قال المصنف ﵀:
«ثُمَّ بَعدَ هَذِهِ الفتنَةِ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عذَابٌ إلى أن تقومَ السَّاعةُ الكُبرى فتُعاد الأرواحُ إلى الأجساد، وتقوم القيامةُ التي أَخْبَر اللهُ بها في كتابه، وعلى لِسانِ رسولِه، وأَجْمَع عليها المُسلمون؛ فيقوم النَّاسُ من قُبُورهم لِرَبِّ العالمين حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا وتدنو الشَّمسُ منهم فَيُلْجِمُهم العَرَقُ».
الشرح
هناك دور ثلاثة: (دنيا- برزخ- آخرة).
والعلاقة بين الروح والبدن في الدار الدنيا: أن البدن هو الأصل، والروح تبع له؛ فإذا عُذِّب أو نُعِّم البدن أحس الروح بذلك تبعًا للبدن.
وفي البرزخ، فالروح هو الأصل في النعيم والعذاب والبدن تبع له.
وأمَّا في الدار الآخرة فيكتمل الاثنان (الروح والبدن)؛ فيكون النعيم والعذاب مشتركًا بين هذا وذاك.
فلا بد من فهم العلاقة بين الروح والجسد في هذه الدور الثلاثة.
قال ابن القيم ﵀: «الله -﷾- جعل الدُّور ثَلَاثًا: دَار الدُّنْيَا، وَدَار البرزخ، وَدَار القَرار، وَجعل لكلِّ دَارٍ أحكامًا تَخْتَص بهَا، وَرَكَّب هَذَا الإنسان من بَدَنٍ وَنَفْس، وَجعل أَحْكَامَ دَار الدُّنْيَا على الأَبدَان والأرواح تبعًا لَهَا، وَلِهَذَا جَعَلَ أَحْكَامَه الشَّرْعِيَّة مُرتبَة على
[ ١٧٤ ]
مَا يَظْهر من حركات اللِّسَان والجوارح، وإن أَضْمَرت النُّفُوسُ خِلَافه، وَجعل أَحْكَامَ البَرزخ على الأَرْوَاح والأبدان تبعًا لَهَا.
فَكَمَا تبِعت الأَرْوَاحُ الأَبدَانَ فِي أَحْكَام الدُّنْيَا؛ فَتَأَلَّمَت بِأَلَمِها، والْتَذَّت بِرَاحتها، وَكَانَت هي الَّتِي باشَرَت أَسبَابَ النَّعيم وَالعَذَاب تَبِعت الأَبدَانُ الأَرْوَاحَ فِي نعيمِها وعذابها، والأرواح حِينَئِذٍ هي الَّتِي تُباشر العَذَابَ وَالنَّعِيمَ، فالأبدانُ هُنَا ظَاهِرَة والأرواح خَفِيَّة والأبدان كالقبور لَهَا، والأرواح هُنَاكَ ظَاهِرَة والأبدان خَفِيَّة فِي قُبُورها تَجري أَحْكَامُ البرزخ على الأَرْوَاح، فَتَسْرِي إِلَى أبدانِها نعيمًا أَوْ عذَابًا، كَمَا تَجري أَحْكَامُ الدُّنْيَا على الأَبدَان فَتَسْري إِلَى أرواحِها نَعيمًا أَوْ عذَابًا، فَأَحِط بِهَذَا المَوضع عِلْمًا، واعرفه كَمَا يَنبغي يُزِل عَنْك كلَّ إشكالٍ يُورد عَلَيْك من دَاخل وخارج.
