قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿نَاضِرَةٌ﴾ يقول: حسنة جميلةٌ من النعيم، يقال من ذلك: نَضُرَ وجهُ فلان، إذا حَسُنَ من النعمة، ونضَّر اللهُ وجهه إذا حسَّنه كذلك.
وساق بسنده عن الحسن في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قال: حسنة، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنضُرَ وهي تنظر إلى الخالق.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه ألفي سنة "،قال: "وإنَّ أفضلهم منزلة لمن ينظرُ في وجه الله كلَّ يومٍ مرَّتين " قال: ثمَّ تلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: بالبياض والصفاء، قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: " تنظر كلَّ يومٍ في وجه الله ﷿ ".
وقال ابن كثير: وقد ثبتت رؤية المؤمن لله ﷿ في الدار الآخرة في
[ ٩٦ ]
الأحاديث من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة في الصحيحين: أنَّ ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تُضارُّون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحابة؟ " قالوا: لا. قال: "فإنَّكم ترون ربكم كذلك ".
وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: " جنَّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنَّتان من فضة آنيتهما وما فيهما، ومابين القوم وبين أن ينظروا إلى الله ﷿ إلاَّ رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن".
قوله تعالى: ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ على السرر في الحجال من اللؤلؤ والياقوت، ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعيم والحبور في الجنات.
وقال على قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ وذلك يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بالله في الدنيا ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ فيها ﴿يَضْحَكُونَ﴾، ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ يقول: على سررهم التي في الحجال ينظرون إليهم وهم في الجنة، والكفار
[ ٩٧ ]
في النار يُعذَّبون.
وقال في قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أي: محجوبون عن رؤيته وعن كرامته.
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ أي: يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فيها فضلٌ عميم ﴿عَلَى الأرَائِكِ﴾ وهي: السرر تحت الحجال، ﴿يُنْظَرُونَ﴾، قيل: معناه: ينظرون في
ملكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد، وقيل: معناه ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ إلى الله ﷿.
وهذا مقابل لما وصف به أولئك الفجار: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله ﷿ وهم على سررهم وفرشهم، كما تقدم في حديث ابن عمر: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاهم لمن ينظر إلى الله ﷿ في اليوم مرتين ".
وقال أيضًا: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أي: في مقابل ما ضحك بهم أولئك ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ أي: إلى الله ﷿، في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون، ليسوا بضالين؛ بل هم من أولياء الله المقربين،
[ ٩٨ ]
ينظرون إلى ربهم في دار كرامته.
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله ﷿، وهذا قول أبي بكر الصديق وغيره من السلف والخلف.
قال ابن جرير: إن الله ﵎ وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى أن يجزيهم على طاعتهم إياه الجنَّة، وأن يبيِّض وجوههم، ووعدهم مع الحسنى الزيادة عليها، ومن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غُرفًا من لآلئ، وأن يزيدهم غفرانًا ورضوانًا، كل ذلك من زيادات عطاءِ اللهِ إياهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال ابن جرير: وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ يقول: لهؤلاء المتقين ما يُريدون في هذه الجنة التي أُزلفت لهم من كل ما تشتهيه نفوسهم وتلذُّه أعينهم، وقوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ يقول: وعندنا لهم
على ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جلَّ ثناؤه صفتها مزيدٌ يزيدهم إيَّاه، وقيل إن ذلك المزيد النظر إلى الله جل ثناؤه.
ذكرُ من قال ذلك: حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي قال: حدثنا قرة بن عيسى قال: حدثنا النضر بن عربي عن جده عن أنس: " إن الله ﷿
[ ٩٩ ]
إذا أسكن أهلَ الجنةِ الجنة وأهلَ النارِ النارَ، هبط إلى مرج من الجنة أفيح، فمدَّ بينه وبين خلقه حُجُبًا من لؤلؤ، وحُجُبًا من نور، ثم وضعت منابر النور، وسُرُر النور، وكراسي النور، ثم أُذِن لرجلٍ على الله ﷿.. إلى أن قال: ثم ناداهم الرب ﷿ من وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا وفكهوا وكُسُوا وطيبوا، وعزَّتي لأتجليَنَّ لهم حتى ينظروا إليّ. فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد. قال: فتجلَّى لهم الرب ﷿ ثم قال: السلام عليكم عبادي، انظروا إليَّ فقد رضيت عنكم " الحديث.
فَصْلٌ: ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرآنَ
وتُبَيِّنُهُ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعَبِّرُ عَنْهُ، وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ - ﷿ - مِنَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ؛ وَجَبَ الإيمَانُ بِهَا كَذَلِك. َ
فَمِنْ ذَلِكَ: مِثْلُ قَوْلِهِ - ﷺ-: (يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ - ﷺ: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهُ الْمُؤْمِنِ التَّائِبِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: - ﷺ: (يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ؛ كِلاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: (عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ خَيْرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزَلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ) . حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَوْلُهُ - ﷺ: (لا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا رِجْلَهُ [وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهَا قَدَمَهُ] فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، فَتَقُولُ: قَط قَط) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: (يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادِي بِصَوتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إلَى النَّارِ) . مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ) .
وقال البغوي: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾، وذلك أنهم يسألون الله تعالى حتى تنتهي مسألتهم فيعطون ما شاؤوا، ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه، وهو قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، يعني الزيادة لهم في النعيم مما لم يخطر ببالهم.
وقال جابر وأنس: هو النظر إلى وجه الله الكريم.
[ ١٠٠ ]