قال المصنف ﵀:
«ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسَه في كتابه، وبما وصفه به رسوله مُحمد -ﷺ-؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ».
الشرح
بعد أن ذكر المصنف -﵀- أركان الإيمان إجمالًا- بدأ في بيان تفصيلِها؛ فبدأ بالأصلِ الأولِ، وهو الإيمان بالله ﷿؛ فقال: «من الإيمان بالله: الإيمانُ بما وصف به نفسَه في كتابه، وبما وصفه به رسوله مُحمد -ﷺ-؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ».
فعقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بوجود الله ﷾، وأنه الأول بلا ابتداء، والآخِر بلا انتهاء، وأنَّه الرب الخالق الرازق المُدَبِّر، الإله الحق، المستحق للعبادة وحده، وأن من الإيمان به سبحانه: الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى، وذلك بأن نثبت له ما أثبته لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله محمد -ﷺ-؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
فأهل السنة يؤمنون أن الله ليس كمثله شيء؛ فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ولا يكيفون ولا يُمَثِّلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سَمِيَّ له، ولا كُفء له، ولا نِدَّ له، ولا يقاس جل وعلا بخلقه.
[ ٢٦ ]
وهذا ما دلَّت عليه أدلة الكتاب والسُّنَّة وإجماع سَلَف الأمة؛ قال الإمام أحمد -﵀-: «لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله -ﷺ-، لا يُتجاوز القرآن والحديث» (^١).
وقال ابن عبد البر ﵀: «أهل السُّنَّة مجتمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، وأما أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والخوارج فيُنكرونها ولا يحملونها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ مَنْ أقَرَّ بها مُشَبِّه، وهم عند من أقَرَّ بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به الكتاب والسنة وهم أئمة الجماعة» (^٢).
وقال الحافظ ابن رجب: «والصواب: ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت؛ مِنْ غير تفسير لها، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة» (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يُوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السَّابقون الأولون لا يُتَجاوز القرآن والحديث» (^٤).
فالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهم وَفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يُتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص لمجرد
_________________
(١) انظر: «المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد» (ص ١١٦).
(٢) انظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٤٥).
(٣) انظر: «فضل علم السلف على الخلف» لابن رجب ص (٢٢).
(٤) «الفتوى الحموية» (ص ٦١).
[ ٢٧ ]
أنَّها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (^١).
فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تُحفظ لها حُرمتها، وذلك بأن نفهمها وَفق مراد الشارع؛ فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.
فمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومِن تمام العلم أن يُبحث عن مراد الله ورسوله بها ليُثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، ويُنفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (^٢).
وبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي -ﷺ- بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجهٍ أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب؛ فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فَصَّلت رسالة نبينا محمد -ﷺ- الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقَرَّرت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.
فالمُطَّلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.
ولا تَرُوج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف أُتِي مِنْ جهة جهله لا مِنْ قِلَّة النصوص الواردة في هذا الباب.
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٠١).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ١١٣، ١١٤) بتصرف.
[ ٢٨ ]
وأما معاني هذه الكلمات:
فقد قال العلَّامة ابن القيم -﵀-: «التَّحْرِيف: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره، وهو نوعان:
تحريف لفظه، وتحريف معناه:
والنوعان مأخوذان من الأصل عن اليهود، فهم الراسخون فيها، وهم شيوخ المحرِّفين وسلفهم؛ فإنهم حرَّفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة، ولما غُلبوا عن تحريف لفظه حَرَّفوا معناه؛ ولهذا وُصِفُوا بالتَّحْرِيف في القرآن دون غيرهم من الأمم، ودرج على آثارهم الرافضةُ، فهم أشبه بهم من القُذَّة بالقُذَّة، والجهمية؛ فإنهم سلكوا في تحريف النصوص الواردة في الصفات مسالك إخوانهم من اليهود، ولمَّا لم يتمكنوا من تحريف نصوص القرآن حرَّفوا معانيه وسَطَوْا عليها، وفتحوا باب التَّأْوِيل لكل مُلْحِدٍ يكيد الدين، فإنه جاء فوجد بابًا مفتوحًا وطريقًا مسلوكًا، ولم يمكنهم أن يخرجوه من بابٍ أو يردوه من طريقٍ قد شاركوه فيها، وإن كان الملحد قد وسَّع بابًا هم فتحوه وطريقًا هم اشتقوه، فهما بمنزلة رجلين ائتُمِنا على مالٍ فتأول أحدهما وأكل منه دينارًا، وتأول الأخر وأكل منه عشرةً، فإذا أنكر عليه صاحبه قال: إن حلَّ أكل الدينار بالتَّأْوِيل حلَّ أكل العشرة به، ولا سيما إذا زعم آكل الدينار أن الذي ائتمنه إنما أراد منه التَّأْوِيل، وأن المتأول أعلم بمراده من المالك، فيقول له صاحبه: أنا أسعد منك، وأولى بأكل هذا المال.
