قال المصنف ﵀:
«وَمِنَ الإِيمَانِ بِاليَومِ الآخرِ: الإيمان بِكُلِّ مَا أَخبَرَ بِهِ النَّبيُّ -ﷺ-
مِمَّا يَكونُ بَعدَ المَوتِ؛ فَيُؤمِنُونَ بِفِتنَةِ القَبرِ، وَبِعَذَابِ القَبرِ وَنَعِيمِهِ.
فَيُؤمِنُونَ بِفِتنَةِ القَبرِ، وَبِعَذابِ القَبرِ وَنَعِيمِهِ؛ فَأَمَّا الفِتنَةُ فَإِنَّ النَّاسَ يُفتَنُونَ فِي قُبُورِهِم فَيُقَالِ للرَّجُلِ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، فَيقُولُ المُؤمِنُ: رَبِّيَ اللهُ، وَدِينِيَ الإسلامُ، وَمُحَمَّد -ﷺ- نَبِيِّي.
وَأَمَّا المُرتابُ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدرِي، سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيئًا فَقُلتُهُ! فَيُضرِبُ بِمرزبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ؛ فَيَصِيحُ صَيحَةً يَسمَعُهَا كُلُّ شَيءٍ إِلَّا الإنسان، وَلَو سَمِعَهَا لَصُعِقَ».
الشرح
ذكر المصنف ﵀ هنا الإِيمَان بالدار الآخرة، وتبدأ بأول منازلها بخروج الروح من الجسد، ثم ما يكون في القبر من فتنة، وأحوال الناس فيها بين مُثَبَّت ومُضَل، وما يترتب على هذه الفتنة من نعيم أو عذاب.
فقال شَيخُ الإِسلَامِ -﵀-: «وَمِنَ الإِيمَانِ بِاليَومِ الآخرِ: الإيمان بِكُلِّ مَا أَخبَرَ بِهِ النَّبيُّ -ﷺ- مِمَّا يَكونُ بَعدَ المَوتِ؛ فَيُؤمِنُونَ بِفِتنَةِ القَبرِ، وَبِعَذَابِ القَبرِ وَنَعِيمِهِ».
واليوم الآخر سُمِّي كذلك؛ لتأخُّرِهِ عَنِ الدُّنيا. وَقِيلَ: لأنَّهُ لا يومَ بَعدَهُ، فَهُوَ آخرُ المراحِلِ، وسينقسم الناس فيه إلى فريقين؛ فريق
[ ١٦٦ ]
في الجنة وفريق في السعير.
وقد اتَّفَقَت جَمِيعُ الشَّرائع السَّمَاويَّةِ على الإيمان باليوم الآخر؛ قَالَ الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].
وهذا مما يؤيده العَقلُ السَّليمُ والفِطرَةُ السَّويةُ؛ إذ ما خلق الله هذا الخلق عبثًا، وهو ﷾ لن يتركهم هملًا بلا حساب على ما اقترفوه في هذا الحياة، بل من مقتضى عدله جل وعلا أن يجمع الأَوَّلين والآخرين للحساب والعرض، والقصاص من الظالم للمظلوم؛ قال ﷻ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]، وقال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الانبياء: ٤٧].
وقد دلَّ على سؤال القبر وما يكون فيه من نَعيم أو عذاب- بعض الآيات والسُّنَّة المُتواترة وكذلك إجماع أهل السُّنَّة والجَمَاعَة.
أمَّا دلالة القرآن؛ فمنها: قوله تعالى في قصة آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
قال الحافظ ابن كثير: «وهذه الآية أصلٌ كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور» (^١).
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (٧/ ١٤٦).
[ ١٦٧ ]
وقال العلامة الفوزان: «هذا في البرزخ قبل الآخرة؛ يُعرضون على النَّار صباحًا ومساء إلى أن تقوم الساعة، وهذا دليلٌ على عذاب القبر، والعياذ بالله، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] هذه ثلاثة عقوبات:
الأولى: أنَّ الله أغرقهم ومحاهم عن آخرهم في لحظة واحدة.
الثاني: أنَّهم يُعَذَّبون في البرزخ إلى أن تقوم الساعة.
الثَّالثة: أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يدخلون أشد العذاب، والعياذ بالله» (^١).
ومنها: قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١].
قال ابنُ تيمِيَّة: «قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ العُلَمَاءِ: المَرَّةُ الأُولَى فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَةُ فِي البَرْزَخِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ فِي الآخِرَةِ» (^٢).
ومنها: وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾.
وهذا خطابٌ لهم عند الَموت، وقد أخبر الملائكة- وهم الصادقون- أنَّهم حينئذ يُجزون عذاب الهون، ولو تأخَّر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا؛ لما صَحَّ أن يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾؛ فدل على أنَّ المراد به عذاب القبر (^٣).
