قال المصنف ﵀:
«فَصْلٌ: ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ القُرآنَ، وتُبَيِّنُهُ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعَبِّرُ عَنْهُ، وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ -﷿- مِنَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِالقَبُولِ؛ وَجَبَ الإيمَانُ بِهَا كَذَلِك.
فَمِنْ ذَلِكَ: مِثْلُ قَوْلِهِ -ﷺ-: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
وَقَوْلُهُ -ﷺ-: «لله أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهُ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ». (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
«وَقَوْلُهُ: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ». (حَدِيثٌ حَسَنٌ).
وقوله -ﷺ-: «يَضحَكُ اللهُ إلى رَجلينِ يَقتُل أحدُهما الآخَرَ، كلاهما يَدخُل الجنَّة». مُتَّفقٌ عليه.
وقولُه -ﷺ-: «لا تزالُ جَهنَّمُ يُلقى فيها، وهي تقول: هل مِنْ مَزيد؟ حتى يَضَعَ ربُّ العِزَّة فيها رِجلَه»، وفي رواية: «عليها قَدَمَهُ، فيَنْزَوي
بعضُها إلى بعض، وتقول: قَطٍ قَطٍ». مُتَّفقٌ عليه.
وقوله: «يقولُ الله تعالى يا آدمُ، فيقول: لَبَّيْكَ وسَعْديكَ، فيُنادي بصَوتٍ: إنَّ اللهَ يأمُركَ أنْ تُخرج من ذُرِّيَّتِك بَعْثًا إلى النَّار». مُتَّفقٌ عليه.
وقوله: «ما مِنكم من أحدٍ إلا سيُكَلِّمه ربُّه ليس بينه وبينه ترجمان».
[ ٩٦ ]
وقوله في رُقْية المَريض: «ربَّنا اللهُ الذي في السماء، تَقدَّس اسمُك، أَمْرُكَ في السماء والأرض كما رَحْمَتُكَ في السماء، اجعَل رَحْمَتكَ في الأرض، اغفِرْ لنا حُوبَنا وخَطايانا، أنتَ ربُّ الطَّيِّبينَ، أنزِل رحمةً من رَحْمتكَ وشِفاءً من شِفائِك على هذا الوَجَع؛ فيَبْرأُ». حديث حَسَن، رواهُ أبو داود وغيرُه.
وقوله: «ألا تَأْمَنُوني وأنا أمِينُ مَنْ في السماء». حديث صحيح.
وقوله: «والعرشُ فوقَ ذلك، واللهُ فوقَ العرشِ، وهو يَعلم ما أنتُم عليه». حديثٌ حسن، رواه أبو داود وغيرُه.
وقوله للجارية: «أينَ اللهُ؟». قالت: في السَّماء، قال: «مَنْ أنا؟»
قالت: أنتَ رسولُ الله، قال: «أَعْتِقْها فإنَّها مُؤْمِنة». رواه مسلم.
وقوله: «أفضَلُ الإيمانِ أنْ تعلَم أنَّ الله معكَ أيْنَما كنتَ». حديث حسن، أخرجه الطَّبرانيُّ من حديث عُبادة بن الصَّامت.
وقوله: «إذا قام أحدُكم إلى الصلاة فلا يَبصُق قِبَلَ وَجْهِه، ولا عن يَمِينه؛ ولكنْ عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِه». مُتَّفقٌ عليه.
وقوله: «اللهم ربَّ السموات السَّبْع وربَّ العرش العظيم، ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، فالِقَ الحَبِّ والنَّوى، مُنزِلَ التَّوراة والإنجِيل والقرآن، أعوذُ بكَ من شَرِّ نفسي ومن شَرِّ كلِّ دابَّة أنتَ آخِذٌ بناصِيَتها، أنتَ الأوَّل فليس قَبْلكَ شيءٌ، وأنت الآخِرُ فليس بعدَكَ شيءٌ، وأنت الظَّاهِرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطِنُ فليس دُونَكَ شيءٌ؛ اقْضِ عنِّي الدَّيْن وأَغْنِني من الفَقْر». رواه مسلم.
