قال المصنف ﵀:
«ومن أصولِ أَهْلِ السُّنَّة والجَمَاعَة: أنَّ الدين والإيمانَ قولٌ وعملٌ؛ قولُ القلبِ واللسانِ، وعملُ القَلْبِ واللِّسانِ والجوارحِ، وأن الإيمانَ يزيدُ بالطَّاعةِ، وينقصُ بِالمَعْصِيَةِ.
وهُمْ مَعَ ذلك لا يُكَفِّرُونَ أهل القِبْلَةِ بمطلق المعاصي والكَبَائِر، كما يفعله الخَوَارِج.
بل الأُخُوَّةُ الإيمانيَّةُ ثابتةٌ مع المعاصي، كما قال﷾- في آية القِصَاصِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال تَعَالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠].
ولا يَسْلِبُونَ الفَاسِقَ المِلِّيَّ الإِسْلَامَ بالكُلِّيَّةِ، ولا يُخَلِّدُونَهُ في النَّارِ كما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ.
بل الفاسقُ يَدخل في اسم الإيمانِ، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
وقد لا يدخل في اسمِ الإيمانِ المُطْلَق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
وقوله -ﷺ-: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا يسرقُ السَّارِقُ حين يَسْرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حين يَشْرَبُهَا وهو
[ ٢٢٩ ]
مؤمنٌ، ولا يَنْتَهِب نُهْبَةً ذات شَرَفٍ يرفع النَّاسُ إليه فيها أبصارَهم حين يَنْتَهِبُهَا وهو مؤمنٌ».
ونقول: هو مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ، أو مؤمنٌ بإيمانِه، فاسقٌ بكبيرتِه، فلا يُعطى الاسمَ المطلقَ، ولا يُسلَب مطلقَ الاسْم».
الشرح
بعد أن بَيَّن المصنف ﵀ ما يتعلق بأركان الإيمان- شرع هنا في بيان ما يتعلق بما يُسَمِّيه العلماءُ بابَ (الأسماء والأحكام).
تنبيه:
قد رتَّب العلماءُ مسائل الاعتقاد على حسب أولويتها عند أهل السنة؛ لذا ينبغي مراعاة هذا الترتيب؛ فمثلًا جعل شيخ الإسلام في هذه العقيدة بابَ (الأسماء والأحكام) متأخرًا عما يتعلق ببيان أركان الإيمان، وهذا ما جرى عليه العلماءُ.
ولكنَّ بعض أهل الباطل يريدون أن يخالفوا هذا الترتيب؛ فيقدموا ما يتعلق بباب (الأسماء والأحكام) على ما يتعلق ببيان أركان الإيمان، بما في ذلك الإيمان بالله؛ وهذا يُؤدي إلى أن يسارع المبتدئون إلى الخوض في مسائل (الأسماء والأحكام) دون أن يدرسوا ابتداء مسائل الاعتقاد الأساسية، وهذا من تلاعب أصحاب المناهج المخالفة المُتَّبعين لأهوائهم، وقد أدى بهم هذا إلى الانحراف في الفهم، وسوء التصور للمسائل، وإطلاق التكفير بدون ضوابط.
معنى الأسماء والأحكام:
الأسماء أي: ما يتعلق باسم الإيمان أو اسم الكفر، أو اسم الشرك أو اسم النفاق، ونحو ذلك.
[ ٢٣٠ ]
وأمَّا الأحكام فهي المُترتبة على دخول العبد في هذه الأسماء، وما يترتب على خروجه منها.
قال المصنف ﵀: «ومن أصولِ أَهْلِ السُّنَّة والجَمَاعَة: أنَّ الدين والإيمانَ قولٌ وعملٌ؛ قولُ القلبِ واللسانِ، وعملُ القَلْبِ واللِّسانِ والجوارحِ، وأن الإيمانَ يزيدُ بالطَّاعةِ، وينقصُ بِالمَعْصِيَةِ».
مِنْ المعلوم: أنَّ أهل السنة يرون أن الإيمان قول وعمل؛ قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل اللسان، وعمل الجوارح، ويريدون بقول القلب: التصديق الذي هو العلم.