والمقصود أن التَّأْوِيل يتجاذبه أصلان: التفسير، والتَّحْرِيف.
فتأويل التفسير هو الحق، وتأويل التَّحْرِيف هو الباطل.
فتأويل التَّحْرِيف مِنْ جنس الإلحاد؛ فإنه هو الميلُ بالنصوصِ
[ ٢٩ ]
عن ما هي عليه، إما بالطعن فيها أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها، وكذلك الإلحاد في أسماء الله يكون بجحد معانيها وحقائقها، وتارةً يكون بإنكار المسمَّى بها، وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره فيها.
فالتَّأْوِيل الباطل هو إلحادٌ وتحريفٌ، وإن سماه أصحابه تحقيقًا وعرفانًا وتأويلًا.
فمِن تأويل التَّحْرِيف والإلحادِ تأويلُ الجهمية قولَه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: جَرَحَ قلبَه بالحِكم والمعارف تجريحًا.
ومن تحريف اللفظ إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ من الرفع إلى النصب، وقال: (وكلَّم اللهَ) أي: موسى كلم اللهَ، ولم يكلمه اللهُ، وهذا من جنس تحريف اليهود، بل أقبح منه، واليهود في هذا الموضع أولى بالحق منهم.
ولما حرَّفها بعضُ الجهمية هذا التَّحْرِيف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنعُ بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! فَبُهِتَ المحرِّف.
ومن هذا أنَّ بعض الفرعونيَّة سأل بعضَ أئمة العربية هل يمكن أن يُقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ وقصد الفرعونيُّ بهذا التَّحْرِيف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق، لا للخالق.
ولو تَيَسَّر لهذا الفرعوني هذا التَّحْرِيف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الصفات» (^١).
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥ - ٢١٨).
[ ٣٠ ]
وأما التَّعْطِيل فهو في اللغة مأخوذ من العَطَل، وهو الخلو والفراغ.
والمعطِّلة: هم نفاة الصفات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «ولهذا كان السلف والأئمة يُسَمُّون نُفاة الصفات: معطلة؛ لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله تعالى، وإن كانوا هم قد لا يعلمون أن قولَهم مستلزمٌ للتعطيل» (^١).
وقال العلَّامة ابن عثيمين -﵀-: «والمراد بالتَّعْطِيل: إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات، سواءً كان كليًّا أو جزئيًّا، وسواء كان ذلك بتحريف أو بجحود، هذا كله يسمى تعطيلًا.
فأَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة لا يعطِّلون أيَّ اسمٍ من أسماء الله، أو أي صفةٍ من صفاته، ولا يجحدونها، بل يقرون بها إقرارًا كاملًا.
فإن قلت: ما الفرق بين التَّعْطِيل والتَّحْرِيف؟
قلنا: التَّحْرِيف في الدليل، والتَّعْطِيل في المدلول فمثلًا:
إذا قال قائل: معنى قول تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: بل قوَّتاه، هذا محرف للدليل ومعطل للمراد الصحيح؛ لأن المراد اليد الحقيقية، فقد عطَّل المعنى المراد، وأثبت معنًى غير المراد.
