قال المصنف ﵀:
«أمَّا بعد: فهذا اعتقاد الفرقة النَّاجية المنصورة إلى قيام الساعة؛ أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة.
وهو الإيمانُ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبَعث بعد الموت، والإيمان بالقدَر؛ خَيره وشَرِّه».
الشرح
نبدأ الآن بشرح كلام المصنف -﵀-؛ إذ قال أنه سيذكر اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، وهم أهل السنة والجماعة.
والفرقة الناجية لها ألقاب: (أهل السنة والجماعة- الطائفة المنصورة- أهل الحديث- الغرباء)؛ فهذه المسميات جاءت بها النصوص، وبحمد الله تعالى عُرف أهل السنة بأنهم هم أهل السنة، فهذا هو اسمهم ثم كما جاء في الحديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»؛ فهم الطائفة الناجية والطائفة المنصورة التي استقامت على هذا المنهج الذي جاء به الوحي؛ فلزمته علمًا وعملًا ودعوة.
فأول ما بدأ به المصنف هنا أنه ذكر أركان الإيمان فقال: «الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر؛ خيره وشره»، فهذه أركان الإيمان التي جاء بها حديث جبريل (^١).
_________________
(١) حديث جبريل الطويل، وفيه بيَّن النبي -ﷺ- أركان الإسلام وأركان الإيمان وعرَّف الإحسان، وذكر بعض علامات الساعة، أخرجه البخاري مختصرًا (٤٨) من حديث أبي هريرة؟، وأخرجه مسلم بطوله (٩) من حديث عمر؟.
[ ١٧ ]
ولفظ الإيمان تارة يُطلق ويراد به: مجموع الدين، وتارة يطلق ويراد به: الأمور الباطنة.
ولفظ الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا؛ فحديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» (^١) - شمل جميع أمور الدين؛ فالإيمان يشمل جميع أمور الدين أحيانًا، وتارة يراد بالإيمان الجانب الباطن من الإنسان، كما في حديث جبريل عندما سأل النبي -ﷺ- عن الإيمان، فقال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وبالقدر؛ خيره وشره». فهنا يراد به الأمور الباطنة.
وهكذا الإسلام تارة يُطلق ويراد به جميع الدين، كما قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، وتارة يطلق ويراد به: الأمور الظاهرة، كما في حديث جبريل المتقدم، وفيه: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله -ﷺ-، وتُقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا».
فمن هذا نعلم أن هذه الألفاظ أحيانًا تعم جميع الدين، وأحيانًا تختص ببعض أموره، ومراد المصنف هنا: ما يتعلق بالأمور الباطنة.
والإيمان لغة: التصديق.
أو أنه أمر يشمل التصديق، ويشمل معه غيره.
والصواب: أن الإيمان ليس مجرد التصديق، فالإيمان يشمل التصديق ويشمل الإقرار والانقياد.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩) ومسلم (٣٥) واللفظ له من حديث أبي هريرة؟.
[ ١٨ ]