قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، وأول الآية ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، قال ابن جرير: يعني بذلك فاعلموا حقيقة ما أخبرتكم من الخبر، فإني جامعكم إلى يوم القيامة للجزاء والعرض والحساب، والثواب والعقاب يقينًا، فلا تَشُكّوا في صحته، ولا تمتروا في حقيقته، فإن قولي الصدق الذي لا كذب فيه، ووعدي الصدق الذي لا خُلْفَ فيه. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، يقول: وأي ناطقٍ صدق من الله حديثًا، وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعًا، أو يدفع به عنها ضرًا، والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع، فغير جائز أن يكون منه كذب؛ لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع، ولا دفع ضر عن نفسه، أو دفع ضر عنها سواه تعالى ذكره، فيجوز أن يكون له في استحالة الكذب منه نظير، ومن أصدق من الله حديثًا وخبرًا.
[ ٨١ ]
وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي لا أحد أصدق منه في حديث وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾، قال ابن جرير يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦] . ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا
وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] .
أيها الناس، ﴿مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ أي لا أحد أصدق منه قيلًا، فكيف تتركون العمل بما وعدكم على العمل به ربكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، وتكفرون به، وتخافون أمره، وأنتم تعلمون أنه لا أحد أصدق منه قيلًا، وتعملون بما يأمركم به الشيطان رجاء لإدراك ما يعدكم من عداته الكاذبة وأمانيه الباطلة، وقد علمتم أن عِداتِه غرور لا صحة لها، ولا حقيقة، وتتحذونه وليًا من دون الله، وتتركون أن تطيعوا الله فيما يأمركم به وينهاكم عنه، فتكونوا له أولياء، ومعنى القيل والقول واحد.
وقال ابن كثير: " ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ أي: لا أحد أصدق منه قولًا أي خبرًا، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، وكان النبي - ﷺ - يقول في خطبته: " إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ".
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ، قال ابن جرير: يقول
[ ٨٢ ]
تعالى ذكره: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ فيقول: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ إذ قال الله ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقيل: إن الله قال هذا القول لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا. وساق بسنده عن السُدِّي قال: لما رفع الله عيسى ابن مريم إليه، قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله عن قوله فقال: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
وعن ابن جريج ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: والناس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت، وأقر له بالعبودية على نفسه، فعلم من كان يقول في عيسى ما يقول أنه إنما كان كان باطلًا.
وقال ابن كثير على قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الآيات: هذا أيضًا مما يخاطب الله به عبدَه ورسولَه عيسى ابن مريم ﵇، قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وهذا
[ ٨٣ ]
تهديدٌ للنصارى وتوبيخٌ وتقريع على رؤوس الأشهاد. هكذا قاله قتادة وغيره.
قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وكملت كلمة ربك، يعني القرآن، سمّاه كلمةً كما تقول العربُ للقصيدة من الشعر يقولها الشاعر: هذه كلمة فلان.
[﴿صِدْقًا وَعَدْلا﴾ يقول: كملت كلمة ربك من الصدق والعدل، والصدق والعدل نُصبا على التفسير للكلمة] كما يقال عندي عشرون درهمًا.
﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ يقول: لا مغيِّر لما أخبر في كتبه أنه كائن من وقوعه في حينه وأجله الذي أخبر الله أنه واقعٌ فيه، وذلك نظير قوله جل ثناؤه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ .
وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلًا فيما حكم، يقول: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحقٌّ لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة.
[ ٨٤ ]
﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقال البغوي: قوله ﷿: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قرأ أهل الكوفة ويعقوب ﴿كَلِمَتُ﴾ على التوحيد، وقرأ آخرون: ﴿كَلِمَاتٍ﴾ بالجمع والمراد بالكلمات أمره ونهيه، ووعده ووعيده. ﴿صِدْقًا وَعَدْلا﴾، أي صدقًا في الوعد
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . ﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾
[البقرة: ٢٥٣] . ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . ﴿َنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] .
والوعيد، وعدلًا في الأمر والنهي، قال قتادة ومقاتل: صدقًا فيما وعد، وعدلًا فيما حكم، ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: لا رادَّ لقضائه ولا مغيِّر لحكمه، ولا خُلف لوعده، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قيل: أراد بالكلمات القرآن ﴿لا مبدل له﴾ يريد لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون. انتهى.
قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾: قال ابن جرير: يعني بذلك جل ثناؤه: وخاطب الله بكلامه موسى خطابًا. وساق بسنده عن نوح بن أبي مريم، وسُئل: كيف كلم الله موسى تكليمًا؟ قال: مشافهة. وقال ابن كثير: قوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهذا تشريفٌ لموسى ﵇ بهذه الصفة، ولهذا يقال له الكليم.
[ ٨٥ ]
وقال صاحب " الوجيز ": أخبر الله بأنه شرَّف موسى بكلامه وأكَّده بالمصدر دلالةً على وقوع الفعل على حقيقته لا على المجاز.
قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الذين قصَّ الله قَصَصَهم في هذه السورة؛ كموسى بن عمران، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وشمويل، وداود، وسائر من ذكر نبأهم في هذه السورة. يقول تعالى ذكره: "هؤلاء رسُلي فضلت بعضهم على بعض، والذي كلَّمته منهم موسى - ﷺ -، ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة". وساق بسنده عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ قال: يقول: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ منهم من كلم الله، ورفع بعضهم على بعض درجات، يقول: كلَّم الله موسى، وأرسل محمدًا إلى الناس كافةً.
وقال البغوي: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي: كلمه الله تعالى، يعني موسى ﵇، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ درجات﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -، وما أوتي نبيٌّ آيةً إلا أوتي نبينا مثل تلك الآية، وفُضِّل على غيره بآيات مثل: انشقاق القمر بإشارته، وحنين الجذع على مفارقته، وتسليم الحجر والشجر عليه، وكلام البهائم والشهادة برسالته، ونبع الماء من بين أصابعه، وغير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تُحصى، وأظهرها
[ ٨٦ ]
القرآن الذي أعجز أهل السماء والأرض على الإتيان بمثله. انتهى.
قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ونادينا موسى من ناحية الجبل، ويعني بالأيمن يمين موسى؛ لأن الجبل لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال قام عن يمين القبلة وعن شمالها.
وقوله ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ يقول تعالى ذكره: وأدنيناه مُناجيًا كما يقال: فلان نديم فلان ومُنادِمه، وجليس فلان ومُجالسُه، وذُكر أن الله جل ثناؤه أدناه حتى سمع صريف القلم.
ثم ساق بسنده عن ابن عباس: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدنِيَ حتى سمع صريف القلم. وقال ابن كثير: وقوله ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ [أي: الجبل، ﴿الأيْمَنِ﴾] أي: الجانب الأيمن من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة فرآها تلوح فقصدها فوجدها في جانب الطور الأيمن من غربيه عند شاطئ الوادي، فكلَّمه اللهُ تعالى وناداه وقرَّبه فناجاه.
قال ابن عباس: أُدني حتى سمع صريف القلم، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم، يعنون صريف القلم بكتابة التوراة، وقال السدي ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدخل في
[ ٨٧ ]
السماء فكُلِّم، وعن مجاهد نحوه.
وقال البغوي: قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ يعني يمين موسى.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:
١٠]، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَة﴾ [الأعراف: ٢٢] . وَقَوْلُه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] .
والطور: جبل بين مصر ومدين، ويقال اسمه الزبير، وذلك حين أقبل من مدين ورأى النار فنودي: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ أي: مناجيًا، فالنجي المناجي، كما يقال: جليس ونديم، قال ابن عباس: معناه قرَّبه فكلَّمه، ومعنى التقريب إسماعه كلامه، وقيل: رفعه الحجب حتى سمع صريف القلم. انتهى.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى بن عمران ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: الكافرين ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ عقاب الله على كفرهم به.
قوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ونادى آدم وحواءَ ربُّهما: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ عن أكل ثمرة الشجرة التي أكلتما ثمرها، وأعلمكما أن إبليس لكما عدوٌ مبين، يقول: قد أبان عداوته لكما بترك السجود لآدم حسدًا وبغيًا.