وإذا قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ لا أدري، أفوِّض الأمر إلى الله، لا أثبت اليد الحقيقية ولا اليد المحرف إليها اللفظ، نقول: هذا معطِّل، وليس بمحرِّف؛ لأنه لم يغير معنى اللفظ ولم يفسِّره بغير مراده، لكن عطَّل معناه الذي يراد به، وهو إثبات اليد لله -﷿-.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٢٦).
[ ٣١ ]
أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة يتبرءون من الطريقتين:
الطريقة الأولى: التي هي تحريف اللفظ بتعطيل معناه الحقيقي المراد إلى معنى غير مراد.
والطريقة الثانية: هي طريقة أهل التفويض، فهم لا يفوضون المعنى كما يقول المفوِّضة، بل يقولون: نحن نقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾، أي: يداه الحقيقيتان ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾، وهما غير القوة والنعمة.
فعقيدة أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة بريئة من التَّحْرِيف ومن التَّعْطِيل» (^١).
وأمَّا الفرق بين التحريف والتعطيل فقد بينه العلامة السِّعْدي بقوله: «التَّعْطِيل نفيٌ للمعنى الحق الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، والتَّحْرِيف: تفسير للنصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها بوجه من الوجوه.
فالتَّحْرِيف والتَّعْطِيل قد يكونان متلازمَيْن إذا أُثبت المعنى الباطل ونفي المعنى الحق، وقد يوجد التَّعْطِيل بلا تحريف كما هو قول النافين للصفات الذين ينفون الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ويقولون: ظاهرها غير مراد ولكنهم لا يعيِّنونَ معنًى آخرَ، ويسمُّون أنفسهم: مفوِّضة، ويظنون أن هذا مذهب السلف، وهو غلط فاحش؛ فإن السلف يثبتون الصفات، وإنما يفوِّضون علم كيفيتها إلى الله، فيقولون: الوصف المذكور معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، وإثباته واجب، والسؤال عن كيفيته بدعة، كما قال الإمام مالك وغيره في الاستواء» (^٢).
وأمَّا التكييف والتمثيل:
فالتكييف: هو جعل الشيء على حقيقة مُعَيَّنة من غير أن يُقَيِّدها
_________________
(١) «شرح الواسطية» (ص ٧٢ - ٧٣).
(٢) «التنبيهات اللطيفة» (ص ١٧).
[ ٣٢ ]
بمماثل.
والتمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق: أنَّها مِثل صفات المخلوقين.
فمنه قول المُمَثِّل: له يدٌ كيدي وسَمع كسمعي. تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
فالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل، وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.
والحق: أن التكييف أعم من التمثيل؛ فكل تمثيل تكييف؛ لأن مَنْ مَثَّل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كَيَّف تلك الصفة، أي: جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.
وليس كل تكييف تمثيلًا؛ لأن مِنْ التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين؛ كقولهم: (طوله كعرضه).
وقد وقع في التمثيل والتكييف (المُشَبِّهة) الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.
قال العلَّامة ابن عثيمين -﵀-: «(تكييف) لم ترد في الكتاب والسنة، ولكن ورد ما يدل على النهي عنها.
والتَّكْيِيف هو أن تذكر كيفيَّة الصفة، ولهذا تقول: كيَّفَ يُكَيِّفُ تَكْيِيفًا، أي: ذَكَرَ كيفية الصفة.
التَّكْيِيف يُسأل عنه بكيف، فإذا قلت مثلًا: كيف جاء زيد؟ تقول: راكبًا.
إذًا كيفت مجيئه. كيف لون السيارة. أبيض، فذكرت اللون.
أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة لا يكيِّفون صفات الله؛ مُستندين في ذلك
[ ٣٣ ]
إلى الدليل السمعي، والدليل العقلي.
فأما الدليل السَّمعي: فمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
فإذا جاء رجل وقال: إن الله استوى على العرش على هذه الكيفية، ووصف كيفيةً معينةً، نقول: هذا قد قال على الله ما لا يعلم، هل أخبرك اللهُ بأنه استوى على هذه الكيفية؟ لا، أخبرنا الله بأنه استوى، ولم يخبرنا كيف استوى، فنقول: هذا تكييف وقول على الله بغير علم.
