قوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ أي: يَشُكُّون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ .
قال ابن جرير: شديدةٌ مما حلتُه في عقوبة من طغى عليه وعتَا، وتمادى في كفره.
وهذه الآية شبيهةٌ بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥١] وعن علي ﵁: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد الأخذ.
وقال مجاهد شديد القوة.
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ قال ابن
[ ٥١ ]
جرير: يعني بذلك جل ثناؤه: ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل، وهم الذين ذكر الله أن عيسى أحَسَّ منهم الكفر.
وقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥: ١٦] .
وكان مكرهم الذي وصفهم الله به مواطأة بعضهم بعضًا على الفتك بعيسى وقتله.
قال: وأما مكر الله بهم فإنَّه -فيما ذكر السُدِّي-: إلقاؤُه شَبَهَ عيسى على بعض أتباعه، حتى قتله الماكرون بعيسى، وهم يحسبونه عيسى، وقد رفع الله ﷿ عيسى قبل ذلك إلى أن قال: وقد يحتمل أن يكون معنى مكر الله بهم استدراجه إياهم، ليبلُغَ الكتاب أجله.
وقال البغوي: المكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة، ومن الله استدراج العبد وأخذه بغتةً من حيث لا يعلم، كما قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] .
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض بصالح؛ بمصيرهم إليه ليلًا ليقتلوه وأهله، وصالح لا يشعر بذلك ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ يقول: فأخذناهم بعقوبتنا إياهم وتعجيل العذاب لهم، و﴿هُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بمكرنا.
وقد بينَّا فيما مضى معنى مكر الله بمن مكر به، وما وجه ذلك، وأنَّه أخذُهُ من أخذَهُ منهم على غِرَّةٍ، أو استدراجُه من استدرجَ منهم على كفرِه
[ ٥٢ ]
به ومعصيتِه إيَّاه، ثمَّ إحلالهُ العقوبةَ على غِرَّةٍ وغفلةٍ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦] قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المكذبين بالله ورسوله والوعد والوعيد يمكرون مكرًا، وقوله: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ يقول وأمكر مكرًا، ومكره جلَّ ثناؤه بهم إملاؤه إياهم على معصيتهم وكفرهم به.
وقَوْلُهُ: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] .
وقال البغوي: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ يخافون النبي - ﷺ - ويظهرون ما هم على خلافه، ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ وكيد الله استدرجه إياهم من حيث لا يعلمون.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، قال ابن جرير: يعني بذلك جلَّ ثناؤه ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أيها الناس ﴿خَيْرَا﴾ يقول: إن تقولوا جميلًا من القول لمن أحسن إليكم، فتُظهروا ذلك شكرًا منكم له على ما كان منه من حَسَنٍ إليكم، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يقول: أو تتركوا إظهار ذلك فلا تُبدوه، ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ يقول: أو تصفحوا لمن أساء إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنتُ لكم أن تجهروا له به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ يقول: لم يزل ذا عفوٍ عن خلقه، يصفح لهم عمَّن عصاه، وخالف أمره، ﴿قَدِيرًا﴾ يقول: ذا قدرةٍ على الانتقام منهم، وإنما يعني بذلك: أن الله لم يزل ذا عفوٍ عن عباده مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إياه، يقول: فاعفوا أنتم أيضًا أيها الناس عمن أتى إليكم ظلمًا، ولا
[ ٥٣ ]