أولى تلك المقدمات: هي ما يتعلق بشأن هذا العلم؛ علم العقيدة، فإن كثيرًا من طلبة العلم قد يدرس جزئيات هذه العقيدة دون أن يستوعب كيفية الربط بينها وبين ما يَعنيه هذا العلم؛ لذا لا بد من وضع مقدمة هنا تتعلق بأمر هذه العقيدة؛ لكي يستطيع طالب العلم أن يربط بين جزئيات المسائل وبين كلياتها.
فعلم العقيدة علم يُعنى بباطن الإنسان، فنحن إذا ما تأملنا حديث جبريل المعروف، والذي بَيَّن فيه النبي -ﷺ- أركان الإسلام وأركان الإيمان والإحسان، نرى أنَّ النبي -ﷺ- جعل أركان الإسلام هي الأمور الظاهرة، وجعل أركان الإيمان هي الأمور الباطنة، ثم ذكر الإحسان، والإحسان مجموع الأمرين؛ لأن الإحسان هو إتقان الظاهر والباطن، فإذا ما أتقن الإنسان الظاهر والباطن- فإنه بذلك
[ ٧ ]
يكون من أهل الإحسان.
فإذا قلنا: إن العقيدة أمر يُعنى بالباطن، فالسؤال الذي يفرض نفسه ما هو الباطن؟
والجواب: أن الباطن هو مجموع أمرين: أمر الفكر والنَّظر. وأمر الإرادة والعمل.
ونحن لو تأملنا في عِدَّة نصوص من كتاب الله -﷿- وسنة نبيه -ﷺ-؛ لأرشدتنا إلى مفهوم هذا الباطن؛ وذلك كقول الله -﷿- في تزكيته لنبيه -ﷺ- حيث قال: ﴿ما ضَلَّ صاحبكم وما غوى﴾؛ فقد زَكَّاه الله -﷾- في جانبين، وكذا تزكية النبي -ﷺ- للخلفاء من بعده؛ كقوله: «عَليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (^١).
قال الراغب الأصفهاني: «والرُّشد: خلاف الغَي، يستعمل استعمال الهداية؛ يقال: رَشَدَ يَرْشُدُ، ورَشِدَ يَرْشَدُ؛ قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١]، وبين الرُّشدين- أعني: الرُّشد المؤنس من اليتيم، والرُّشد الذي أوتي إبراهيم ﵇- بونٌ بعيدٌ» (^٢).
وإذا ما جمعنا بين الآية والحديث نجد أن لكل لفظ ما يقابله؛ فالرشد ضد الغواية، والهدى ضده الضلال، فإذًا أخبر الله تعالى بكمال الهدى والرشد للنبي -ﷺ-، وزكى النبي -ﷺ- الخلفاء وأخبر بأنهم راشدون مهديون.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٧٦)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والدارمي (٩٦) من العرباض بن سارية؟، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٩٣٧).
(٢) «المفردات في غريب القرآن» (ص ٣٥٤).
[ ٨ ]
والرشد مكانه العقل، ولذلك قال الله -﷾- في شأن اليتامى: ﴿فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾؛ فلا يدفع المال إلى اليتيم إلا إذا بلغ رشده، وليس ببلوغه سن التكليف، فإذا أحسن التصرف في ماله فعند ذلك يُدفع إليه، وأما إذا لم يحسن ذلك فلا يدفع إليه هذا المال حتى يرشد.
فالرشد مكانه العقل، والهدى مكانه الإرادة أو القلب بمفهومه الخاص؛ لأن القلب في الحقيقة هو الباطن، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب. والعقل يُراد به العلم، ويراد به العمل؛ فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد؛ فلا بد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ؛ فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء» (^١).
وإن كان في بعض النصوص قد يُطلق القلب ويراد به أحد الجانبين، كما في قول النبي -ﷺ-: «ألا وإنَّ في الجسد مُضغة إذا صَلَحت صَلَح الجسد كله، وإذا فَسَدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (^٢).