وَقد أرانا اللهُ- سُبْحَانَهُ- بِلُطْفِهِ وَرَحمته وهِدايته من ذَلِك أُنموذجًا فِي الدُّنْيَا من حَال النَّائِم، فَإِنَّ مَا يُنَعَّم بِهِ أَوْ يُعَذَّب فِي نَومه يَجري على رُوحه أصلًا، وَالبدن تَبَعُ لَهُ، وَقد يَقوى حَتَّى يُؤَثِّر فِي البدن تأثيرًا مُشاهدًا، فَيَرَى النَّائِمُ فِي نَومه أَنَّه ضُرِب فَيُصْبِح وَأَثَر الضَّرْب فِي جِسْمه، وَيرى أَنه قد أكل أَوْ شَرِب فيستيقظ وَهُوَ يَجِد أَثَرَ الطَّعَام وَالشَّرَاب فِي فِيهِ، وَيذْهب عَنهُ الجُوعُ والظَّمأ.
وأعجب من ذَلِك أَنَّك ترى النَّائِم يقوم فِي نَومه وَيَضْرب ويَبطش ويُدَافع كَأَنَّهُ يقظان، وَهُوَ نَائِم لَا شُعُور لَهُ بشيء من ذَلِك، وَذَلِكَ أَنَّ الحكم لما جَرَى على الرُّوح استعانت بِالبدنِ من خَارجه، وَلَو دخلت فِيهِ لاستيقظ وأَحَسَّ، فَإِذا كَانَتْ الرُّوح تتألم وتتنعم ويَصل ذَلِك إِلَى بدنهَا بطرِيق الاستتباع، فَهَكَذَا فِي البرزخ بل أعظم، فَإِنْ تَجَرُّد الرُّوح هُنَالك أكمل وَأقوى، وهى مُتَعَلقَةٌ ببدنِها لم تَنْقَطِع
[ ١٧٥ ]
عَنهُ كلَّ الِانْقِطَاع، فَإِذا كَانَ يَوْم حشر الأجساد وَقيام النَّاس من قُبُورهم- صَار الحكمُ وَالنَّعِيم وَالعَذَاب على الأَرْوَاح والأجساد ظَاهرًا باديًا أصلًا.
وَمَتى أَعْطَيْتَ هَذَا المَوضع حَقَّه- تَبَيَّن لَك أَنَّ مَا أَخْبَر بِهِ الرَّسُولُ -ﷺ- مِنْ عَذَاب القَبْر ونَعيمه وضِيقه وسَعَته وضَمه وَكَونه حُفْرَة من حفر النَّار أَوْ رَوْضَة من رياض الجنَّة- مُطَابق لِلعَقْلِ، وَأَنه حَقٌّ لَا مِرية فِيهِ، وَأنَّ مَنْ أشكل عَلَيْهِ ذَلِك فَمِنْ سُوء فَهمه وَقِلَّة عِلمه أُتِي، كَمَا قيل:
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا … وآفتُه من الفَهم السَّقيم
وأَعْجَب مِنْ ذلك: أن تَجِد النَّائمين في فِرَاشٍ واحدٍ، وهذا رُوحُه في النَّعيم، ويَستيقظُ وأَثرُ النَّعيم على بَدنه، وهذا رُوحه في العَذَاب ويَستيقظ وأَثَرُ العَذاب على بَدَنِه، ولَيْسَ عند أحدِهما خَبَرٌ بما عند الآخَر، فَأَمْرُ البَرْزَخِ أعجبُ مِنْ ذَلك.
والله- سبحانه- جَعَلَ أَمْرَ الآخرة، وما كان مُتَّصِلًا بها غَيْبًا، وحَجَبها عن إدراك المُكَلَّفين في هذه الدَّار، وذلك من كمال حكمته، ولِيتميز المؤمنون بالغيب عن غيرهم» (^١).
المَسأَلَةُ الثانية: مَا يَكُونُ بَعدَ فِتنَةِ القبر مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ:
وهي ما أشار إليها شيخ الإسلامِ بقوله: «ثُمَّ بَعْدَ هذِهِ الفِتْنَةِ إمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ».