وقوله لمَّا رفَع الصَّحابةُ أصواتَهم بالذِّكر: «أيُّها النَّاس، ارْبَعوا على أنفُسِكم؛ فإنَّكم لا تَدْعُون أصمَّ ولا غائِبًا؛ إنما تَدْعون سميعًا
[ ٩٧ ]
بصيرًا
قريبًا، إن الذي تَدْعون أقرَبُ إلى أحدِكم من عُنُق راحِلَتِه». مُتَّفقٌ عليه.
وقوله: «إنَّكم ستَرَوْنَ ربَّكم كما تَرَوْنَ القمَر ليلةَ البَدْر، لا تضامُّون في رُؤْيته؛ فإن استَطَعْتم أنْ لا تُغلَبوا على صلاةٍ قبل طُلوع الشمس وصلاةٍ قبل غُروبها، فافْعَلوا»، مُتَّفقٌ عليه. إلى أمثال هذه الأحاديث التي يُخبر فيها رسولُ الله -ﷺ- عن ربِّه بما يُخبِر به».
الشرح
بعد أن ذكر المصنف ﵀ أنه لا عُدُولَ لأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عن سبيل المُرسلين، ومن ذلك: أنَّهم يَصفون الله ﷾ بما وصف به نفسه في كتابه؛ ثم دَلَّل على ذلك بأمثلةٍ كثيرة من القرآن- بَيَّنَ بعد ذلك أنه لا عدول لأهل السنة والجماعة كذلك عن وصف الله تعالى بما وصفه به نبيه -ﷺ- في سُنَّته؛ إذ السُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرآنَ وتُبَيِّنُهُ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعَبِّرُ عَنْهُ.
ثم أورد جملةً من الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ، وفيها بعض صفاتِ ربِّنا جل وعلا؛ لذا وَجَبَ الإيمَانُ بِهَا، على ما هو معتقد السلف في ذلك.
والقول الصَّحيح المشهور الذي عليه جمهور أهل السنة: هو أن المقصود بالسلف الصالح هم القرون الثلاثة المفضلة الذين شهد لهم النبي -ﷺ- بالخيرية، حيث قال: «خيرُ القرون القرن الذي بُعثت فيهم، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يَلونهم» (^١)، فالسَّلف الصَّالح هم الصحابة والتَّابعون وتابعو التَّابعين، وكلُّ مَنْ سلك سبيلهم وسار على نَهجهم فهو سلفيٌّ نسبة إليهم.
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥/ ١٩٩)، (١١/ ٤٦٠)، ومسلم (٧/ ١٨٤، ١٨٥).
[ ٩٨ ]
والسَّلفية: هي المنهج الذي سار عليه النبي -ﷺ- والقرون المُفَضَّلة من بعده والذي أخبر النبي -ﷺ- بأنه باق إلى أن يأتي أمر الله، لحديث: «لا تَزال طائفةٌ مِنْ أُمَّتي ظاهرين على الحقِّ لا يَضرهم مَنْ خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (^١).
فيَصح الانتساب إلى هذا المنهج متى التزم الإنسان بشروطه وقواعده، فكل مَنْ حافظ على سلامة العقيدة طبقًا لفهم القرون الثلاثة المفضلة فهو ذو نهج سلفي.
ويمكن حصرُ ركائز وقواعد المنهج السلفي على سبيل الاختصار في النقاط التالية:
أولًا: ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها.
ثانيًا: التقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وذلك يتم بـ:
أ- الاجتهاد في تمييز صحيحِه مِنْ سَقِيمه.
ب- الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفَهُّمِه (^٢).
ثالثًا: العمل بذلك والاستقامة عليه اعتقادًا وتفكيرًا وسلوكًا وقولًا، والبعد عن كل ما يخالفه ويناقضه.