وقد كان من دعاء النبي -ﷺ-: «اللهم ألهمني رُشدي، وأَعِذني من شَرِّ نفسي» (^٣)؛ فدعا هنا بكمال الأمرين: بكمال الإرادة والعمل،
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٩/ ٣٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير؟.
(٣) أخرجه أحمد (٣٣/ ١٩٧) برقم (١٩٩٩٢)، والترمذي (٣٤٨٣) واللفظ له من حديث عمران بن حصين؟، وإسناده عند أحمد صحيح على شرط مسلم، كما قال محققو «المسند».
[ ٩ ]
وبكمال الفكر والنظر.
ولو تأملنا قول النبي -ﷺ-: «أصدق الأسماء: حارثٌ وهَمَّام» (^١).
فهذان الاسمان أصدق وسمٍ على الإنسان؛ لأنه في إرادة دائمة وكسب دائم؛ إمَّا إلى خير وإما إلى شر، وفي همٍّ وتفكير دائم؛ إمَّا إلى خير وإما إلى شَرٍّ؛ فهذان الاسمان أصدق وصف للإنسان.
والوحي قد جاء يخاطبك أيها الإنسان من داخلك، وهذه العقيدة جاءت لتعنى بك من داخلك، وداخلك هما هذان الأمران، ولذلك تأمل قول الله -﷾- حيث قال: ﴿إنه إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٢]، لماذا ذكر الشعراء؟ ولماذا ذكر الكُهَّان هنا؟ وما وجه هذا الذكر في باب الثناء على الوحي؟
والجواب: لتعلم أن هذا الوحي جاء يخاطبك أيها الإنسان، وليس هذا الوحي مجرد قول شاعر يتلاعب بمشاعر الإنسان وإرادته، ويحاول في بعض الأحيان أن يقلب الحق باطلًا والباطل حقًّا، فقد يُزَيِّن الزنا باسم الحب والغرام وغير ذلك، وهذا ما يفعله كثير من الشعراء، وكذلك قال: ﴿ولا بقول كاهن﴾؛ لأن الكاهن يتلاعب بالحقائق العلمية.
فإذًا نزه الله هذا الوحي عن أن يكون من هذا أو من ذاك.
وتأمل كذلك هذا النص في سورة الشعراء: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم﴾؛ فذكر الكهان، ثم قال: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾؛ فذكر الصنفين، وأعاد
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) وأحمد في «المسند» (١٩٠٣٢ (، والبخاري في «الأدب المفرد» (٨١٤ (من حديث أبي وهب الجشمي؟، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٠٤٠).
[ ١٠ ]
ذكر هذين الصنفين، والشيطان عدو الإنسان لا يدخل عليه إلا من أحد هذين البابين؛ إمَّا باب الشهوات المحرمة، وهذه تتسلط على الإرادة. وإما من باب شبهات الضلال، وهذه تتسلط على الفكر والنَّظر.
فإذًا نخلص من هذه النصوص إلى أن الباطل مجموع الأمرين: مجموع الفكر والنظر ومجموع الإرادة والعمل.
وقد لخَّص لك السلف هذه الحقائق بقولهم: «الإيمان قول وعمل».
ومعنى قولهم: «قول» أي علم وعمل؛ فعلم يجعل الإنسان يُميز بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبالتالي يعرف الإيمان؛ فيقوم به، ويعرف الكفر ليجتنبه. وعمل وهو الجانب الإرادي.
ولذلك وأنت تدرس العقيدة يجب أن تعلم أنها تقوم على مجموع الأمرين، وهذا ما تميز به منهج السلف؛ فقد اعتنى بكلا الجانبين (العلم والعمل)؛ فاعتنى بمجموع الأمرين في هذا الباطن الذي هو في الحقيقة بصلاحه يصلح أمر الإنسان كله؛ لأنه متى ما صلح الباطن صلح الظاهر، واستقامت الجوارح بناءً على استقامة هذا الباطن؛ فضلًا عن أن هذا هو المقصود بعلم العقيدة.