وأمَّا السُّنَّة: فإنها متواترةٌ في ذلك، كما قال الحافظُ ابنُ رَجَب -﵀-: «وقد تَوَاتَرَت الأحاديثُ في عذاب القبر» (^٤).
_________________
(١) «شرح الأصول الثلاثة» (ص ٥١)، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.
(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٦٦).
(٣) انظر: «الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد» صالح الفوزان (ص ٢٧٥)، دار ابن الجوزي، الطبعة الرابعة، ١٤٢٠ هـ- ١٩٩٩ م.
(٤) «أهوال القبور» (ص ٤٣).
[ ١٦٨ ]
وقال ابنُ أبي العِزِّ -﵀-: «وقد تواترت الأخبارُ عن رسول الله -ﷺ- في ثُبُوت عذاب القبر ونعيمه لِمَنْ كان أهلًا» (^١).
وأمَّا الإجماعُ، فقد قال ابن تيمِيَّة -﵀-: «فَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: أَنَّ المَيِّتَ إذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ» (^٢).
وقال أيضًا: «العَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى النَّفْسِ وَالبَدَنِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ» (^٣).
وقال ابن القيِّم -﵀-: «وَهَذَا كَمَا أنه مُقْتَضى السُّنَّة الصَّحِيحَة فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَين أهل السُّنَّة.
قَالَ المروزي: قَالَ أَبُو عبد الله: عَذَاب القَبْر حقٌّ، لَا يُنكره إِلَّا ضالٌّ أَوْ مُضِلٌّ» (^٤).
والإنسانُ بمجرد موتِه يدخل فِي اليومِ الآخرِ بالنِّسبة له، وَلِهَذَا يُقَالُ: مَنْ مَاتَ قَامَت قِيَامَتُهُ.
وقد ذكر شيخُ الإسلامِ -﵀- هُنَا مَسأَلَتَينِ عَظيمَتَينِ:
الأولى: فِتنَةُ القَبر، والثانية: مَا يَكُونُ بَعدَ تِلكَ الفِتنَةِ مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ.
_________________
(١) «شرح الطَّحاوية» (ص ٣٩٩).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٨٤).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٨٢).
(٤) «الروح» (ص ٥٧).
[ ١٦٩ ]
المَسأَلَةُ الأُولى: فِتنَةُ القَبر:
قَالَ شَيخُ الإسلامِ ابن تيمِيَّة -﵀-: «وَأَمَّا الفِتْنَةُ فِي القُبُورِ فَهِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ لِلمَيِّتِ حِينَ يَسْأَلُهُ المَلَكَانِ» (^١).
وقَد رَوَت أَسمَاءُ بِنت أَبِي بَكر -﵂- أَنَّ رَسولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْل فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (^٢).
وعن عثمانَ بن عفَّان -﵁- قالَ: كَانَ النَّبيُّ -ﷺ- إِذَا فَرغَ مِنْ دَفنِ الميتِ وَقَفَ عليهِ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ» (^٣).
وَعَنْ أَبِي هُريرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ -ﷺ- يدعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (^٤).
وعن البرَاءِ بنِ عَازب -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنَّه قال: «إِنَّ العَبدَ المُؤمِنَ فِي قَبْرِهِ تُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ؛ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-. فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ؛ فَآمَنْتُ بِهِ، وَصَدَّقْتُ به …».
إِلَى أَنْ قَالَ فِي العَبدِ الكَافِرِ: «فتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٥٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٨٤) ومسلم (٩٠٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٢١)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٢٦) (١٣٧٢)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٥١١).
(٤) أخرجه البخاري (١٣٧٧) ومسلم (٥٨٨).
[ ١٧٠ ]
مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي» (^١).
وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ التي بَلَغَت مَبلَغَ التَّوَاتُرِ.
قَالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَّة -﵀-: «وَقَدْ تَوَاتَرَت الأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي هَذِهِ الفِتْنَةِ مِنْ حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عَازِبٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ -﵃-» (^٢).
وَقوله: «مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟» - هَذِهِ الأسئلة الثلاثة الِتي تُوَجَّهُ للمَيِّتِ فِي قَبرِهِ؛ قال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين -﵀-: «يَعنِي: مَنْ رَبُّكَ الذِي خَلَقَكَ وَتعبدُهُ وَتَخصُّهُ بِالعِبَادَةِ؟ لِأَجلِ أَنْ تَنتَظِمَ هَذِهِ الكَلمةُ توحيد الربوبيَّةِ، وَتوحيد الألوهيَّةِ.
و«المُرتاب»: الشَّاكُّ والمُنافقُ وشبههمَا، «فَيَقُولُ: هَاه هَاه؛ لَا أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلتُهُ»، يعني: لم يَلجِ الإيمانُ قلبَهُ، وإنَّمَا كانَ يقولُ كما يقولُ النَّاسُ مِنْ غيرِ أن يَصِلَ الإيمانُ إلى قلبِهِ.