رابعًا: الدعوة إلى ذلك باللِّسان والبَنان.
فمن التزم هذه القواعد في الاعتقاد والعمل فهو على النَّهج السلفي بإذن الله.
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٣/ ١٥٢٣).
(٢) «بيان فضل السلف على الخلف» لابن رجب (ص ١٥٠ - ١٥٢)، و«أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (١/ ٩، ١٠).
[ ٩٩ ]
د- الأدلة على وجوب اتباع السلف الصالح ولزوم منهجهم:
أولًا: من القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ -﵁- مْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
فرضي ﷿ عن السَّابقين الأولين رضاءً مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
فتَوَعَّد الله مَنْ اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد في الآية السابقة متبعهم بالرضوان.
ثانيًا: الأدلة من السنة:
١ - قوله -ﷺ-: «خيرُ النَّاس قَرْني، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يلونهم» (^١).
فهذه (الخيرية) التي شهد النبي -ﷺ- بها لهذه القرون الثلاثة تدل على تفضيلهم وسبقهم وجلالة قدرهم وسَعة عِلمهم بشرع الله، وشدة تمسكهم بسنة رسوله -ﷺ-، وهذا ما تؤكده الأحاديث التالية.
٢ - قوله -ﷺ-: «افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النَّصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه ا لأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النَّار إلا واحدة». قيل: مَنْ هي يا رسول
_________________
(١) أخرجه البخاري ٥/ ١٩٩، ٧/ ٦، ١١/ ٤٦٠، وأخرجه مسلم ٧/ ١٨٤، ١٨٥.
[ ١٠٠ ]
الله؟ قال: «مَنْ كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، حديث صحيح مشهور (^١).
٣ - قوله -ﷺ-: «… فإنَّه مَنْ يَعِش بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المَهديين مِنْ بعدي؛ فتمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (^٢).
فحَثَّ -ﷺ- بأن يتَّبعوا سنته وسنة من بعده من الخلفاء الراشدين، عند وقوع التفرق والاختلاف.
ثالثًا: من أقوال السلف الصالح وأتباعهم:
عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «إنَّا نَقتدي ولا نَبتدي، ونَتَّبع ولا نبتدع، ولن نَضل ما تمسكنا بالأثر» (^٣).
وعنه -﵁- قال: «اتَّبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفِيتم» (^٤).
وقال الأوزاعي: «اصبر نفسك على السُّنَّة، وقِفْ حيث وَقَفَ القومُ، وقل بما قالوا، وكُفَّ عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنَّه يَسعك ما وسعهم» (^٥).
وقيل لأبي حنيفة ﵀: «ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟
قال: مقالات الفلاسفة، عليكَ بالأثرِ وطريقة السَّلَف، وإيَّاك
_________________
(١) أخرجه أبو داود ٤٥٩٦، ٤٥٩٧، والترمذي ٢٦٤٠، ٢٦٤١، والإمام أحمد ٢/ ٣٣٢، ٣/ ١٢٠، ١٤٥، ٤/ ١٢٠، وابن ماجه ٣٩٩١ - ٣٩٩٣.
(٢) أخرجه الإمام أحمد ٤/ ١٢٦، ١٢٧، وأبو داود ٤٦٠٧، والترمذي ٢٦٧٦، والدارمي ١/ ٤٤، وغيرهم.
(٣) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (ح ١١٥).
(٤) «البدع والنهي عنها» لابن وضَّاح ص ١٣.
(٥) «الشريعة» للآجري ص ٥٨.
[ ١٠١ ]
وكلَّ محدثة؛ فإنها بدعة» (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله: أن يكون أصلُ قصده توحيد الله بعبادته وحدة لا شريك له وطاعة رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارًا مطلقًا عامًّا إلا لرسول الله -ﷺ-، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًّا إلا للصحابة -﵁- م أجمعين. فإن الهدي يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يُجمعون على خطأ، بل كل ما قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مُسَلَّمًا إلى عالم واحد وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرًا لرسول الله -ﷺ-، وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم.