وهاك بعض الأمثلة كتطبيقات على ما تقدم: كيف تكون مؤمنًا بالله تعالى؟
لا تكون مؤمنًا بالله تعالى حتى تعرف الله، وهذا جانب علمي. وحتى تعبد الله، وهذا جانب عملي.
وإيمانك بالنبي -ﷺ- لا يصح حتى تصدق به، وهذا جانب علمي. وحتى تتبعه، وهذا جانب عملي.
وكذلك القرآن وهو إما أخبار وإما أوامر؛ فحق الأخبار أن
[ ١١ ]
تُصدق، وحق الأوامر أن تُتَّبع، إذًا ما جاء هذا الوحي إلا ليُصلح هذا الباطن.
فهذا هو علم العقيدة إذا درسته وتعمقت فيه فبقدر هذا التعمق يجب أن تصلح من باطنك، وإذا أصلحت هذا الباطن استقام هذا الفكر؛ فرأيت الحق حقًّا والباطل باطلًا، وعندها تستقيم عندك أمور النظر، وتستقيم بهذا الوحي الذي هو كلام الله وكلام رسوله -ﷺ-، وتستقيم كذلك باتباع الأوامر؛ فمن هنا قدمت بهذه المقدمة المختصرة.
فالجانب العلمي هو أنك عرفت الله -﷾-، ومَيَّزت بين هذا الإله الحق وبين هذه الآلهة الباطلة، وعرفت ما يستحقه -﷾- من أسماء حسنى وصفات عُلَا .. إلى غير ذلك من هذه الجوانب العلمية، وهكذا إذا درست أعمال القلوب من خوف ورجاء وتوكل وغير ذلك .. فهذه جوانب عملية، وطبعًا كلا الأمرين لا بد منه، فعندما يقول السلف: «الإيمان- أي: العقيدة- قولٌ وعملٌ»، فإنما يعنون مجموع الأمرين؛ فلا ينفع العلم وحده، ولا ينفع العمل وحده.
ونحن لا نكتفي بباب العلم بالله -﷾-، فهذا العلم لا بد أن يتبعه العمل، لذا بوب البخاري بابًا سماه: (باب العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩] فبدأ بالعلم) (^١).
فلعل في هذه المقدمة المختصرة بيان لمفهوم العقيدة وهو أن اعتقاد الأسان في باطنه بمجموع الأمرين؛ فيؤمن بجانب العلم، ويؤمن بجانب العمل.
وبالتالي دراسة هذه العقيدة تصلح هذين الجانبين، وبصلاحهما يَصلح الإنسان في جميع أحواله بإذن الله -﷾-؛ فمتى ما ازداد علمًا بها
_________________
(١) «صحيح البخاري» (١/ ٢٤، ٢٥).
[ ١٢ ]
وتعمُّقًا فيها فإنه بذلك يصلح من أمر هذا الباطن، وهذا سبب في سَدِّ منافذ الشيطان من شبهات الضلال وشهوات الحرام .. فنحن متى ما استقام فكرنا ونظرنا وعلمنا واستقامت كذلك إرادتنا صلح حالنا، ومن هنا يجب أن نُعنى بهذا الجانب أعظم العناية؛ فنأخذه من منبعه الصافي، لأننا أمناء على ما نتعلم ونعتقد وما نعمل، وسنسأل عما نعلم وعما نعمل؛ لذا يجب أن يكون ما نعلمه وما نعمله وفق ما أمر الله -﷾- به ووفق ما أمر به رسوله -ﷺ-.
فهذا مفهوم العقيدة، والعقيدة- بحمد الله تعالى- سهلة ميسرة ومحببة إلى النفس، لكن متى ما أحسن الإنسان أخذها من معينها الصافي، ومتى ما أحسن استيعابها وأخذها على الوجه الذي ينبغي، أما إذا حصل خلل من جهة المأخذ أو من جهة التطبيق؛ فهذا الخلل يعود إلى المتلقي.