ويبدأ العبد يعاين مصيره من ساعة الاحتضار، كما في حديث البَراءِ بن عَازِبٍ -﵁- أنَّه قال: «كُنَّا فِي جنازة فِي بَقِيع الغَرْقَد، فَأَتَانَا النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَعَدَ وقَعَدْنا حوله، كَأَنَّ على رُءوسنا الطَّير، وَهُوَ يُلحَدُ
_________________
(١) «الروح» (ص ٦٣، ٦٤) بتصرف يسير.
[ ١٧٦ ]
لَهُ، فَقَالَ: «أعوذُ بِاللَّه من عَذَاب القَبْر»؛ ثَلَاث مَرَّات، ثمَّ قَالَ: «إنَّ العَبْدَ المُؤمن إِذا كَانَ فِي إقبالٍ من الآخِرَة وَانْقِطَاعٍ من الدُّنْيَا نزلت إِلَيْهِ مَلَائِكَة كَأَنَّ وُجُوهَهم الشَّمْسُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ البَصَر، ثمَّ يَجِيء مَلَكُ المَوْت حَتَّى يجلس عِنْد رَأسه، فَيَقُول: أَيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَة، اخرجي إِلَى مَغْفرَة من الله ورضوان، قَالَ: فَتخرج تَسِيلُ كَمَا تسيلُ القَطرة من فِيِّ السِّقاء، فيأخذها، فَإِذا أَخذهَا لم يَدَعُوها فِي يَدِه طَرْفَة عينٍ حَتَّى يأخذوها، فيَجعلوها فِي ذَلِك الكَفَنِ وَذَلِكَ الحَنُوطِ، وَيَخرج مِنْهَا كأطيب نَفْحَة مِسْكٍ وُجِدت على وَجهِ الأَرْض، قَالَ: فَيَصْعَدُون بهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بهَا- يعْني: على مَلأٍ من المَلَائِكَة- إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوح الطَّيِّب؟ فَيَقُولُونَ: فلَان ابْن فلَان، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونه فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهوا بهَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، فيَستفتحون لَهُ؛ فَيفتح لَهُ، فَيُشَيِّعه من كلِّ سَمَاء مُقَرَّبوها إِلَى السَّمَاء الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا اللهُ تَعَالَى، فَيَقُول اللهُ -﷿-: اكْتُبُوا كِتَاب عَبْدِي فِي عِلِّيين، وأَعِيدُوه إِلَى الأَرْض؛ فإني مِنْهَا خَلَقْتُهمْ، وفيهَا أُعِيدُهم، وَمنها أُخْرِجُهم تَارَة أُخْرَى. قَالَ: فَتُعاد رُوحُه فِي جسده، فيَأتيه مَلَكَان فيُجلسانه، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّك؟ فَيَقُول: رَبِّي الله. فَيَقُولُونَ لَهُ: مَا دينُك؟ فَيَقُول: ديني الإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرجلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُم؟ فَيَقُول: هُوَ رَسُولُ الله -ﷺ-. فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُك بِهَذَا؟ فَيَقُول: قَرَأتُ كِتَابَ الله؛ فآمنتُ بِهِ وصَدَّقْتُ. فيُنادي مُنَاد من السَّمَاء: أَنْ صَدَقَ عَبْدي. فَأَفْرِشُوه من الجنَّة، وافتحوا لَهُ بَابًا من الجنَّة. قَالَ: فيَأتيه من رِيحِهَا وطِيبِها، ويُفْسَح لَهُ فِي قَبرِه مَدَّ بَصَرِه. قَالَ: ويأتيه رجلٌ حَسَنُ الوَجْه، حَسَنُ الثِّيَاب، طَيِّبُ الرِّيح؛ فَيَقُول: أَبْشِر بِالَّذِي يَسُرُّك؛ هَذَا يَوْمُك الَّذِي كنت تُوعد. فَيَقُول لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُك الوَجْهُ الَّذِي
[ ١٧٧ ]
يَجِيء بِالخَيرِ! فَيَقُول: أَنا عَمَلكُ الصَّالح. فَيَقُول: رَبِّ أقِمِ السَّاعَة حَتَّى أَرْجِع إِلَى أَهلِي وَمَالِي.