ولابد أن يكون الصحابة والتابعون يَعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول، قبل وجود المتبوعين الذين تُنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحقٍّ يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون أحدهم عَلِم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلابد أن يكون قوله- إن كان حقًّا- مأخوذًا عما جاء به الرسول، موجودًا فيمن قبله، وكل قول قيل في دين الإسلام، مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون- لم يَقله أحدٌ منهم بل قالوا خلافه-
_________________
(١) «صون المنطق» للسيوطي ٣٢٢.
[ ١٠٢ ]
فإنَّه قول باطل» (^١).
فأصول أهل السنة والجماعة تقوم من حيث التأصيل على اعتماد الكتاب والسنة باعتبارهما الأصل في كل أمور الدِّين؛ سواء كانت تلك الأمور تتعلق بباب الاعتقاد أو بغير ذلك من أبواب الدِّين.
فصاحب السُّنَّة يُؤمن بأنَّ النبي -ﷺ- قد قال «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» (^٢).
ويعلم أن السنة مصدر من مصادر التشريع في هذا الدِّين، وهي- كما قال المصنف: «تُفَسِّرُ القُرآنَ، وتُبَيِّنُهُ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعَبِّرُ عَنْهُ».
فالسُّنَّةُ مُفَسِّرة ومُبينة ودالَّة ومُعبرة عمَّا جاء في القرآن.
وقد ترد بعض أمور الدين في القرآن، ولا ترد في السُّنَّة، وقد ترد في السنة ولا تَرد في القرآن، أو تَرِدُ فيهما معًا.
فصاحب السُّنَّة يُؤمن أن هذا هو الأصل والمَصدر، ولا شكَّ أن في الاعتماد على هذين الأصلين الفلاح والنجاح، وهذا لا يتَّضح إلا إذا نظرنا إلى أصول أهل الباطل وما اعتمدوا عليه.
فمن أهل الباطل مَنْ اعتمد على ما يُسمونه بـ (المعقولات)؛ فاعتمدوا على عقولهم وعلى أفهامهم، وقَدَّسوا تلك المعقولات وتلك الفُهوم، وقَدَّموها على كلام الله وكلام رسوله -ﷺ-، ثم طَعنوا في كلام الله وفي كلام رسوله؛ فما استطاعوا أن يَطعنوا فيه ثبوتًا فعلوا ذلك، وما استطاعوا أن يطعنوا فيه دلالة فعلوا ذلك.
وفئة أخرى منهم تعتمد على الرُّؤى والمنامات، ويُسمونه (العلم
_________________
(١) منهاج السنة ٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣
(٢) رواه مالك بلاغًا (٢/ ٨٩٩) (٣٣٣٨)، وقال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (٢٤/ ٣٣١): «وهذا محفوظٌ معروفٌ مشهورٌ عن النَّبِيِّ -ﷺ- عند أهل العِلمِ، شُهْرَةً يكاد يُسْتَغْنَى بها عن الإسنادِ، وروي في ذلك من أخبار الآحاد أحادِيثُ من أحاديث أبي هريرة وعمرو بن عوف»، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٩٣٧).
[ ١٠٣ ]
اللدني).
إلى غير ذلك من الخزعبلات والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ فضَلَّ هؤلاء وأولئك عن سبيل الله ﷿ وأَضَلُّوا.
أمَّا صاحب السنة فهو يعلم أن السنة كالقرآن من حيث الاعتماد في التشريع؛ فيؤمن بكل ما جاء في السنة الصحيحة؛ لأنها وحي من الله عز القائل في حق نبيه -ﷺ-: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.
فالسنة جاءت بإثبات العديد من الصفات أورد المصنف هنا جملة منها:
فقال: «وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ -﷿- مِنَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِالقَبُولِ؛ وَجَبَ الإيمَانُ بِهَا كَذَلِك».
