يُخْبِرُ بِهِ؛ فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ كَمَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ؛ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ؛ بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الأُمَّةِ؛ كَمَا أَنَّ الأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الأُمَمِ؛ فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللهِ ﷾ بَيْنَ أهْلِ التَّعْطِيلِ الْجَهْمِيَّةِ، وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ الْمُشَبِّهَة؛ ِ وَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِ اللهِ بَيْنَ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ. وَفِي بَابِ وَعِيدِ اللهِ بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ والْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغِيْرِهِمْ. وَفِي بَابِ أَسْمَاءِ الإِيمَانِ والدِّينِ بَيْنَ الْحَرُورِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ. وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بَيْنَ الرَّافِضَةِ والْخَوَارِجِ.
قال في "فتح الباري" في أول كتاب التوحيد: قال ابن حزم في كتاب "الملل والنحل"
فِرَق المقرّين بملة الإسلام خمس "، أهل السنة، ثم المعتزلة، ومنهم القدرية، ثم المرجئة ومنهم الجهمية والكرَّامية، ثم الرافضة ومنهم الشيعة، ثم الخوارج ومنهم الأزارقة والإباضية، ثم افترقوا فرقًا كثيرة، فأكثر افتراق أهل السنة في الفروع، وأما في الاعتقاد ففي نُبَذٍ يسيرة، وأما الباقون ففي مقالاتهم ما يخالف أهل السنة الخلاف البعيد والقريب.
فأقرب فرق المرجئة من قال: الإيمان التصديق بالقلب واللسان فقط، وليست العبادة من الإيمان، وأبعدهم الجهميَّة القائلون بأن الإيمان عقدٌ بالقلب فقط وإن أظهر الكفر والتثليث بلسانه وعبد الوثن من غير تقية، والكُرَّامية القائلون بأن الإيمان قولٌ باللسان فقط وإن اعتقد الكفر بقلبه -وساق الكلام على بقية الفرق، ثم قال -: فأمَّا المرجئة فعمدتهم
[ ١٠٦ ]
الكلام في الإيمان والكفر فمن قال: إن العبادة من الإيمان، وأنه يزيد وينقص ولا يكفِّر مؤمنًا بذنب، ولا يقول أنه يخلد في النار فليس مرجئًا، ولو وافقهم في بقية مقالاتهم.
وأما المعتزلة فعمدتهم الكلام في الوعد والوعيد والقدر، فمن قال: القرآن ليس بمخلوق، وأثبت القدر ورؤية الله تعالى في القيامة، وأثبت صفاته الواردة في الكتاب والسنة، وأن صاحب الكبائر لا يخرج بذلك عن الإيمان فليس بمعتزلي، ولو وافقهم في سائر مقالاتهم.. -وساق بقية ذلك إلى أن قال - وأما الكلام فيما يوصف الله به فمشترك بين الفرق الخمس من مثبتٍ لها ونافٍ، فرأس النفاة المعتزلة والجهمية فقد بالغوا في ذلك حتى كادوا يعطِّلون، ورأس المثبتة مقاتل بن سليمان ومن تبعه من الرافضة والكُرَّامية فإنهم بالغوا في ذلك حتى شبهوا الله تعالى بخلقه تعالى الله سبحانه عن أقوالهم علوًّا كبيرًا، ونظير هذا التباين قول الجهمية أن العبد لا قدرة له أصلًا، وقول القدرية أنه يخلق فعل نفسه. انتهى.
وقال القرطبي في شرح حديث "أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصِم ": هذا الشخص
الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، وردِّه بالأوجه الفاسدة، والشُّبه الموهمة، وأشدُّ ذلك الخصومة في أصول الدين، كما يقع لأكثر المتكلِّمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وسلف أُمّته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة،
[ ١٠٧ ]
وقوانين جدليّة، وأمور صناعية، مدار أكثرها على آراء سُوفسطائية، أو مناقضات لفظية، ينشأ بسببها على الآخذ فيها شُبَه ربما يعجز عنها، وشكوكٌ يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالمٍ بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصلٍ عنها لا يدرك حقيقة علمها، ثمَّ إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعًا من المحال لا يرتضيها البُله ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيُّز الجواهر والألوان والأحوال، فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفة الله تعالى -إلى أن قال -: ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات، ومن توقف في هذا فليعلم أنه إذا كان عجز عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدركُ به، فهو عن إدراك غيره أعجز، وغاية علم العالم أن يقطع بوجود فاعل لهذه المصنوعات منزَّهٌ عن الشبيه، مقدس عن النظير، متصف بصفات الكمال، متى ثبت النقل عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وسكتنا عما عداه، كما هو طريق السلف، وما عداه لا يأمن صاحبه من الزلل، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والشافعي، وقد قطع بعض الأئمة بأن الصحابة لم يخوضوا في الجوهر والعَرَض وما يتعلق بذلك من مباحث المتكلمين، فمن رغب عن طريقهم فكفاه ضلالًا -قال-: وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وبعضهم إلى الإلحاد، وبعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلبُّهم حقائق الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما
[ ١٠٨ ]
يدرك ما في نصوص الشارع من الحِكم التي استأثر بها، وقد رجع كثيرٌ من أئمتهم عن طريقهم، حتى جاء عن إمام الحرمين أنه قال: ركبتُ البحر الأعظم، وغصتُ في كلِّ شيءٍ نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارًا من التقليد، والآن فقد رجعتُ واعتقدتُ مذهب السلف. انتهى.
[ ١٠٩ ]