قَالَ: وَإِنَّ العَبْدَ الكَافِر إِذا كَانَ فِي انْقِطَاع من الدُّنْيَا وإقبال من الآخِرَة، نَزَل إِلَيْهِ من السَّمَاء مَلَائِكَة سُود الوُجُوه مَعَهم المُسُوح؛ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ البَصَر، ثمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْت حَتَّى يَجلس عِنْد رَأسه، فَيَقُول: أَيَّتُها النَّفس الخبيثة اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ من الله وَغَضبٍ، قَالَ: فتتفرق فِي جَسده، فينتزعها كَمَا يُنتَزعُ السَّفُّود من الصُّوف المَبلول، فيأخذها، فَإِذا أَخذهَا لم يَدَعُوها فِي يَدِه طَرْفَة عَين حَتَّى يَجعلوها فِي تِلكَ المُسُوح، وَيخرج مِنْهَا كأنتنِ رِيح جِيفة وُجِدت على وَجهِ الأرض، فيَصعدون بهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بهَا على مَلأٍ من المَلَائِكَة إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرِّيحُ الخَبيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فلَان ابْن فلَان، بأقبح أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا؛ فيُستفتح لَهُ فَلَا يُفتح، ثمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله -ﷺ-: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]؛ فَيقُول اللهُ -﷿-: اكْتُبوا كِتَابَه فِي سِجِّين فِي الأَرْض السُّفْلى. فَتُطرح رُوحه طَرْحًا، ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، فتُعاد رُوحُه فِي جَسَدِه، ويأتيه مَلَكَان، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّك؟ فَيَقُول: هاه هاه، لَا أدري! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فِيكُم؟ فَيَقُول: هاه هاه، لَا أدري! فيُنادي مُنَاد من السَّمَاء: أَنْ كَذَبَ عَبدِي؛ فَأَفْرِشُوه من النَّار، وافتحوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّار؛ فيَأتيه من حَرِّهَا وسَمُومها، ويُضَيَّق عَلَيْهِ قَبرُه حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعُه، ويأتيه رجلٌ قَبِيحُ الوَجْه، قَبِيحُ الثِّيَاب، مُنْتن الرِّيح، فَيَقُول: أَبْشِر بِالَّذِي يسوؤك! هَذَا يَوْمُك الَّذِي كنت تُوعد. فَيَقُول: من أَنْتَ؟ فَوَجْهُك الوَجْهُ الَّذِي
[ ١٧٨ ]
يَجِيء بِالشَّرِّ. فَيَقُول: أَنا عَمَلُك الخَبيثُ. فَيَقُول: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ» (^١).
ولمَّا فَرَغَ المصنف -﵀- من الكلام عَلى ما يكون في البرزخ بعد الموت من فِتنةٍ ونعيمٍ أو عذابٍ، أشار إلى ما يكون في الدَّار الآخرة التي تَبدأ بالقيامة الكُبرى؛ فقال: «إلى أن تقومَ السَّاعةُ الكُبرى فتُعاد الأرواحُ إلى الأجساد، وتقوم القيامةُ التي أَخْبَر اللهُ بها في كتابه، وعلى لِسانِ رسولِه، وأَجْمَع عليها المُسلمون».
والقيامة في العَربية مَصدر قام يقوم، ودخلها التأنيثُ للمُبالغة على عادة العَرب.
واختُلف في تَسميتها بذلك على أربعة أقوال:
الأول: لوجود هذه الأمور فيها، أي: الأهوال والأمور التي تَحْدُث فيها.
الثاني: لقيام الخَلْق مِنْ قُبُورهم إليها؛ قال تَعَالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣].
الثالث: لقيام النَّاس لِرَبِّ العالمين؛ فعن ابنِ عمر -﵄- عن النَّبيِّ -ﷺ-: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، قال: «يقومُ أحدُهُم في رَشْحِه إلى نِصف أُذُنَيْه» (^٢).