والعقيدة يُراد بها الباطن، والباطن في أصله هو مجموع الأمرين؛ أي: مجموع الفِكر والنَّظر الذي يكون في العقل، ومجموع الإرادة والعمل الذي يكون في الصَّدر، فلا بد للقلب من واجبين هما: (جانب العلم، وجانب العمل)، ففي باب الإيمان لا بد من العلم بالله، وهذا قول القلب. ولا بد من عمل القلب الذي هو (الإقرار والانقياد)، ومن ذلك: الحُب والرَّجاء والخوف والتقوى والإنابة …
وكالإيمان بكتاب الله؛ فهو إمَّا أخبار وإما أوامر، فالأخبار حقُّها التصديق، والأوامر حقُّها العمل.
وعليه لكي نكون مؤمنين بالله: أن نكون مُصَدِّقين أوَّلًا بما أخبر، ثم مُتَّبعين لما أَمَرَ ﷾.
ونجمع بين قول القلب الذي هو العِلم، وقول اللسان الذي هو النُّطق بالشهادتين.
وقد تعارف العلماء على أن المقصود بقول اللسان: هو النطق بالشَّهادتين، كما قال رسولنا -ﷺ-: «أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمَن قال: لا إله إلا الله، فقد عَصم مِنِّي
[ ٢٣١ ]
نفسَه ومالَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله» (^١).
وعمل القلب: هو الأعمال القلبية التي مجموعها (الإقرار والانقياد)، ومن ذلك الحب والخوف والرجاء والإنابة والتقوى …
وعمل اللسان: الطاعات اللسانية من ذِكر الله وقراءة القرآن والدعوة إلى الله ونحو ذلك.
وعمل الجوارح: هو المعلوم من أركان الإسلام من صلاة وصيام وحج وسائر الطاعات التي تكون متعلقة بالبدن.
ثم أهل السنة يَرون أن الإيمانَ يَزيد وينقص؛ فقد قال -ﷺ-: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعون- أو بِضع وستون- شُعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان» (^٢).
فعلى هذا فإن كلَّ الطاعات تُسَمَّى إيمانًا؛ فالصلاة تسمى إيمانًا؛ فعن البراء -﵁-: «أنَّ رسول الله -ﷺ- صَلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يُعجبه أن تكون قِبلته قِبَلَ البيت، وأنَّه صَلَّى، أو صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجلٌ ممن كان صلى معه فمَرَّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله، لقد صَلَّيْتُ مع النبي -ﷺ- قِبَلَ مَكَّة؛ فَدَاروا كما هُمْ قِبَلَ البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوَّل قِبَلَ البيت رجالٌ قُتِلوا، لَم نَدْرِ ما نقول فيهم؛ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٤٦) ومسلم (٢١) من حديث أبي هريرة؟.
(٢) أخرجه مسلم (٣٥) من حديث أبي هريرة؟.
(٣) أخرجه البخاري (٤٤٨٦).
[ ٢٣٢ ]
قال الإمام مالك ﵀: «أهل الذنوب مُؤمنون مُذنبون وقد سَمَّى الله تعالى العمل إيمانًا، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يريد صلاتَكم إلى بيت المقدس» (^١).
والوضوء يسمى إيمانًا؛ ففي الحديث: «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمان» (^٢)، أي: نصف الإيمان؛ لأنه نصف الصلاة.
وهكذا، فكل الطاعات تسمى إيمانًا.
والإيمانُ شُعَبٌ، كما سبق في الحديث، ومِن شُعب الإيمان ما لو زالت لزال الإيمان؛ فمثلًا (لا إله إلا الله) لو زالت لزال إيمان العبد.
وهناك شُعبة لو زالت لما زال الإيمان؛ كإماطة الأذى، فإن لم يفعل العبد ذلك ما زال إيمانُه، ولكن قد يكون هذا نقصًا في الإيمان، فعلى هذا قال -ﷺ-: «أدناها»، و«أعلاها»، فهي شُعَبٌ متفاوتة، وبقدر التزام العبد بتلك الطاعات يكون ذلك سببًا في زيادة إيمانه، والعكس بالعكس.
