قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه
محمد - ﷺ - ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيكون مربوبًا لا ربًا؛ لأن رب الأرباب لا ينبغي أن يكون له ولد، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ عاجزًا ذا حاجةٍ إلى معونة غيره ضعيفًا، ولا يكون إلها من يكون محتاجًا إلى مُعين على ما حاول، ولم يكنْ منفردًا بالملك والسلطان، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ يقول: ولم يكن له حليفٌ حالفَه من الذُّلِّ الذي به؛ لأن من كان ذا حاجة إلى نُصرة غيره، فذليل مهين، ولا يكون من كان
[ ٦٠ ]
ذليلًا مهينًا يحتاج إلى ناصر إلهًا يطاع، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ يقول: وعظِّم ربك يا محمد بما أمرناك أن تعظمه به من قول وفعل، وأطعه فيما أمرك ونهاك.
وقال ابن كثير: لمَّا أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى، نزَّه نفسه عن النقائص فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ بل هو الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: ليس بذليل فيحتاج أن يكون له ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له.
قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لم يحالف أحدًا، ولم يبتغ نصرة أحد.
﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: عظِّمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا.
قال ابن جرير: حدثني يونس: أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية قال: إن اليهود والنصارى قالوا: اتخذ الله ولدًا. وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ .
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] قَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١: ٢]،
[ ٦١ ]
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: يسجد له ما في السماوات السبع، وما في الأرض من خلقه ويعظمه.
وقوله ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾: يقول تعالى ذكره: له ملك السماوات والأرض، وسلطانه ماضٍ قضاؤه في ذلك كله، نافذ فيه أمره.
وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ يقول: وله حَمْدُ كل ما فيها من خلقٍ؛ لأن جميع مَنْ في ذلك من الخلقٍ لا يعرفون الخيرَ إلا منه وليس لهم رازقٌ سواه، فله حمدُ جميعهم.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقول: وهو على كل شيء ذو قدرة، يقول: يخلق ما يشاء، ويميت من يشاء، ويغني من أراد، ويفقر من يشاء، ويعز من يشاء. ويذل من يشاء، ولا يتعذر عليه شيءٌ أراده؛ لأنه ذو القدرة التامة التي لا يُعجزُه معها شيء.
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: تبارك تفاعل من البركة، وهو كقول القائل: تقدَّس ربنا. فقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يقول: تبارك الذي نزل الفصل بين الحق والباطل فصلًا بعد فصل، وسورةً بعد سورة. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد - ﷺ - ليكون محمدٌ لجميع الجن والإنس الذين بعثه الله إليهم داعيًا إليه.
[ ٦٢ ]
﴿نَذِيرًا﴾ يعني منذرًا ينذرهم عقابه ويخوفهم عذابه، إن لم يوحدوه، ويخلصوا له العبادة، ويخلعوا كل ما دونه من الآلهة والأوثان.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ الذي له سلطان السموات والأرض يُنفذ في جميعها أمره وقضاءه، ويُمضي في كلها أحكامه، يقول: فحق على من كان كذلك أن يطيعه أهل مملكته، ومن في سلطانه، ولا يعصوه. يقول: فلا تعصوا نذيري إليكم أيها الناس واتبعوه، واعملوا بما جاءكم به من الحق. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ يقول تكذيبًا لمن أضاف إليه الولدَ، وقال: الملائكة بنات الله: ما اتخذ الذي نزَّل الفرقان على عبده ولدًا، فمن أضاف إليه ولدًا فقد كذب وافترى على ربه.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ يقول تكذيبًا لمن يُضيف الألوهية إلى الأصنام ويعبدها من دون الله من مشركي العرب - ويقول في تلبيته: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك -: كذب قائلوا هذا القول، ما كان لله من شريكٍ في مُلكه وسلطانه فيصلح أن يُعبد من دونه، يقول تعالى ذكره: فأفردوا أيها الناس لربكم - الذي نزل الفرقان على عبده محمد نبيه - ﷺ - الألوهية، وأخلصوا له العبادة دون كل ما تعبدونه من دونه من الآلهة والأصنام والملائكة والجن والإنس؛ فإن كل ذلك خلقه وفي ملكه، فلا تصلح العبادة إلا لله الذي هو مالك جميع ذلك.
[ ٦٣ ]
وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وخلق الذي نزَّل على محمد الفرقان كلَّ شيء، فالأشياء كلها خلقه وملكه، وعلى المماليك طاعة مالكهم وخدمة سيدهم دون غيره، يقول: وأنا خالقكم ومالِكُكم، فأخلصوا لي العبادة دون غيري.
وقوله: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ يقول: فسوَّى كلَّ ما خلق، وهيَّأه لما يصلح له فلا خلل فيه ولا تفاوت.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] . ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢]، ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] . ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .
قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقول تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ أي لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي لغلب بعضهم بعضًا كالعادة بين الملوك، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من الولد والشريك، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ما غاب عن خلقه وما رأوه.
﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: فارتفع الله وعلا عن شرك هؤلاء المشركين، ووصفِهِم إياه بما يصفون.
قوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول: فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه؛ فإنه لا مِْثلَ له ولا شِبه، فإنه أحدٌ صمدٌ، لم يلد ولم يُولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد.
[ ٦٤ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما يمثِّلون ويضربون من الأمثال، وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ صواب ذلك من خطئه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ ما تزايد قبحه من الكبائر، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ جهرها وسرها. ﴿وَالإثْمَ﴾ كل ذنب. ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: الظلم.
[ ٦٥ ]