الرَّابع: لِقيام الرُّوح والملائكة صفًّا؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، وأبو داود (٤٧٥٣)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٦٧٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٣١) ومسلم (٢٨٦٢).
(٣) انظر: «التذكرة» للقرطبي (ص ١٨٧).
[ ١٧٩ ]
وتعبيرُ المصنف بـ «الكبرى» هنا إشارةٌ إلى القيامة الصُّغرى؛ فإنَّ القيامةَ قيامتان: قيامةٌ صُغرى، وهي الموتُ. وقيامةٌ كبرى، وهي التي يقومُ فيها النَّاسُ مِنْ قُبُورهم لربِّ العالمين.
قال القرطبيُّ -﵀-: «قال علماؤنا: واعلم أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ مات فقد قامت قيامتُه، ولكنها قيامةٌ صُغرى وكُبرى.
فالصُّغرى: هي ما يقومُ على كل إنسانٍ في خَاصَّتِه من خروج رُوحه، وفِراق أهله، وانقطاع سَعْيه، وحُصوله على عمله؛ إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًّا فَشَرٌّ.
والقيامة الكبرى: هي التي تَعُمُّ النَّاسَ، وتأخذهم أخذةً واحدةً.
والدَّليلُ على أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يموتُ فقد قامت قيامتُه: قول النَّبي -ﷺ- لقومٍ من الأعرابِ وقد سألوه: مَتى القِيامةُ؟ فنظر إلى أحدث إنسانٍ منهم، فقال: «إِنْ يَعِشْ هذا لَم يُدركه الهَرَمُ قَامَت عليكم سَاعَتُكم» (^١)» (^٢).
ثم قال -﵀-: «فَتُعادُ الأرواحُ إلى الأجسادِ»، وذلك بعد النفخة الثانية بالصُّور، وهذه الإعادةُ غيرُ الإعادة التي كانت في البرزخ.
قال ابنُ أبي العِزِّ -﵀-: «الإيمانُ بالمَعاد مِمَّا دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّة والعَقل والفِطرة السَّليمة.
فأخبرَ اللهُ- سبحانه- في كتابه العزيز، وأَقَامَ الدَّليل عليه، ورَدَّ على مُنكريه في غالب سُور القرآن، وذلك أنَّ الأنبياء﵈- كلهم مُتَّفِقون على الإيمانِ بالله، فإنَّ الإقرارَ بالربِّ عامٌّ في بني آدم، وهو فِطري، وكُلُّهم يُقِرُّ بالربِّ إلا مَنْ عانَدَ؛ كفِرعون، بخلاف الإيمان
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٥٢) من حديث عائشة -﵂-.
(٢) «التذكرة» (ص ١٨٧، ١٨٨).
[ ١٨٠ ]
باليوم الآخر فإنَّ مُنكريه كثيرون، ومحمَّد -ﷺ- لَمَّا كان خاتم الأنبياء، وكان قد بُعِثَ هو والسَّاعة كهاتين، وكان هو الحاشر والمُقَفِّي بَيَّن تفصيل الآخرة بيانًا لا يُوجد في شيء من كتب الأنبياء، ولهذا ظَنَّ طائفةٌ مِنْ المُتفلسفة ونحوهم أنَّه لم يُفصح بمعاد الأبدان إلا مُحَمَّد -ﷺ-، وجَعلوا هذه حُجَّة لهم في أنَّه من باب التخييل والخِطاب الجُمهوري.
والقرآنُ بَيَّن مَعاد النَّفس عند الموت، ومَعادَ البدن عند القيامة الكبرى في غير مَوضع، وهؤلاء يُنكرون القيامة الكبرى، ويُنكرون معاد الأبدان، ويقول مَنْ يقول منهم: إنَّه لم يُخبر به إلا محمَّدٌ -ﷺ- عن طريق التخييل.
