قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ وهذا القرآن الذي أنزلناه إلى نبينا محمد - ﷺ - ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ يقول: فاجعلوه إمامًا تتبعونه وتعملون بما فيه أيها الناس، ﴿وَاتَّقُوا﴾ يقول: واحذروا الله في أنفسكم أن تضيعوا العمل بما فيه، وتتعدوا حدوده، وتستحلوا محارمه.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول: لتُرحموا؛ فتنجوا من عذاب الله وأليم عقابه.
وقال ابن كثير: في الدعوة إلى اتباع القرآن، يرغَِّب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة لأنه حبل الله المتين.
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، قال ابن جرير: يقول جل ثناؤه ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى
[ ٩٣ ]
جَبَلٍ﴾ وهو حجر ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾ يا محمد ﴿خَاشِعَا﴾ يقول: متذلِّلًا ﴿مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ على قساوته، حذرًا من أن لا يؤدِّي حقَّ الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أُنزل على ابن آدم، وهو بحقِّه مستخفّ، وعنه وعمَّا فيه من العبر والذكر مُعرض، كأن لم يسمعها، كأنَّ في أذنيه وقرًا، وساق بسنده عن ابن عباس من قوله ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قال: يقول: لو
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] . ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] .
أني أنزلتُ هذا القرآن على جبل حمَّلتُه إياه، تصدَّع وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله ﷿ الناسَ إذا أُنزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشُّع. قال: كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره وإذا نسخنا حكم آية، فأبدلنا مكانه حُكمَ أُخرى، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ . يقول: والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدِّل ويغيِّر من أحكامه، ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ . يقول: قال المشركون بالله المكذِّبون لرسولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿مُفْتَرِ﴾ أي: مكذب، تخرصُ بتقوُّل الباطل على الله، يقول الله تعالى: بل أكثر هولاء القائلين لك يا محمد: إنما أنت مفترٍ. جُهَّالٌ بأن الذي تأتيهم به من عند الله، ناسخه ومنسوخه، لا يعلمون حقيقة صحته.
قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ
[ ٩٤ ]
آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿قُلُ﴾ يا محمد للقائلين لك ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾، فيما تتلو عليهم من آي كتابنا، ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ يقول: قل جاء به جبريل من عند ربي بالحق.
وقوله ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ يقول تعالى ذكره: قل نزَّل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه روح القدس عليَّ من ربي، تثبيتًا للمؤمنين، وتقوية لإيمانهم، ليزدادوا بتصديقهم لناسخه ومنسوخه إيمانًا لإيمانهم، وهدىً لهم من الضلالة، وبشرى للمسلمين الذين استسلموا لأمر الله، وانقادوا لأمره ونهيه، وما أنزله في آي كتابه، فأقرُّوا بكلِّ ذلك، وصدقوا به قولًا وعملًا.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يعَلِّمَهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ
أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢: ٢٣]
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ولقد نعلم أن هؤلاء المشركين يقولون - جهلًا منهم -: إنما يعلّم محمدًا هذا الذي يتلوه بشرٌ من بني آدم، وما هو من عند الله، يقول الله تعالى ذكره مكذِّبهم في قيلهم ذلك: ألا تعلمون كذب ما تقولون؟ إن لسان الذي تلحدون إليه أعجمي، يقول: تميلون إليه بأنه يعلم محمدًا أعجمي. وذلك أنهم فيما ذُكِر كانوا يزعمون أن الذي يُعلّم محمدًا هذا القرآن عبدٌ رومي، فلذلك قال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وهذا القرآن لسانٌ عربيٌ مبين.
[ ٩٥ ]