قال المصنف ﵀:
«فإذا عَبَرُوا عليه وُقفوا على قَنْطَرة بين الجَنَّة والنَّار؛ فيُقتص
لبعضِهم مِنْ بَعْضٍ؛ فإذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دُخول الجَنَّة.
وأَوَّلُ مَنْ يَستفتحُ بابَ الجَنَّة مُحَمَّدٌ -ﷺ-، وأَوَّلُ مَنْ يدخلُها من الأمم أُمَّتُه».
الشرح
إذا مَضَى المؤمنون على الصِّراط، ونَجَوْا من السُّقوط في النار- وُقفوا على قَنْطَرة بين الجَنَّة والنَّار؛ للقصاص.
قال الإمام القرطبيُّ: «ولا يَخلص منه- أي: الصراط- إلا المؤمنون الذين عَلِم اللهُ منهم أنَّ القِصاص لا يَستنفد حسناتهم حُبِسوا على صِراط آخر لهم، ولا يَرجع إلى النار من هؤلاء أحدٌ إن شاء الله؛ لأنَّهم قد عَبروا الصِّراط الأول المَضروب على مَتْنِ جهنم الذي يَسقط فيها مَنْ أَوْبَقَه ذَنْبُه، وأَرْبَى على الحَسَنات بالقِصاص جُرْمُه» (^١).
وقد دلَّ على القصاص بعد المرور على الصراط: حديث أبي سعيد الخدري -﵁-: أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: «إذا خَلص المؤمنون من النار حُبِسوا بقنطرةٍ بين الجنة النار؛ فَيَتَقَاصُّون مَظالم كانت بينهم في الدُّنيا حتى إذا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذن لهم بدخول الجَنَّة، فوالذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه لَأَحَدُهم بِمَسْكَنِه في الجنة أَدَلُّ بمنزلِه كان في الدُّنيا» (^٢).
_________________
(١) «التذكرة» (ص ٢٩٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٠).
[ ٢٠٣ ]
ومعنى قوله: «فيُقتص لبعضِهم من بعض» - كما قال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين -﵀-: أن «هذا القِصاص غير القِصاص الأَوَّل الذي في عرصات القيامة؛ لأنَّ هذا قصاصٌ أَخَصُّ لأجل أن يذهب الغِلُّ والحِقد والبغضاء التي في قلوب الناس، فيكون هذا بمنزلة التنقية والتطهير، وذلك لأنَّ ما في القلوب لا يَزول بمجرد القِصاص، فهذه القَنطرة التي بين الجنة والنار؛ لأجل تَنقية ما في القلوب حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غِلٌّ، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]» (^١).
ومعنى قوله: «هُذِّبُوا ونُقُّوا»، أي: خُلِّصُوا من الآثام بِمُقَاصَصَة بعضِها ببعضٍ.
وقوله: «أُذن لهم في دخول الجنة» يعني أنَّهم سيَجدون أبواب الجنة مُغلقة، ولن يجرؤ أحد أن يستفتح باب الجنة، إلى أن يَشفع النبي -ﷺ- في دخولها، ويدخل الجنة أمامهم؛ فيكون أول مَنْ يطلب أن تُفتح الجنة، وهذا من شفاعته الخاصَّة التي لا يُشاركه فيها مشاركٌ؛ فعن أنس -﵁-: أنَّ النبي -ﷺ- قال: «أنا أَوَّلُ النَّاس يَشفع في الجَنَّة، وأنا أكثرُ الأنبياء تَبَعًا» (^٢)، وعنه- أيضًا- أنَّ النبي -ﷺ- قال: «آتِي بابَ الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازنُ: مَنْ أنتَ؟ فأقول: مُحَمَّدٌ. فيقول: بِكَ أُمِرْتُ لا أفتحُ لأحدٍ قَبْلَكَ» (^٣).
فيكون النبي -ﷺ- أَوَّلُ مَنْ يدخلُ الجنة، وتكون أُمَّته أول مَنْ يدخلُها من الأمم؛ كما تقدم في حديث أبي هريرة -﵁-: أنَّ
_________________
(١) «شرح الواسِطيَّة» (ص ٥٢٠).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٦).
(٣) أخرجه مسلم (١٩٧).
[ ٢٠٤ ]
رسول الله -ﷺ- قال: «نَحن الآخِرُون الأَوَّلون يوم القيامة، ونحن أَوَّلُ مَنْ يدخل الجنة» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٨٦) ومسلم (٨٥٥).
[ ٢٠٥ ]