وهذا كذبٌ؛ فإنَّ القِيامة الكبرى هي معروفةٌ عند الأنبياء من آدم إلى نُوح إلى إبراهيم ومُوسى وعِيسى وغيرهم ﵈، وقد أخبر اللهُ بها من حين أهبط آدم؛ فقال تَعَالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٤ - ٢٥]، ولمَّا قال إبليس اللعين: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].
وأمَّا نوحٌ -﵇- فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧ - ١٨]، وقال إبراهيم -﵇-: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، إلى آخر القصة وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وأمَّا موسى -﵇- فقال الله لَمَّا ناجاه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٥ - ١٦].
[ ١٨١ ]
بل مُؤمنُ آلِ فِرعون كان يَعلم المَعاد، وإنَّما آمَنَ بموسى؛ قال تَعَالى: حكاية عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣]، إلى قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، إلى قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
وقال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وقد أخبر في قِصَّة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣].
وقد أخبرَ اللهُ أنَّه أرسلَ الرُّسل مُبَشِّرين ومُنذرين في آياتٍ مِنْ القُرآن، وأَخْبَر عن أهلِ النَّار أنَّهم إذا قال لهم خزنَتُها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].
وهذا اعترافٌ من أصناف الكفار الدَّاخلين جَهَنَّم: أنَّ الرسلَ أَنْذَرَتْهم لِقاء يومهم هذا.
فجميعُ الرُّسلِ أَنذروا بما أَنْذَر به خَاتَمُهم من عقوبات المُذنبين في الدُّنيا والآخرة، فَعَامَّةُ سُور القرآن التي فيها ذِكر الوعد والوعيد يذكر ذلك فيها في الدُّنيا والآخرة، وأَمَرَ نَبِيَّه أن يُقسم به على المعاد فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣]، الآيات، وقال تَعَالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال تَعَالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، وأخبر عن اقترابها فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]،
[ ١٨٢ ]
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١ - ٢]، إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧].
وقد ذَمَّ اللهُ المُكَذِّبين بالمَعاد فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥]، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١]، ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨]، ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، إلى أن قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩]، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩]، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨]، إلخ» (^١).
وقد دلَّ- أيضًا- على قيام السَّاعة وحَشر الناس في اليوم الآخر أدلةٌ مُستفيضة مِنْ السُّنَّة، منها: ما جاء في حديث جبريل ﵇؛ أنه سأل النبي -ﷺ- عن الإيمان، فقال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (^٢)، وفي رواية: «والبَعْث بعدَ المَوْتِ» (^٣).
_________________
(١) «شرح الطَّحاوية» (ص ٤٠٤، ٤٠٥).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة؟، ومسلم (٨) من حديث حديث ابن عمر -﵄-.
(٣) أخرجها ابن حبان في «صحيحه» (١/ ٣٨٩) (١٦٨) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٦/ ١٧٢) (٣٠٤٤٥)، وصححها الألباني في «التعليقات الحسان» (١٦٨).
[ ١٨٣ ]
وكذلك ما روي عن ابنِ عبَّاس -﵄- أنَّ رسولَ الله -ﷺ- قال: «أيُّها النَّاس، إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى الله حُفَاة عُرَاة غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثُمَّ إنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكسى يوم القيامة إبراهيمُ» (^١).
وقد أجمعَ على ذلك المُسلمون إجماعًا قطعيًّا، بل حتى أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى.
وكذلك العَقلُ يقضي بأن هناك يوم آخر للجَزَاء والحِساب، وإلا لكان إيجاد الخلائق عَبَثًا، واللهُ مُنَزَّه عن ذلك، وهذا- أيضًا- من تمام إقامة العدل بين الخلق؛ قال ابنُ القيِّم: «ولهذا كان الصَّوَابُ أنَّ المَعاد معلومٌ بالعقل مع الشَّرع، وأنَّ كمالَ الرَّبِّ تَعالى، وكمالَ أسمائه وصفاته تَقتضيه وتُوجبه، وأنَّه مُنَزَّه عَمَّا يقولُه مُنكروه، كما يُنَزَّه كمالُه عن سائر العُيوب والنَّقائص» (^٢).