ولهذا قال بعض السلف: إذا قال لك الجهمي: إن الله حين ينزل إلى السماء كيف ينزل؟
فقل: إن الله أخبرنا أنه ينزل، ولم يخبرنا كيف ينزل؟
وهذه قاعدةُ مُفيدة.
دليل آخر من السَّمع: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]: لا تتَّبع ما ليس لك به علم. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
وأما الدليل العقلي: فكيفيةُ الشَّيءِ لا تُدرك إلا بواحد من أمور ثلاثة:
مشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو خبر الصادق عنه.
إما أن تكون شاهدته أنت وعرفت كيفيته، أو شاهدت نظيره، كما لو قال لك واحد: إن فلانًا اشترى سيارة (داتسون)، (موديل ثمان وثمانين)، رقم (ألفين)، فتعرف كيفيتها؛ لأن عندك مثلها.
[ ٣٤ ]
أو خبر صادق عنه، أتاك رجل صادق وقال: إن سيارة فلان صفتها كذا وكذا، ووصفها تمامًا فتدرك الكيفية الآن.
ولهذا قال بعض العلماء جوابًا لطيفًا: إن معنى قولنا: «بدون تكييف» ليس معناه ألا نعتقد لها كيفية، بل نعتقد لها كيفية، لكن المنفي علمنا بالكيفية؛ لأن استواء الله على العرش لا شك أن له كيفيةً، لكن لا تُعلم؛ لأنه ما من موجود إلا وله كيفية، لكنها قد تكون معلومة، وقد تكون مجهولة.
سئل الإمام مالك -﵀- عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟ فأطرق برأسه حتى علاه العرق، ثم رفع رأسه وقال: «الاستواء غير مجهول»، أي: من حيث المعنى معلوم؛ لأن اللغة العربية بين أيدينا، كل المواضع التي وردت فيها «استوى» مُعَدَّاة بـ (على) معناه العلو، فقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول»؛ لأن العقل لا يدرك الكيف، فإذا انتفى الدليل السمعي والعقلي عن الكيفية وجب الكفُّ عنها.
«والإيمان به واجب»؛ لأن الله أخبرنا عن نفسه، فوجب تصديقه.
«والسؤال عنه بدعة» السؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنَّ مَنْ هم أحرصُ مِنَّا على العلم ما سألوا عنها، وهم الصحابة، لما قال الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، عرفوا عظمة الله -﷿-، ومعنى الاستواء على العرش، وأنه لا يمكن أن تسأل: كيف استوى؟ لأنك لا تدرك ذلك، فنحن إذا سئلنا فنقول: هذا السؤال بدعة.
وكلامُ مالكٍ -﵀- ميزانٌ لجميعِ الصفاتِ.
فإن قيل لك- مثلًا-: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف ينزل؟ فالنزول غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به
[ ٣٥ ]
واجب، والسؤال عنه بدعة …».
إلى أن قال -﵀-: «وهنالك كلام للسلف يدلُّ على أنهم يفهمون معاني ما أنزل الله على رسوله من الصفات، كما نُقل عن الأوزاعي وغيره أنهم قالوا في آيات الصفات وأحاديثها: «أَمِرُّوها كما جاءت، بلا كيفٍ» وهذا يدل على أنهم يثبتون لها معنًى من وجهين:
أولًا: أنهم قالوا «أَمِرُّوها كما جاءت»، ومعلوم أنها ألفاظ جاءت لمعانٍ، ولم تأت عبثًا، فإذا أمررناها كما جاءت لزم من ذلك أن نثبت لها معنًى.
ثانيًا: قولهم «بلا كيف»؛ لأن نفي الكيفية يدل على وجود أصل المعنى؛ لأن نفي الكيفية عن شيء لا يوجد لغوًا وعبثًا، إذًا فهذا الكلام المشهور عند السلف يدل على أنهم يثبتون لهذا النصوص معنًى» (^١).
_________________
(١) «شرح الواسطية» (ص ٧٧ - ٧٨).
[ ٣٦ ]