وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] . وَقَوْلُهُ:
﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] . وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]
قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ عن عائشة ﵂ قالت: الحمدلله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي - ﷺ - تكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول؛ فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية. رواه أحمد وغيره.
قال ابن جرير: يقول تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ يا محمد، ﴿قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقول وتشتكي المجادلةُ - ما لديها من الهم بظهار زوجها منها - إلى الله، وتسأله الفرج. ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ يعني: تحاور رسول الله - ﷺ - والمجادِلة خولة بنت ثعلبة ﴿أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله سميع لما يتجاوبانه ويتحاورانه، وغير
[ ٤٧ ]
ذلك من كلام خلقه، بصير يما يعملون ويعمل جميع عباده.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربُّك فسأل عبادَه القرض، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ قال البغوي: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما يُسِرّونه
﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧: ٢١٩]
عن غيرهم ويتناجونه بينهم، ﴿بَلَى﴾ نسمع ذلك ونعلم، ﴿وَرُسُلُنَا﴾ أيضًا من الملائكة يعني الحفظة ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ قال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنعه، لست بغافل عنكما فلا تهتما.
وقال ابن جرير: يقول الله تعالى ذكره: قال الله لموسى وهرون ﴿لا تَخَافَا﴾ فرعون، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ أعِينكما عليه، وأبصركما ﴿اسْمَعُ﴾ ما يجري بينكما وبينه، فأُفهِمُكما ما تحاورانه به، ﴿وَارَى﴾ ما تفعلان ويفعل، لا يخفى علي من ذلك شيء.
[ ٤٨ ]
قوله تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ألم يعلم أبوجهل إذ ينهى محمدًا عن عبادة ربه والصلاة له، بأنَّ الله يراه، فيخاف سطوتَه وعقابَه.
وقال ابن كثير: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ أي: أمَا علِمَ هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتمًَّ الجزاء.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، قال ابن جرير: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلى صلاتك، ويرى ﴿تَقَلُّبَكَ﴾ في المؤتمين بك فيها بين قيام وركوع وسجود وجلوس ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ تلاوتك يا محمد، وذكرك في صلاتك ما تتلو وتذكر، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما تعمل فيها ويعمل فيها من يتقلب فيها معك، مُؤتَمًا بك، يقول: فرتِّل فيها القرآن، وأقم حدودها فإنك بمرأى من ربك ومسمع.
﴿وَقُل اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَال﴾ [الرعد: ١٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]،
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ - ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين اعترفوا لك بذنوبهم من المتخلفين عن الجهاد معك، ﴿اعْمَلُوا﴾ بما يرضيه من طاعته وأداء فرائضه، ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ يقول: فسيرى اللهُ إن عملتم عملكم، ويراه رسوله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ في الدنيا ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ يوم القيامة إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم فلا يخفى عليه شيء من باطن
[ ٤٩ ]
أموركم وظواهرها ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقول: فيخبركم بما كنتم تعملون، وما منه خالصًا وما منه رياءً، وما منه طاعةً وما منه معصيةً، فيجازيكم على ذلك كله جزاءكم، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
[ ٥٠ ]