وفي المُقابل فالكفر شُعَبٌ، وكل المعاصي تسمى كفرًا، وإن كان هناك كفر دون كفر، إلا أن كل معصية فهي شُعبة من شعب الكفر.
فأهل السنة يَفترقون عن غيرهم بمسائل مهمة؛ ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ومن الأدلة على زيادة الإيمان: قوله ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
_________________
(١) «موطأ مالك» (١/ ٢٥٥ - الأعظمي).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٣).
[ ٢٣٣ ]
ومن الأدلة على نُقصان الإيمان: عن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: «خرج رسول الله -ﷺ- في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: «يا معشر النساء تَصَدَّقن؛ فإني أُريتكن أكثر أهل النار». فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تُكثرن اللعن، وتَكفرن العَشير، ما رأيتُ مِنْ ناقصات عقل ودين أذهبَ لِلُبِّ الرجل الحازم مِنْ إحداكن»، قلن: وما نُقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أَليس شهادة المرأة مِثل نِصف شهادة الرجل». قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟». قلن: بلى، قال: «فذلك مِنْ نقصان دينها» (^١).
فبَيَّن النبيُّ -ﷺ- أن النقصان يقع في الدين (الإيمان)، كما يقع في العقل.
ثم أهلُ السنة يستثنون في الإيمان؛ لأن الإيمان هو فِعل كل الواجبات ولا يَدَّعي إنسان أنه قد فعل كلَّ الواجبات، فلا يُزَكِّي نفسه، فيصح إذًا الاستثناء في الإيمان لا على سبيل الشك، وإنما على سبيل عدم تزكية النفس، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
وكذلك يَرى أهلُ السنة أن العبد قد يجتمع فيه إيمان وكفر، وقد يجتمع فيه إيمان ونفاق، وإن كان هناك كفر دون كفر ونفاق دون نفاق.
فتجد الرجل يصلي ويصوم وقد يكذب ويسرق، فهذا إن دلَّ فإنما يدل على أنه قد يجتمع فيه الإيمان وشُعبة من شُعَب الكفر؛ لذا تراه على جملة من الطاعات وكذلك يكون متلبسًا بجملة من المعاصي، فيجتمع فيه الإيمان والكفر غير المخرج من الملة (أي:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٤) واللفظ له، وأخرجه مسلم (٧٩) من حديث ابن عمر -﵄-.
[ ٢٣٤ ]
كفر دون كفر).
ولذلك كان الصَّحابة يخشون على أنفسهم النفاق؛ فعمر -﵁- يسأل حذيفة -﵁- وهو أمين سِرِّ رسول الله -ﷺ-: «أَنْشُدُكَ اللهَ، هل سَمَّانِي لك رَسُولُ اللهِ. يعني في المنافقين! فيقول: لا، ولا أزَكِّي بعدك أحدًا» (^١).
فالنفاق على نوعين: أكبر وأصغر.
فالأكبر: هو الكفر التام الذي يُبطنه صاحبه.
والأصغر بأن يكون في قلب صاحبه مادة إيمان ومادة كفر؛ وعلى حسب قُربه من أحدهما يُختم له به؛ نسأل الله العافية من الكفر والنفاق، ونسأله الوفاة على الإيمان!
ومسائل الأسماء والأحكام من أعظم المسائل وأخطرها على الإطلاق، لأنَّ أول فُرقة وفِتنة وقعت في هذه الأمة كانت بسبب سوء الفهم لهذه المسألة، فكفَّر الخوارجُ عليًّا ومعاوية -﵁- ما، ثم حَكموا بكفر الحَكَمَين بعد التحكيم في دُومة الجندل، حتى وصل الأمر بهم إلى تكفير جُلِّ الصحابة، ثم صار الروافض على هذا النهج؛ فكَفَّروا كلَّ الصحابة إلا نَذر يسير، لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وقالوا بِرِدَّة الصحابة بعد الرسول -ﷺ-؛ لأنهم لم يقولوا بوصية عليٍّ، أي: أحقيته في الخلافة بعد رسول الله -ﷺ-.
