قال المصنف ﵀:
«والصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ على مَتْن جَهَنَّم، وهو الجِسر الذي بين الجَنَّة والنَّار يَمُرُّ النَّاسُ عليه على قَدْرِ أعمالِهم؛ فَمنهم مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ البَصر، ومنهم من يَمُرُّ كالبَرق، ومنهم من يَمُرُّ كالرِّيح، ومِنهم من يَمُرُّ كالفَرس الجَواد، ومِنهم مَنْ يَمر كَرَاكِب الإبل، ومنهم مَنْ يَعْدُو عَدْوًا، ومنهم من يمشي مَشْيًا، ومنهم مَنْ يَزحف زحفًا، ومنهم مَنْ يُخطف ويُلقى في جهنم، فإنَّ الجسر عليه كلاليبُ تَخْطِفُ النَّاس بأعمالِهم».
الشرح
الصِّراط: جِسر منصوب على مَتن جهنم بين الجَنَّة والنَّار، يَمُرُّ النَّاسُ عليه على قَدْرِ أعمالِهم.
قال السفاريني ﵀: «والصراط شرعًا: جِسر ممدود على مَتن جهنم يَرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار، وخُلِق مِنْ حين خُلِقت جهنم» (^١).
وفي قوله ﷾: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١، ٧٢]، قال الشيخ السعدي: «هذا خطابٌ لسائر الخلائق؛ بَرِّهم وفاجرهم، ومؤمنهم وكافرهم: أنَّه ما منهم مِنْ أحدٍ إلا سيرد النار حكمًا حَتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد مِنْ نفوذه، ولا محيد عن
_________________
(١) «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ١٨٩).
[ ١٩٩ ]
وقوعه» (^١).
فالناس سيردون جهنم؛ لأنَّ الصراط مَنصوب على مَتْنِها.
وتختلف أحوال الناس في المرور عليه، كما جاء عن ابن مسعود -﵁-: أن النبي -ﷺ- قال: «يَرِدُ الناس النَّارَ، ثم يَصدرون عنها بأعمالهم؛ فأولهم كلمح البَرق، ثم كالرِّيح، ثم كحُضْر الفرس (^٢)، ثم كالرَّاكب في رَحْلِه، ثم كَشَدِّ الرَّجل ثم كمَشيه» (^٣).
وقد جاء في وصفه أنه: صراطٌ دقيق جدًّا، فعن أبي سعيد الخدري -﵁- أنه قال: «بَلغني أنَّ الجسر أدق من الشعرة، وأحَدُّ من السيف» (^٤).
والصِّراط مِنْ عرصات وأهوال يوم القيامة، وأول مَنْ يجوز عليه: النبيُّ -ﷺ- وأمته؛ فعن أبي هريرة -﵁-: «… ويُضْرَبُ الصِّراط بين ظَهْري جَهَنَّم فأكونُ أنا وأُمَّتي أَوَّل مَنْ يُجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلَّا الرُّسل، ودَعوى الرُّسل يَومئذ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جهنم كلاليب مِثل شَوْك السَّعدان؛ هل رأيتم السَّعدان؟»، قالوا: نَعم يا رسول الله. قال: «فإنَّها مِثل شَوك السَّعدان غَير أنَّه لا يَعلم قَدْرَ عِظَمِها إلَّا الله -﷿-، تَخطف النَّاسَ بأعمالهم، فمَنهم المُوبق بعملِه، والمُوثق بعمله، ومنهم المُخَرْدَل والمُجَازَى» (^٥).
قال الإمامُ القرطبيُّ -﵀-: «فَتَفَكَّر الآن فيما يَحِلُّ بك من الفَزع
_________________
(١) «تفسير السعدي» (٥٨٠).
(٢) أي: جريه، وهو العَدْوُ الشَّديد.
(٣) أخرجه الترمذي (٣١٥٩)، والدارمي (٢٨٥٢)، وقال: «حديث حسن»، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٥٢٦).
(٤) أخرجه مسلم (١٨٣).
(٥) أخرجه البخاري (٧٤٣٧) ومسلم (١٨٢).
[ ٢٠٠ ]
بفؤادك إذا رأيتَ الصِّراط ودِقَّتَه، ثُمَّ وَقَعَ بصرُك على سَوَادِ جَهنم من تحته، ثم قَرَعَ سَمْعَك شَهِيقُ النارِ وتَغَيُّظُها، وقد كُلِّفْت أن تَمشي على الصِّراط مع ضَعف حالك، واضطراب قلبِك، وتَزَلزُلِ قَدَمِك، وثِقَل ظَهْرك بالأوزار المانعة لك مِنْ المَشي على بساط الأرض فضلًا عن حِدَّة الصِّراط، فكيف بك إذا وَضَعْتَ عليه إحدى رِجليك فَأَحْسَسْتَ بِحِدَّتِه، واضطررت إلى أن تَرفع القَدَم الثاني، والخلائق بين يديك يَزِلُّون ويَعثرون، وتتناولهم زبانيةُ النَّار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون فَتَسْفُل إلى جهة النار رُءوسهم، وتَعْلُو أَرْجُلُهم؛ فَيَا له مِنْ مَنظر ما أَفْظَعَه! ومُرْتَقًى ما أَصْعَبَه! ومَجاز ما أَضْيَقَه!» (^١).
ومع كل هذا فالمؤمن يمر عليه مرورًا سريعًا جدًّا.
ولذلك لا بد أن يعلم الإنسان أنه إذا أراد اجتياز الصراط إلى الجنة: أنه مطالب بمجاهدة نفسه في هذه الحياة؛ للثبات على منهج الله، وعليه النظر فيما هو مُقدم عليه من هذه الأهوال؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]؛ وإذا كان الإنسان يحتاط جدًّا في سفر الدنيا وخاصة إذا سَمِع أن فيه مشقة، وأنه قد يُصيبه العنت فيه- فماذا قَدَّم ليوم القيامة وما فيه من كربات وأهوال؟
وليحاسب نفسه هنا: لماذا هذه الغشاوة التي على عينيه، ولماذا هذه الغفلة التي في قلبه عن هذا المصير المحتوم؟! ولماذا الركون إلى الدنيا وعدم استثمار الأنفاس فيما ينفع وينجي في هذا اليوم؟!
_________________
(١) «التذكرة» (ص ٢٨٩).
[ ٢٠١ ]
فكيف يوقن العبد بهذه الحقائق ومع ذلك يفرط في جنب الله؟!
ولماذا لا يجتهد في تحصيل مرضاة الله؟!
وليعلم كل امرئ أن نفسه إن لم يشغلها بالحق شغلته بالباطل، وأن الله قد أعطاك قوة كامنة في نفسه؛ إمَّا أن يُوجهها للخير، وإما أن يوجهها للشر، ولا ينفعه يوم القيامة إلا ما قَدَّمه من أعمال صالحة في هذه الحياة صار قلبه بها سليمًا؛ كما قال الله ﷾ عن الخليل إبراهيم ﵇: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩].
فعلى حسب حال المؤمن هنا من التنافس في فعل الخيرات، والمسارعة إلى مغفرة الله- سيكون حاله في الآخرة على الصراط؛ فمن استقام على صراط الله (منهجه) في الدنيا- ثَبَّته الله على الصراط المنصوب على ظهر جهنم؛ فاللهم ثَبِّتنا وسَلِّمنا دنيا وآخرة.
[ ٢٠٢ ]