هناك أوليات وأولويات للعقيدة؛ لأن النبي -ﷺ- قد قال لمعاذ عندما بعثه إلى اليمن: «فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله» (^١)، وفي رواية: «فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى» (^٢).
فينبغي أن تتأمل في ترتيب هذه الأولويات؛ كيف رتبها المصنف؟
وهذا هو ترتيب أهل السنة والجماعة؛ وكل خير في اتباع
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥٨٤) بلفظ: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب؛ فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله …»، وأخرجه البخاري (١٤٥٨) ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس -﵄-، بلفظ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم …».
(٢) أخرجه البخاري (٧٣٧١) من حديث ابن عباس -﵄-.
[ ١٣ ]
من سلف وكل شر في ابتداع مَنْ خلف؛ فأول ما يبدأون به: الإيمان بالله -﷾-، ثم بقية أركان الإيمان.
وقد يأتي وقت من الأوقات مَنْ يحاول أن يغير هذا الترتيب، وأن يقدم بعض الأمور التي جاءت في آخر العقيدة؛ فهل ننساق وراء رغباته؟ أو وراء هذا المنهج الذي قد يسلكه البعض؟
لا، بل يرجى أن يتم التمكن لهذه المسألة؛ لأننا أصحاب العقيدة، وفيها أوليات وفيها أولويات، ولسنا بحاجة إلى مَنْ يعيد لنا ترتيب هذه الأمور، فلا يأتي إنسان فيجعل من مسائل الأحكام أو مسائل الأسماء أولية، أو يجعل من مسائل الخلافة والإمامة أول هذه المسائل ويرجئ مسائل الإيمان بالله .. إلى آخر ذلك، فمثلًا إذا جاء إنسان يريد أن يحيد عن منهج أهل السنة والجماعة ومنهج أهل السلف؛ فيجب أن نعلم أن هذا هو سبيلنا؛ فأمورنا مرتبة بحمد الله تعالى.
ونحن- بحمد الله تعالى- نتميز بأمرين:
أولًا: ثبات العقيدة؛ فما كان عليه النبي -ﷺ- وما كان عليه أصحابه فنحن عليه إلى هذا اليوم، ووالله ما نرضى أن نحيد عن هذا قدر أنملة، وإن حدنا عن هذا المنهج فنحن- والله- في ضلال، والعقيدة منا براء.
ثانيًا: اتصال العقيدة؛ فعقيدتنا ليست منقطعة، ولا شك أن العقيدة التي تركها النبي -ﷺ- واستقام عليها أصحابه رضوان الله عليهم محفوظة؛ قال رسول الله -ﷺ-: «لا تزال طائفة من أُمَّتي على الحق ظاهرين» (^١)، وعندما سُئل النبي -ﷺ- عن الفرقة الناجية قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٣١١) ومسلم (١٥٦) من حديث المغيرة بن شعبة؟.
[ ١٤ ]
«مَنْ كان على مِثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (^١).
فإذا كنا على هذه العقيدة التي كان عليها النبي -ﷺ- وكان عليها أصحابه فنحن على الحق بإذن الله تعالى، وإذا حُدنا فضلالنا على أنفسنا.
فلنعلم أننا أمام عقيدة ثابتة متصلة سندها إلى النبي -ﷺ-، ولذلك تميز أهل السنة- أهل الحديث- بالإسناد. هذا ما أردتُ أن أُقَدِّم به بين يدي شرح هذه العقيدة.
أمَّا عن سبب تأليف العقيدة الواسطية؛ فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «كان سبب كتابتها: أنه قدم عليَّ من أرض واسط بعض قُضاة نواحيها- شيخ يقال له: رضي الدين الواسطي من أصحاب الشافعي -﵀- قدم علينا حاجًا، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد وفي دولة التَّتَر من غلبة الجهل، والظلم، ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته، فاستعفيت من ذلك، وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة، فخذ بعض عقائد أئمة السنة، فألحَّ في السؤال، وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت، فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٤١) من حديث عبد الله بن عمرو -﵄-، وقال: «هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه، قال الحافظ العراقي في «المغني» (٣/ ٢٨٤): «أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه، ولأبي داود من حديث معاوية وابن ماجه من حديث أنس وعوف بن مالك: «وهي الجماعة»، وأسانيدها جياد، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٣٢٢٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢/ ١٦٤).
[ ١٥ ]