وهو هنا يُؤصل لمسألة: أنَّ ما جاءت به السنة الثابتة الصحيحة
فشأنه كشأن القرآن من حيث الاعتقاد، وأما الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة، فهذا لا يُحتج به في باب الاعتقاد.
والنصوص قد جاءت بجملة من هذه الصفات التي إما أن تكون وردت في القرآن أو تكون قد وردت في السنة، ويجب أن نتعامل مع ما ورد من الصفات في نصوص السنة الصحيحة، كما تعاملنا مع ما ورد منها في نصوص القرآن.
كقَوْلِهِ -ﷺ-: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ …» الحديث، متفق عليه (^١)، وغير هذا الحديث من أحاديث النزول الثابتة الصحيحة، التي قال عنها العلماء: «إنها قد بلغت حدًّا في التواتر،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة؟.
[ ١٠٤ ]
فقد رواه أكثر من عشرين من الصحابة.
فقد قال شيخُ الإسلام: «إن حديث النُّزول مُتواتِر» (^١).
وقال العلَّامة ابن القيِّم: «وتَواترتِ الرِّواية عن رسول الله -ﷺ- بنُزول الربِّ﵎- كلَّ ليلة إلى سماءِ الدنيا» (^٢).
وقال أيضًا: «إن نُزول الربِّ ﵎ إلى سماءِ الدُّنيا قد تَواترتِ الأخبارُ به عن رسول الله -ﷺ-؛ رواهُ عنه نحوُ ثمانيةٌ وعشرون نَفْسًا من الصَّحابة» (^٣).
وقال اللَّالكائيُّ: «سِياق ما رُوِيَ عن النَّبي -ﷺ- في نُزول الربِّ﵎- رَواه عن النَّبي -ﷺ- عشرون نَفْسًا» (^٤).
وقد أجمع سلَفُ الأمَّة على إثبات صِفة النُّزول؛ فقد سُئل شيخ الإسلامِ -﵀- عن رَجُلين أحدهما مُثبِت للنُّزول ومُستدِل بالحديث الوارد في ذلك، والآخر نافٍ للنُّزول، فقال: «الحمدُ لله ربِّ العالَمين، أما القائِلُ الأول الذي ذكَر نصَّ النَّبي -ﷺ-، فقد أصابَ فيما قال؛ فإن هذا القول الذي قاله قدِ استَفاضتْ به السُّنَّة عن النَّبي -ﷺ-، واتَّفقَ سلَفُ الأمة وأئمتُها وأهل العلم بالسُّنة والحديث على تَصْديق ذلك وتَلقِّيه بالقَبول» (^٥).
ونقَل -﵀- عن أبي عمرٍو الطَّلَمَنْكيِّ قولَه: «وأجمَعوا على أن الله يَنزِل كلَّ ليلة إلى سماءِ الدُّنيا على ما أتتْ به الآثارُ كيف شاء» (^٦).
_________________
(١) «شرح حديثِ النُّزول» (ص ١٠٢، ١٠٣).
(٢) «مُختصَر الصَّواعق المرسلة» (ص ٤٣٠).
(٣) «مُختصَر الصَّواعق المرسلة» (ص ٤٢٣).
(٤) «أصول اعتِقاد أهل السُّنَّة والجَمَاعَة» (٣/ ٤٣٤).
(٥) «مَجموع الفَتاوى» (٥/ ٣٢٢).
(٦) انظر: «مَجموع الفتاوى» (٥/ ٣٢٢) (٥/ ٥٧٨).
[ ١٠٥ ]
وقد قال الشيخ ابن عثيمين عن حديث النزول: «هذا الحديث حديث عظيم ذكر بعض أهل العلم أنه بلغ حَدَّ التواتر عن النبي -ﷺ-، ولا شكَّ أنه حديث مُستفيض مشهور، وقد شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بكتاب مُستقل (^١)؛ لما فيه من الفوائد العظيمة» (^٢).