وَتَأَمَّل قولَهُ: «هاه هاه» كأنَّ شيئًا غَابَ عنهُ يريدُ أن يَتذكرَه، وَهَذا أشدُّ في التَّحَسُّرِ أن يتخيَّلَ أنَّهُ يَعْرِفُ الجوابَ، ولكن يُحالُ بينهُ وبينهُ، ويقولُ: «هاه هاه»، ثمَّ يقولُ: «سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُهُ»، وَلَا يقولُ: رَبِّيَ الله، وَلَا ديني الإسلام، وَلَا نَبِيِّ محمَّد؛ لأَنَّهُ فِي الدُّنيا مُرتابٌ شاكٌّ.
هذا إِذَا سُئِلَ فِي قَبرِهِ وَصَارَ أحوج مَا يكونُ إِلَى الجَوَابِ
_________________
(١) أخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، وأبو داود (٤٧٥٣)، وصححه الألباني في «المشكاة» (١٦٣٠).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٥٧).
[ ١٧١ ]
الصَّوَابِ يَعجزُ، وَيَقولُ: «لَا أدري سَمِعتُ النَّاسَ يقولونَ شَيئًا فقلتُهُ».
إِذًا؛ إيمانُه قولٌ فَقَط» (^١).
وقولُ شيخِ الإسلامِ -﵀-: «فَيُضرِبُ بِمرزَبَّةٍ مِنْ حديدٍ؛ فيصيحَ صحيةً يسمعهَا كُلُّ شيءٍ إِلَّا الإنسان، وَلَو سَمِعَها لصعقَ» - يُشير إلى حديث أنس -﵁-، وفيه: «وأمَّا المُنافق والكافر فيُقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنتُ أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ويُضرب بمطارقَ من حديد ضربةً؛ فيَصِيحُ صَيحةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيرَ الثَّقَلينِ» (^٢)، والثَّقلان: هُمْ الإنسُ والجنُّ.
قالَ ابنُ عُثَيمين -﵀-: «فيُضرب»: يَعني الذِي لم يُجِب، سواء كانَ الكافرَ أو المنافقَ، والضارب لَهُ المَلَكَانِ اللذانِ يَسألانِهِ.
والمرزبَّةُ: هِيَ مِطرقةٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بعضِ الرواياتِ: أَنَّهُ لَوِ اجتَمَعَ عَلَيهَا أَهلُ مِنى مَا أَقَلُّوها، فَإِذَا ضُرِب يَصيح صيحةً يَسمعها كلُّ شيء إلا الإنسان، أي: صِياحًا مَسموعًا يَسمعه كلُّ شيء يكون حوله مِمَّا يسمع صوته، وليس كلُّ شيء في أقطار الدُّنيا يَسمعه، وأحيانًا يتأثر به ما يسمعه كما مَرَّ النَّبيُّ -ﷺ- بِأَقْبُر للمُشركين على بَغْلَتِه، فَحَادت به حتى كادت تُلقيه؛ لأنَّها سَمِعت أصواتَهم يُعَذَّبون.
قوله: «إلا الإنسان»، وقد سبق أنَّ في الحديث إلا الثَّقلين. يعني: أنه لا يَسمع هذا الصِّياح، وذلك لحكمٍ عظيمة منها:
أولًا: ما أشار إليه النَّبيُّ -ﷺ- بقوله: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ القَبْرِ» (^٣).
_________________
(١) انظر: «شرح الواسطِيَّة» (ص ٤٨٠ - ٤٨٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٧٤) من حديث أنس؟.
(٣) أخرجه مسلم (٢٨٦٨) من حديث أنس؟.
[ ١٧٢ ]
ثانيًا: أنَّ في إخفاء ذلك سترًا للميت.
ثالثًا: أنَّ فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأنَّ أهلَه إذا سَمعوا مَيِّتَهم يُعَذَّب ويَصيح لم يَسْتَقِرَّ لهم قَرَارٌ.
رابعًا: عدم تَخْجِيل أهله؛ لأنَّ النَّاس يقولون: هذا ولدُكم، هذا أبوكم، هذا أخوكم، وما أشبه ذلك.
خامسًا: أننا قد نَهْلِك؛ لأنَّها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد تُوجب أن تسقط القلوب من مَعاليقها، فيموت الإنسان، أو يُغشى عليه.
سادسًا: لو سَمِع النَّاسُ صُرَاخ هؤلاء المُعَذَّبين لكان الإيمانُ بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تَفُوت مصلحة الامتحان؛ لأنَّ النَّاس سوف يُؤمنون بما شاهدوه قطعًا، لكن إذا كان غائبًا عنهم ولم يعلموا به إلَّا عن طريق الخبر صار من باب الإيمان بالغيب» (^١).
_________________
(١) «شرح الواسِطيَّة» (ص ٤٨٢، ٤٨٣).
[ ١٧٣ ]