وَقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . فِي [سَبْعَةِ] مَوَاضِعَ: فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ؛ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وَقَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [يونس: ٣] .
﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ برهانًا، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ بالافتراء عليه، والكذب من دعوى أنَّ له ولدًا، ونحو ذلك مما لا علم لكم به.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: إن سيدكم ومصلح أموركم أيها الناس، هو المعبود الذي له العبادة من كل شيء. ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وذلك يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة.
وقال ابن كثير: أما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي، والثوري والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا
[ ٦٦ ]
تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبِّهين منفيٌ عن الله، فإن الله لا يشبهه شيءٌ من خلقه، و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، بل الأمر كما قال الأئمة منهم نُعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شَبَّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر.
وليس في ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى. انتهى.
وَقَالَ فَي سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] . وَقَالَ فِي سُورَةِ طَهَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اْستَوَى﴾ [طه: ٥] . وَقَالَ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] . وَقَالَ فِي سُورَةِ آلم السَّجْدَةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] . وَقَالَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] .
وقال البغوي: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: استقر، وقال أبو عبيدة: صعد، وأوَّلت المعتزلة الاستواءَ بالاستيلاء، فأمَّا أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله ﷿.
وسأل رجلٌ مالكَ بن أنس عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليًّا وعلاه الرحضاء (١) ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالًاّ، فأمر به فأخرج.
_________________
(١) أي: يكلون العلم بكيفية ذلك، أمَّا العلم بمعنى الصفة نفسها فكما قال مالك ﵀: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول.
[ ٦٧ ]
وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهات: أمرُّها كما جاءت بلا كيف. انتهى.
وقال في "جامع البيان": أجمع السلف على أن استواءه على العرش صفةٌ له بلا كيف، نؤمن به، ونكِلْ العلم إلى الله تعالى.
قوله تعالى سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ الذي له عبادة كل شيء، لا تنبغي العبادة إلا له، هو الذي خلق السماوات السبع، والأرضين السبع في ستة أيام، وانفرد بخلقها بغير شريك ولا ظهير، ثم استوى على عرشه مُدبِّرًا للأمور، وقاضيًا في خلقه ما أحب، لا يضادُّه في قضائه أحد، ولا يتعقَّب تدبيره متعقِّب، ولا يدخُل أموره خللٌ.
وقال ابن كثير: يخبر تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خَلَق السماوات والأرض في ستة أيام، قيل: كهذه الأيام، وقيل كل يومٍ كألف سنة ممَّا تعدُّون. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، والعرش أعظم المخلوقات وسقفها.
[ ٦٨ ]
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: الله -يا محمد- الذي رفع السماوات السبع بغير عمدٍ ترونها، فجعلها للأرض سقفًا مسموكًا إلى أن قال: وأمَّا قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فإنه يعني: عَلاَ عليه.
وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن كمال قدرته، وعظيم سلطانه: أنه الذي بإذنه وأمره رفع السماوات بغير عمد، بل بإذنه وأمره وتسخيره، رفعها عن الأرض بُعدًا لا تنال، ولا يدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطةٌ بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعةٌ عليها من كل جانب على السواء، وبُعدُ ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام.
وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام وسُمْكها خمسمائة عام، وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ الآية.
وفي الحديث: " ما السماوات السبع وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرضٍ فلاة والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك
[ ٦٩ ]
الفلاة"، وفي رواية: "والعرش لا يقدر قدره إلا الله ﷿ ".
وجاء عن بعض السلف أن بُعْدَ ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، وبُعدَ ما بين قطبيه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ياقوتةٍ حمراء.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تقدَّم تفسيره في سورة الأعراف، وأنَّه يُمَرُّ كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا. وقال ابن كثير وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾: تقدَّمَ الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضًا، وأنًَّ المسلك الأسلم في ذلك طريقةُ السلف: إمرارُ ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف، ولا تحريف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ قيل: كان ابتداء ذلك يوم الأحد، والفراغ يوم الجمعة، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ وعلا عليه، وذلك يوم السبت فيما قيل.
[ ٧٠ ]
وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ يقول: فاسأل يا محمد بالرحمن خبيرًا بخلقه، فإنه خالق كل شيء، ولا يخفى عليه ما خلقه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: هو الذي أنشأ السماوات السبع والأرضين، فدبَّرهنَّ وما فيهنَّ، ثم استوى على عرشه، فارتفع عليه وعلا.
[ ٧١ ]