وهكذا أورد أحاديث أخرى مثل قوله -ﷺ-: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهُ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ »، الحديث، ففيه أثبت صفةَ الفرح لله ﷿.
وَكذلك قَوْلُهُ -ﷺ-: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ»، وفيه أثبت صفة العَجَب والضحك.
وغير ذلك من الصفات التي جاءت في هذه الأحاديث، وجاءت في غيرها من أحاديث السُّنَّة الصحيحة.
قال العلَّامة ابن القيِّم -﵀-: «قال أبو العباس بن سُرَيج: وقد صَحَّ عن جميع أهل الدِّيانة والسُّنَّة إلى زماننا: أنَّ جميعَ الآثار والأخبار الصَّادِقة عن رسول الله -ﷺ- في الصِّفات، يجِب على المُسلم الإيمانُ بها، وأن السُّؤال عن معانيها بِدْعَة، والجواب كُفْر وزَنْدقة، مثل قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، ونظائرها مِما نطَق به القرآنُ كالفَوْقِيَّة والنَّفْس واليَدَين والسَّمع والبصر وصُعود الكلام الطيِّب إليه والضَّحِك والتَّعجب والنُّزول كلَّ ليلة إلى سماء الدُّنيا» (^٣).
وقد ذكر -﵀- أن ابن عبد البَرِّ نقل أن «أهل السُّنَّة مُجمِعون على
_________________
(١) يقصد كتابه: «شرح حديثِ النُّزول».
(٢) «مجموع رسائل وفتاوى العثيمين» (١/ ٢٠٣).
(٣) «مُختصَر الصَّواعق» (ص ٤٤٥).
[ ١٠٦ ]
الإقرار بالصِّفات الوارِدة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحَملِها على الحقيقة لا على المَجاز؛ لأنهم لا يُكيِّفون شيئًا من ذلك» (^١).
ثم قال: «وقال الخَلَّال: أخبَرني عليُّ بن عيسى أن حَنْبلًا حدَّثهم قال: سألتُ أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى أن الله -﷿- يَنزِل إلى سماء الدُّنيا، وأن الله يُرى، وأنَّ الله يضَع قدَمه … وما أشبه ذلك! فقال أبو عبد الله: نُؤمِن بها ونُصدِّق بها، ولا كَيْفَ ولا مَعنى، ولا نَرُدُّ منها شيئًا، ونَعلم أنَّ ما جاء به الرَّسُولُ حقٌّ إذا كانت بأسانيدَ صِحاحٍ».
فقول أهل السنة في الصفات مبنيٌّ على أصلين:
أحدهما: أنَّ الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسِّنَة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يُماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات» (^٢).
«وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقًا، وأما في باب الأخبار فمن السلف من يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عر وجل وجب ردُّه» (^٣).
ثم لا نخوض في كيفية اتصاف الله ﷿ بتلك الصفة.
_________________
(١) «مُختصَر الصَّواعق» (ص ٤٤٦).
(٢) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٣).
(٣) «رسالة في العقل والروح» (٢/ ٤٦، ٤٧) لابن تيمية، (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية).
[ ١٠٧ ]
فإيماننا بهذه الصفة إيمان وجود؛ فنعلم أن هذه الصفة حقيقية، وأن الله متصف بها حقيقة دون الخوض في كيفية اتصافه جل وعلا بها.
فالصفات التي ذكرها المصنف هنا هي من باب الاستدلال على جانب التأصيل لهذه المسألة، وسيأتي بعد ذلك جانب التقرير عند كلامه عن صفة العلو وعن صفة الكلام.
فإيراد المصنف هنا من باب التأصيل: أنَّ هذه الأسماء وهذه الصفات جاءت في القرآن والسنة لذا وجب الإيمان بها.
كما قال قبلُ: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسَه في كتابه، وما وصفه به رسوله مُحمد -ﷺ-، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ».