وهكذا جاء القدرية والمعتزلة فسَلَبوا عن أصحاب الكبائر مُسَمَّى الإيمان، وقالوا: إنهم في منزلة بين المنزلتين، وحَكموا عليهم في الآخرة- كما حكم الخوارج- بالخلود في النار.
_________________
(١) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (٧/ ٤٨١)، والخَلَّال في «السُّنَّة» (١٣١٤).
[ ٢٣٥ ]
ولم تَزل هذه الأفكار تنتقل مِنْ قائل إلى قائل حتى وصلت إلى عصرنا الحاضر، وإن كانت تَحمل أسماء متعددة لكن تبقى هي بعينها؛ فترى وتسمع من يكفر المجتمعات المسلمة، ويقول: إنها مجتمعات جاهلية وكافرة، ويُرَتِّب على ذلك تكفير الحاكم والحكومات، بل وتكفير مَنْ يتبع الدولة مِنْ موظفين عَسكريين ومَدنيين، بل وكَفَّروا العلماء، حتى وصل الأمر بهم إلى تكفير عامَّة الناس، واستحلوا دماءهم وأعراضهم.
فأطلقوا تكفيرهم في المجتمعات المسلمة، واستعملوا ضدهم السلاح.
وهذا ليس من قول أهل السنة في شيء، وإنما هو ميراث أولئك الروافض والخوارج والمعتزلة.
وأمَّا أهل السنة فإن شيخ الإسلام- مثلًا- قال في هذه العقيدة: «وهُمْ مَعَ ذلك لا يُكَفِّرُونَ أهل القِبْلَةِ بمطلق المعاصي والكَبَائِر».
وقوله: «أهل القبلة» يَشمل الأمة بمجموعها، وإن كان فيها مَنْ هو على فكر مُخالف؛ لذلك لما سئل علي -﵁- عن الخوارج: «أمشركون هم؟ قال: مِنْ الشرك فَرُّوا. فقالوا: أفمنافقون؟ قال: إنَّ المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا- أي: هؤلاء يذكرون الله كثيرًا- قيل: فما هم يا أمير ألمؤمنين؟ قال: إخواننا بَغَوْا علينا؛ فقاتلناهم ببغيهم علينا!» (^١).
وذكر الحسن أنه قال عنهم: «قوم أصابتهم فتنة؛ فعَموا فيها وصَمُّوا» (^٢).
_________________
(١) «البداية والنهاية» (٧/ ٣٠٠).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٠/ ١٥٠) برقم (١٨٦٥٦).
[ ٢٣٦ ]
ولقد وضع أمير المؤمنين عليٌّ -﵁- منهجًا قويمًا في التعامل مع هذه الطائفة، تَمثل هذا المنهج في قوله -﵁- للخوارج: «… إلَّا أنَّ لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا: لن نَمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئًا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نُقاتلكم حتى تُقاتلوا» (^١).
وقد التزم لهم أمير المؤمنين علي -﵁- إلى أن قتلوا عبد الله بن خَبَّاب بن الأَرَت، وبقروا بطن جاريته؛ فطالبهم -﵁- بِقَتَلَته فَأَبَوْا، وقالوا: كلنا قَتَله، وكُلُّنا مُستحل دماكم ودماءهم، فسَلَّ عليهم -﵁- سيفَ الحق حتى أبادهم في وقعة النهروان (^٢).
ومن منهجه -﵁- في التعامل مع الخوارج حال بقائهم في جماعة المسلمين: مُحاورتهم لإزالة الشبهات التي لديهم؛ فقد أرسل إليهم عبد الله بن عباس فحاورهم، وحاورهم هو بنفسه فرجع منهم جَمٌّ غفير.