وعن ابن عباس قال: لما أكل آدم من الشجرة قيل له: أكلتَ من الشجرة
[ ٨٨ ]
التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني. قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كُرهًا ولا تضعُ إلا كُرهًا. قال: فرنَّت حواءُ عند ذلك، فقيل لها: الرنَّةُ عليك وعلى ولدك.
وعن أُبيّ بن كعب قال: كان آدم رجلًا طُوالًا كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما وقع فيه من الخطيئة بدت له عورته عند ذلك وكان لا يراها، فانطلق هاربًا في الجنة، فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة. فقال لها: أرسليني. فقالت: إني غير مرسلتك، فناداه ربه ﷿: يا آدم أمنِّي تفر؟ قال: يا رب إني استحييتك.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ . قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ويوم ينادي الله هؤلاء المشركين فيقول لهم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾
[التوبة: ٦] . ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] . ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] .
فيما أرسلناهم به إليكم، من دعائكم إلى توحيدنا، والبراءة من الأوثان والأصنام، ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .
قال مجاهد: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ﴾ قال: الحُجَجُ. يعني الحُجَّة.
[ ٨٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن استأمنك يا محمد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم أحدٌ ليسمع كلام الله منك، وهو القرآن الذي أنزله الله عليك ﴿فَأَجِرْهُ﴾ يقول: فأمِّنه ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وتتلوه عليه ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ يقول: ثم رُدَّه بعد سماعه كلام الله - إن هو أبى أن يُسلم، ولم يتعظ بما تلوتَه عليه من كلام الله فيؤمَّن إلى ﴿مَأْمَنَهُ﴾ يقول: إلى حيث يأمن منك وممن في طاعتك حتى يلحق بداره وقومه من المشركين.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن كثير: يقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أي: ينقاد لكم بالطاعة، هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه؛ ثم قست قلوبهم من بعد ذلك ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ
[ ٩٠ ]
يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: يتأوَّلونه على غير تأويله، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله.
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: سيقول يا محمد المخلفون في أهليهم عن صحبتك إذا سرتَ معتمرًا تريد بيت الله الحرام، إذا انطلقت أنت ومن
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] .
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] .
صَحِبك في سفرك ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من الغنيمة لتأخذوها -وذلك ما كان الله وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر-: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى خيبر فنشهد معكم قتال أهلها.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ يقول: يريدون أن يُغيِّروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية؛ وذلك أن الله جعل غنائم خيبر لهم، ووعدهم ذلك عوضًا من غنائم أهل مكة، إذا انصرفوا عنهم على صلح، ولم يصيبوا منهم شيئًا.
وقوله: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: قل لهؤلاء المخلَّفين عن المسير معك يا محمد: لن تتبعونا إلى خيبر إذا أردنا المسير إليهم من قتالهم، ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ . يقول: هكذا قال الله لنا من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا، ولستم ممن شهدها، فليس لكم أن تتبعونا إلى
[ ٩١ ]
خيبر؛ لأن غنيمتها لغيركم.
قوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب ربك هذا، ولا تتركن تلاوته واتباع ما فيه من أمر الله ونهيه، والعمل بحلاله وحرامه فتكون من الهالكين، وذلك أن مصير من خالفه، وترك اتباعه يوم القيامة إلى جهنم، ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ يقول: لا مغير لما أوعد بكلماته التي أنزلها عليك، أهل، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك.
وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ يقول: إن أنت يا محمد لم تتلُ ما أوحي إليك من كتاب ربك فإنه لا ملجأ لك من الله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن الذي أنزلته إليك يا محمد، يقص على بني إسرائيل الحق في أكثر الأشياء التي اختلفوا فيها.
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] . ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ
عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]،
وذلك كالذي اختلفوا فيه من أمر عيسى، فقالت اليهود فيه ما قالت، وقالت النصارى فيه ما قالت، وتبرَّأ لاختلافهم فيه هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، وغير ذلك من الأمور التي اختلفوا فيها، فقال جل ثناؤه لهم: إن هذا القرآن يقص عليكم الحق فيما اختلفتم، فاتبعوه، وأقرُّوا لما فيه، فإنه يقص عليكم بالحق، ويهديكم إلى سبيل الرشاد.
[ ٩٢ ]