وبعد أن أورد نصوصًا من الكتاب ونصوصًا من السنة على إثبات هذه الصفات- عاد فقال: «فإنَّ الفِرقة الناجِية أهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة، يُؤمنون بما أخبَر اللهُ به في كتابه من غير تَحريفٍ ولا تَعْطيلٍ، ومن غير تَكْييف ولا تَمثيل».
فكما نعتمد القرآن أصلًا في هذا الباب (باب الأسماء والصفات)، كذلك نعتمد السنة الصحيحة أصلًا فيه؛ فنؤمن بها ونَقبلها ولا نردُّها، ولا نسعى في تعطيل نصوصها ولا تحريفها ولا الخوض في تكييفها أو تمثيلها.
فإن قيل: ما الأصل عند أهل السنة في هذا الباب؟
نقول: الأصل فيه عندهم أنهم يؤمنون بكل ما ورد في كتاب الله وفي سنة النبي -ﷺ- من أسمائه تعالى وصفاته مِنْ غير تَحريفٍ ولا تَعْطيلٍ، ومن غير تَكْييف ولا تَمثيل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وطريقة سلف الأمة وأئمتها:
[ ١٠٨ ]
أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا ردٌّ على الممثلة. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ردٌّ على المُعَطِّلَة» (^١).
فعمدتهم فيه إثباتًا ونفيًا: الكتاب والسنة.
فهم أبعد الناس عن التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل. فكل هذا أهل السنة منه بَرَاء ولو حاول مَنْ حاول أن يُنَفِّر عنهم بادعاءات باطلة؛ كقولهم: إنهم مجسمة، أو حشوية، أو مُشبهة.
قال الإمام أحمد ﵀: «لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله -ﷺ- لا نتجاوز القرآن والسنة» (^٢).
فأهل السنة لم يتجاوزوا القرآن والسنة، وما جاءوا بشيء من كِيسهم، وإنما هي نصوص وردت في القرآن والسنة، كما قال وهب للجعد بن درهم: «ويلك يا جعد، أقصر المسألة؛ إني لأظنك من الهالكين، لو لم يُخبرنا الله في كتابِه أنَّ له يدًا ما قلنا ذلك، وأنَّ له عينًا ما قلنا ذلك» (^٣).
فسلك أهل السنة في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة؛ فكل اسم أو صفة لله سبحانه وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات؛ فيجب بذلك إثباتها.
وأمَّا النفي فهو أن يُنفى عن الله ﷿ كل ما يضاد كماله من أنواع
_________________
(١) «منهاج السنة النبوية» (٨/ ٥٢٣).
(٢) «الفتوى الحموية» (ص ٦١)، دار فجر التراث.
(٣) «البداية والنهاية» لابن كثير (١٣/ ١٤٩)، وانظر: «مقالة التعطيل والجعد بن درهم» (ص ١٧٠) للشارح.
[ ١٠٩ ]
العيوب والنقائص، مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضِدِّ ذلك المنفي.
قال ابن القيم: «فله مِنْ كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده عن شائبة عيب أو نقص. فله مِنْ صفة الإدراكات: العليم الخبير، دون العاقل الفقيه. والسميع البصير، دون السامع والباصر والناظر …» (^١).
ومجمل القول أن أهل السنة يعتقدون: أن باب الصفات كباب الأسماء يجب الاعتماد فيهما على ما جاء في الكتاب وما ثبت في السنة فقط.
وأن ما اتصف الله به من الصفات لا يُماثله فيها أحد من خلقه؛ فالله ﷿ قد أخبرنا بذلك بنص كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة فيجب الإيمان بها، والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المصدق بصفات الله التي تَمَدَّح بها أو أَثنى عليه بها نبيُّه -ﷺ-: أن يكون مُعَظِّمًا لله جل وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه؛ لتكون أرض قلبه طيبة طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه؛ أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).
(٢) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ٢١، ٢٢).
[ ١١٠ ]