قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ
سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] .
قال ابن جرير: وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ يقول تعالى ذكره مخبرًا عن صفته وأنه لا يخفى عليه خافية من خلقه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ﴾ من خلقه، يعني بقوله: ﴿يَلِجَ﴾ يدخل، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ منهم، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى الأرض من شيء قط، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ فيصعد إليها من الأرض، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ يقول: وهو شاهدكم أيها الناس، أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سماواته السبع، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يقول: والله بأعمالكم التي تعملونها من حسن وسيء، وطاعة ومعصية، ذو بصر، وهو لها محصٍ ليجازيَ المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيء
[ ٧٥ ]
بإساءته يوم تجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون.
قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وأول الآية ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فترى أن الله يعلم ما في السماوات والأرض من شيء، لا يخفى عليه صغير ذلك وكبيره. يقول جل ثناؤه: فكيف يخفى على من كانت هذه صفته أعمال هؤلاء الكافرين وعصيانهم ربهم.
ثم وصفهم -جلَّ ثناؤه- قُربَه من عباده وسماعَه نجواهم، وما يكتمونه الناس من أحاديثهم، فيتحدثون سرًا بينهم، فقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ من خلقه ﴿إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعلم سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ يقول: ولا يكون نجوى خمسةٍ، إلا هو سادسهم كذلك،
﴿ِلاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] .، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ
وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] . ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .
﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾ يقول: ولا أقل من ثلاثة، ﴿وَلا أَكْثَرَ﴾ من خمسة، ﴿إِلا هُوَ مَعَهُمْ﴾ إذا تناجوا، ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ يقول: في أي موضع ومكان كانوا.
وعنى بقوله: ﴿هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني: أنه شاهدهم بعلمه وهو على عرشه.
ثم ساق بسنده عن الضحاك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ إلى
[ ٧٦ ]
قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ﴾ قال: هو فوق العرش وعلمه معهم ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
وقال ابن كثير: وحكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معيَّة علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره نافذٌ فيهم، فهو ﷾ مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء، قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم.
قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ قال ابن جرير: يقول إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر: ﴿لا تَحْزَنُ﴾، وذلك أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسول الله - ﷺ -: " لا تحزن إن الله معنا، والله ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا، ولن يصلوا إلينا ".
قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ قد تقدمت هذه الآية في الآيات التي فيها إثبات السمع والبصر، والمراد بها هنا إثبات المعيَّة الخاصة.
قال ابن كثير: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ أي لا تخافا من فرعون، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى عليَّ من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي؛ فلا يتكلم ولا يتنفس
[ ٧٧ ]
ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونظري وتأييدي.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول
﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] . ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
تعالى ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ يا محمد ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الله في محارمه فاجتنبوها وخافوا عقابه عليها، فأحجموا عنه التقدم عليها، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ يقول: وهو مع الذين يُحسنون رعاية فرائضه، والقيام بحقوقه ولزوم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه.
وقال ابن كثير: وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته، وهذه معيَّة خاصَّة، كقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، وقوله لموسى وهارون: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقول النبي - ﷺ - للصديق وهما في الغار: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ .
وأمَّا المعيَّة العامَّة فبالسمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ الآية.
[ ٧٨ ]
ومعنى ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: تركوا المحرمات، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء يحفظهم ويكلؤهم، وينصرهم ويؤيدهم، ويُظفِرُهم على أعدائهم ومخالفيهم.
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ قال ابن جرير: ﴿وَاصْبِرُوا﴾ يقول: اصبروا مع النبي - ﷺ - عند لقاء عدوكم، ولا تنهزموا عنه وتتركونه، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يقول: اصبروا فإني معكم.
وأورد البغوي في تفسير هذه الآية حديث: "لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا" الحديث.
قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] . ﴿وَمَنْ
أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]
قال ابن جرير على قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ الآية، تأويل الكلام: قال الذين يوقنون بالمعاد ويصدِّقون بالمرجع إلى الله للذين قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ يعني بـ ﴿كَمَ﴾ كثيرًا غلبت فئة قليلة فئة كثيرة ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يعني بقضاء الله وقدره، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يقول: مع الحابسين أنفسهم على رضاه وطاعته، يعني والله معين الصابرين على الجهاد في سبيله، وغير ذلك من طاعته، وظهورهم ونصرهم على
[ ٧٩ ]
أعدائه الصادين عن سبيله المخالفين منهاج دينه، وكذلك يقال لمعين الرجل على غيره: هو معه. بمعنى: هو معه بالعون والنصرة.
[ ٨٠ ]