ثم قال المُصَنِّف -﵀-: «فيقوم النَّاسُ مِنْ قُبُورهم لربِّ العَالمين حُفاة عُراة غُرْلًا».
والحُفاة: جَمع حَاف، وهو الذي لا يلبس نِعالًا ولا خُفًّا.
والعراة: جمع عار، وهو الذي ليس على جسده لباس، ولا شيء يستره.
والغُرْل: جمع أغرل، وهو الذي لم يُختن؛ إذ ترجع إليه الجلدة التي قطعت عند الختان.
فعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «تُحْشَرُون حُفاة عُرَاة غُرْلًا». قالت عائشة -﵂-: فقلت: يا رسول الله، الرِّجال والنِّساء
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٤٠) ومسلم (٢٨٦٠).
(٢) «الفوائد» (ص ٢٩).
[ ١٨٤ ]
يَنظر بعضهم إلى بعض! فقال: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أن يَهُمَّهم ذلك» (^١).
ثم ذكر المُصَنِّفُ بعض أهوال هذا اليوم، فقال: «وتدنو الشَّمسُ منهم فَيُلْجِمُهم العَرَقُ».
وقد صحَّ عن المِقداد بن الأسود أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله -ﷺ- يقول: «تُدنى الشَّمْسُ يوم القيامة من الخَلْقِ حَتَّى تَكون مِنهم كَمِقْدار مِيلٍ، فَيَكُون النَّاسُ على قَدْر أعمالِهم في العَرَقِ؛ فَمِنهم مَنْ يكون إلى كَعْبَيه، ومِنهم مَنْ يكون إلى رُكبتيه، ومنهم مَنْ يكون إلى حِقْوَيْه، ومِنهم مَنْ يُلجمه العَرَقُ إلجامًا» (^٢).
إلا أن هناك أناسًا يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظله، كما أخبر بذلك النَّبيُّ -ﷺ- في الحديث، وهم: «إمامٌ عادلٌ. وشَابٌّ نَشَأ في طاعة الله. ورَجُلٌ قَلْبُه مُعَلَّق بالمَساجد. ورَجُلان تَحَابَّا في الله اجتمعا عليه وتَفَرَّقا عليه. ورَجُلٌ دَعَتْه امرأةٌ ذاتُ مَنصب وجَمال فقال: إني أخافُ اللهَ. ورجل تَصَدَّق بصدقةٍ فَأَخْفاها حتى لا تَعلم شِمَالُه ما تُنفق يمينُه. ورجلٌ ذَكَر اللهَ خاليًا فَفَاضَتْ عَيْناه» (^٣).
وقد جاء في روايات أخرى تبين أنَّ الله يُظِلُّ في ظِلِّه في هذا اليوم العظيم الرهيب أصنافًا أخرى؛ منها:
ما رواه أبو هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن الله يقول يوم القيامة: «أين المُتَحَابُّون بِجَلالي، اليوم أُظِلُّهم في ظِلِّي يوم لا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٢٧) ومسلم (٢٨٥٩).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٦٤).
(٣) أخرجه البخاري (٦٨٠٦) ومسلم (١٠٣١) من حديث أبي هريرة؟.
(٤) أخرجه مسلم (٢٥٦٦).
[ ١٨٥ ]
وعن كعب بن عمرو -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ أَنْظَرَ مُعسرًا، أو وَضَع له- أَظَلَّهُ الله يوم القيامة تحت ظِلِّ عَرشه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه» (^١).
نسأل الله أن نكون من هؤلاء، وأن يسترنا في هذا اليوم الطويل الشديد الرَّهيب، وأن يُدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠٠٦) من حديث كعب بن عمرو؟.
[ ١٨٦ ]