قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: يقول هؤلاء المنافقون الذي وصف صفتهم قبلُ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ﴾ فيها، ويعني بالأعز الأشد والأقوى، قال الله جل ثناءه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ يعني: الشدة والقوة، ﴿وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
قال البغوي: فعزة الله قهره من دونه، وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم.
وَقَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] .
قوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قال إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ أي: بقدرتك وسلطانك وقهرك من دونك من خلقك، ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول: لأضِلَّنَّ بني آدم أجمعين، ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ يقول: إلا مَنْ أخلصته منهم لعبادتك، وعَصَمتَه من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلًا، فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه.
[ ٥٦ ]
وذكر بسنده عن قتادة قال: علِمَ عدوُّ الله أنه ليست له عزَّة.
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: تبارك ذكرُ ربك يا محمد، ﴿ذِي الْجَلالِ﴾ يعني: ذي العظمة، ﴿وَالإكْرَامِ﴾ يعني: ومن له الإكرام من جميع خلقه.
وذكر بسنده عن ابن عباس: قوله: ﴿ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ يقول ذو العظمة والكبرياء.
وقال ابن كثير: أي: هو أهلٌ أن يُجَلَّ فلا يُعصَى، وأن يُكرمَ فيُعبد، ويُشكَر ولا يُكفَر، وأن يُذكرَ فلا يُنسى، وفي الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: " ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام ".
وفي الحديث الآخر أن رسول الله - ﷺ - كان إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثًا وقال: " اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ".
قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال ابن جرير: وقوله ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ يقول: فالزم طاعته، وذل لأمره ونهيه، ﴿وَاصْطَبِرْ
[ ٥٧ ]
لِعِبَادَتِهِ﴾ . يقول: واصبر نفسك على النفوذ لأمره ونهيه، والعمل بطاعته، تفز برضاه عنك، فإنه الإله الذي لا مثل له ولا عِدْلَ ولا شبيه في جُوده وكرمه وفضله، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ .
﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] . ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] .
يقول: هل تعلمُ يا محمد لربك هذا الذي أمرناك بعبادته، والصبر على طاعته مِثْلًا في كرمه وجوده، فتعبده رجاء فضله وطوله دونه؟ كلا، ما ذلك بموجود.
وذكر بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال: شبيهًا.
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ قال أبو العالية: لم يكن له شبيهٌ ولا عِدلٌ وليس كمثله شيء.
قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن جرير: الأندادُ جمعُ نِدِّ، والنِّدُّ: العِدْلُ والمِثْلُ.
وذكر بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: أشباهًا.
وعن قتادة في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض، ثم تجعلون له أندادًا.
وقال البغوي: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أمثالًا تعبدونهم كعبادة الله.
[ ٥٨ ]
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ قال ابن كثير: يذكر تعالى حال المشركين في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له أندادًا، أي: أمثالًا ونظراء، يعبدونهم معه، ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند، ولا شريك له.
[ ٥٩ ]