختلافًا صوريًا كما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى بحجة أنهم جميعًا اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان، وأنه في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. فإن هذا الإتفاق وإن كان صحيحًا، فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان، لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص وأن زيادته بالطاعة، ونقصه بالمعصية، مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك، وقد ذكر الشارح طائفة طيبة منها (٣٤٢-٣٤٤) ولكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة والنقصان، وتكلفوا في تأويلها تكلفًا ظاهرًا، بل باطلًا، ذكر الشارح (ص٣٤٢) نموذجًا منها، بل حكى عن أبي المعين النسفي أنه طعن في صحة حديث «الإيمان بضع وسبعون شعبة..» مع احتجاج كل أئمة الحديث به، ومنهم البخاري ومسلم في «صحيحيهما» وهو مخرج في «الصحيحة» (١٧٦٩) وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم! ثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صوريًا. وهم يجيزون لأفجر واحد منهم أن يقول: إيماني كإيمان أبي بكر الصديق! بل كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل وميكائيل ﵊! كيف وهم بناء على مذهبهم هذا لايجيزون لأحدهم - مهما كان فاجرًا فاسقًا - أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، بل يقول: أنا مؤمن حقًا! والله عزوجل يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢-٤] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:٢٢] وبناء على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر! وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية! وتسامح بعضهم - زعموا - فأجاز ذلك دون العكس، وعلل ذلك بقوله: تنزيلًا لها منزلة أهل الكتاب! وأعرف شخصًا من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية، فأبى قائلًا: لولا أنك شافعي! فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي؟ ومن شاء التوسع في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: «الإيمان» فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع. (ن)
[ ٣٥ ]
٦٣- وجميع (١) ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق (٢) .
_________________
(١) قوله وجميع ما صح عن رسول الله.. إلخ: يريد بذلك الرد على سائر الجهمية المعطلة والمعتزلة والرافضة القائلين بأن الأخبار قسمان متواتر وآحاد فالمتواتر وإن كان قطعي السند لكنه غير قطعي الدلالة فإن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ولهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات قالوا والآحاد لا تفيد العلم ولا يحتجون بها من جهة متنها فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وأفعاله من جهة الرسول وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية والحق والصواب ما ذهب إليه كبار الأئمة المحققين من أن خبر الواحد العدل يفيد العلم كما في فتح المجيد ورسالة شيخ الإسلام ابن تيمية في أصول التفسير وكذلك ابن القيم أطال البحث في النونية والصواعق بما يشفي ويكفي، وذهب غير واحد إلى أن خبر الصحيحين يفيد العلم اليقيني (راجع أوائل لوائح الأنوار) للسفاريني وهو الحق (م)
(٢) يعني دون تفريق بين ماكان منه خبر آحاد أو تواتر، ما دام أنه صح عن رسول الله - ﷺ - وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، والتفريق بينهما، إنما هو بدعة وفلسفة دخيلة في الإسلام، مخالف لما كان عليه السلف الصالح والأئمة المجتهدون، كما حققته في رسالتي «وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين» وهي مطبوعة مشهورة. (ن)
[ ٣٦ ]
٦٤- والإيمان واحد (١) وأهله في أصله سواء (٢)، والتفاضل بينهم بالخشية
والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى (٣) .
٦٥- والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن (٤)، وأكرمهم عند الله أطوعهم
_________________
(١) قوله (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء) هذا فيه نظر بل هو باطل فليس أهل الإيمان فيه سواء بل هم متفاوتون تفاوتًا عظيمًا فليس إيمان الرسل كإيمان غيرهم كما أنه ليس إيمان الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة ﵃ مثل إيمان غيرهم وهكذا ليس إيمان المؤمنين كإيمان الفاسقين وهذا التفاوت بحسب ما في القلب من العلم بالله وأسمائه وصفاته وما شرعه لعباده وهو قول أهل السنة والجماعة خلافًا للمرجئة ومن قال بقولهم والله المستعان. (ز)
(٢) الحق الذي لا إشكال فيه أن الإيمان متفاوت في أصله فإيمان آحاد الناس ليس كإيمان جبريل ولا كإيمان رسول الله والقول بأن الناس بأصل الإيمان سواء ليس من عقائد أهل السنة. (م)
(٣) هذا على ما تقدم من قوله في الإيمان أنه إقرار وتصديق فقط وقد عرفت أن الصواب فيه أنه متفاوت في أصله، وأن إيمان الصالح ليس كإيمان الفاجر. فراجعه. (ن)
(٤) أ) أولياء الرحمن هم: الذين عملوا بما ورد في الكتاب والسنة فأدوا ما أوجب الله عليهم وتركوا ما حرمه من المعاصي فهم المتقربون إلى الله بطاعته وطاعة رسوله ﵇، =وأما أهل التدجيل والتلبيس بزعمهم دخول النار ومسك الحيات فهؤلاء أولياء الشيطان. (م) ب) وهم الموصوفون في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] وليست الكرامة بادعاء الكرامات وخوارق العادات كما يتوهم كثير من الناس بل ذلك من الإهانات التي تشوه جمال الإسلام. (ن)
[ ٣٧ ]
وأتبعهم للقران (١) .