قال المصنف ﵀:
«وهو سبحانه قد جَمَع فيما وَصَفَ وسَمَّى به نفسَه بين: النفي والإثبات».
الشرح
أي: قد أخبرت الرسل أن لله تعالى أسماءً حسنى وصفاتٍ عُلَا وأفعالًا جليلة؛ فأثبتوا له كل كمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه كل نقص على وجه الإجمال.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فالربُّ- تعالى- مُستحقٌّ للكمال على وجهِ التَّفصيل، كما أخبرت به الرسل، فإن الله تعالى أخبر أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، وأنه عليم قدير عزيز حكيم غفور رحيم ودود مجيد، وأنه يحب المتقين والمُحسنين والصَّابرين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلَّم موسى تكليمًا، وناداه وناجاه، إلى غير ذلك مِمَّا جاء به الكتاب والسُّنَّة.
وقال في التنزيه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، فنزَّه نفسه عن النظير باسم الكفء والمثل والنِّد والسَّمِيِّ.
[ ٥٢ ]
فهذه طريقة الرسل وأتباعهم من سلف الأمة وأئمتها: إثباتٌ مفصَّلٌ، ونفيٌ مجملٌ.
إثبات الكمال على وجه التفصيل ونفي النَّقص والتَّمْثِيل مُجملًا، كما ورد ذلك في سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]، وهي تَعْدِل ثُلُث القرآن، كما ثبت ذلك في الحديث الصَّحيح.
فاسمه (الصَّمَدُ) يتضمَّنُ صفاتِ الكمالِ، كما روى الوالبيُّ عن ابن عباس -﵄-، أنه قال: «هو العليم الذي كَمُلَ في علمه، والقدير الذي كَمُلَ في قُدرته، والسيِّدُ الذي كَمُلَ في سُؤْدَدِهِ، والشريفُ الذي كَمُلَ في شَرَفِهِ، والعظيم الذي كَمُلَ في عظمته، والحليم الذي كَمُلَ في حلمه، والحكيم الذي كَمُلَ في حكمته، وهو الذي كَمُلَ في أنواع الشرف والسُّؤْدَدِ، هو الله -﷾-، هذه صفته لا تنبغي إلا له».
و(الأحد) يتضمن نفي المِثْل عنه.
والتنزيه الذي يستحقه الرَّبُّ يَجمعه نوعان:
أحدهما: نَفْيُ النَّقْصِ عنه.
الثاني: نَفْيُ مماثلة شيء من الأشياء فيما يستحقه من صفات الكمال.
فإثباتُ صفات الكمال له مع نفي مماثلة غيره له يجمعُ ذلك، كما دلت عليه هذه السورة.
وأمَّا المخالفون لهم من المشركين والصَّابِئَةِ ومَن اتَّبَعَهُمْ من الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ونحوهم، فطريقتهم: نفيٌ مفصَّلٌ، وإثباتٌ مجمَلٌ.
ينفون صفات الكمال، ويثبتون ما لا يُوجد إلا في الخيال،
[ ٥٣ ]
فيقولون: ليس بكذا ولا كذا، فمنهم من يقول: ليس له صفة ثبوتية، بل إمَّا سلبية، وإمَّا إضافية، وإمَّا مركبة منهما، كما يقوله من يقول من الصابئة والفلاسفة، كابن سينا وأمثاله، ويقول: هو وجود مطلق بشرط سلب الأمور الثبوتية عنه، ومنهم من يقول: وجود مطلق بشرط الإطلاق.
وقد قرَّروا في منطقهم ما هو معلوم في العقل الصريح: أن المطلق بشرط الإطلاق إنما وجوده في الأذهان لا في الأعيان، فلا يُتصور في الخارج حيوانٌ مطلق بشرط الإطلاق، ولا إنسانٌ مطلَق بشرط الإطلاق، ولا جسمٌ مطلق بشرط الإطلاق، فيبقى واجب الوجود ممتنع الوجود في الخارج، وهذا مع أنه تعطيلٌ وجهلٌ وكفرٌ، فهو جمعٌ بين النقيضين» (^١).
وقد أشار العلامة السّعْدي ﵀ إلى ضابط مهم في كلام شيخ الإسلام فقال: «وهذا الذي ذكره المصنف ضابطٌ نافعٌ في كيفية الإيمان بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأنه مبني على أصلين: أحدهما: النفي، وثانيهما: الإثبات.
أما النفي: فإنه ينفي عن الله ما يضاد الكمال من أنواع العيوب والنقائص، وينفي عنه أيضًا أن يكون له شريك، أو نديد، أو شبيه في شيء من صفاته، أو في حَقٍّ من حقوقه الخاصة، فكلُّ ما يُنافي صفات الكمال فإن اللهَ منزَّهٌ عنه مقدَّس.
والنَّفي مقصود لغيره، والقصد منه إثبات ما لم يرد نفي شيء منه في الكتاب والسنة عن الله إلا بقصد إثبات ضده، فنفيُ الشَّريكِ والنَّديدِ عن الله لكمال عظمته وتفرُّده بالكمال، ونفي السِّنَةِ والنَّوْمِ
_________________
(١) «منهاج السُّنَّة» (٢/ ١٨٤ - ١٨٧).
[ ٥٤ ]
والموتِ لكمال حياته.
ونفي عُزوب شيء عنه لعلمه وقدرته.
ولهذا كان التنزيه والنفي لأمور مجملة عامة.
وأمَّا الإثبات: فإنه يجمع الأمرين: إثبات المجملات كالحمد المطلق والكمال المطلق والمجد المطلق ونحوها، وإثبات المفصَّلَات كتفضيل علم الله وقدرته وحكمته ورحمته، ونحو ذلك من صفاته» (^١).
_________________
(١) «التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة» للسعدي (ص ٢٠).
[ ٥٥ ]