وبعد قتال أمير المؤمنين عليٍّ -﵁- للخوارج- حرص على تحذير الناس من مسلكهم، حتى إنه لما انتهى من النهروان جعل يَمشي بين القتلى ويقول: «بُؤسًا لكم! لقد ضَرَّكم مَنْ غَرَّكم! فقال أصحابه: يا أمير المؤمنين ومَن غَرَّهم؟ قال: الشيطانُ وأنفسٌ بالسُّوء أَمَّارة غَرَّتهم بالأماني، وزَيَّنت لهم المعاصي، ونَبَّأتهم أنهم ظاهرون» (^٣).
وأمر إنزال الأحكام على الأنام مِنْ أخطر ما يكون؛ إذ هما حق لله ولرسوله -ﷺ-، يقول شيخ الإسلام ﵀: «فإنَّ الإيجاب والتحريم والثواب والعقاب والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله؛ ليس لأحد
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٧/ ٥٦٢) برقم (٥٦٢).
(٢) انظر: «البداية والنهاية» (١٠/ ٥٨٤).
(٣) انظر: «البداية والنهاية» (٧/ ٢٨٨).
[ ٢٣٧ ]
في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه اللهُ ورسولُه؛ وتحريم ما حَرَّمه الله ورسوله، وتصديق ما أخبر الله به ورسوله» (^١).
وفي عصرنا الحاضر غَرَّ هؤلاء- أيضًا- مَنْ غَرَّهم بهذا الفكر المنحرف الفاسد الذي ما قاله أهل السنة، وهم يريدون أن يصوروه للناس على أنه منهج السلف، وأنهم سلفية، وأهل السنة والسلفية من ذلك براء.
وكتب أهل السنة موجودة بحمد الله، وفيها أنهم لا يُكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما تفعله الجوارج.
وفاعل الكبيرة وإن وقع فيما يسمى كفرًا إلا أنه كفر دون كفر، وهو كفر عملي أصغر لا يُخرج من الملة.
فقتال المسلم وإن وصفه النبي -ﷺ- بالكفر في قوله: «سِباب المُسلم فُسوق، وقِتاله كفرٌ» (^٢)، إلا أن المراد به: الكفر الأ صغر الذي لا يُخرج من الملة؛ لأ ن الله﷿- قد أثبت أُخوَّة الإ يمان للمؤمنين حال اقتتالهم ونِزاعهم؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠]، وكذلك أثبت أخوة الإيمان لمن قتل أخاه المسلم فقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨].
ثم قال: «ولا يَسْلِبُونَ الفَاسِقَ المِلِّيَّ الإِسْلَامَ بالكُلِّيَّةِ، ولا
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٥٤، ٥٥٥).
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٨) ومسلم (٦٤) من حديث عبد الله بن مسعود؟.
[ ٢٣٨ ]
يُخَلِّدُونَهُ في النَّارِ كما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ».
فأهل السنة لا يَسلبون الإيمان من الفاسق من أهل ملة الإسلام، ولا يقولون بخلوده في النار، وإنما يُبقون عليه اسم الإيمان، وإن كان ليس كامل الإيمان، بل هو مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته.
هذا؛ لأن الدِّين ثلاث دوائر: (الإسلام والإيمان والإحسان).
فأوسع الدوائر الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، فليس كل مسلم مُحسن، ولكن كل مُحسن مسلم.
ولا نستطيع أن نُخرج الإنسان من الإسلام بعد أن نطق بالشهادتين إلا بموجب ذلك يقينًا، وهو ما يُسَمَّى بأحكام الرِّدة والمرتد، ولها ضوابط معلومة عند أهل العلم.
ولبيان خطورة التكفير بتسرُّع ودون بينة- قال -ﷺ-: «أيُّما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدُهما، إن كان كما قال، وإلا رجعَت عليه» (^١)، وقال -ﷺ-: «… ولعن المؤمن كقتلِه، ومَن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله» (^٢).
ولذلك قال أبو بكرة -﵁-: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قلت: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه» (^٣)؛ فعاقبه على نِيَّته.
فما بالنا بمَن يُكَفِّرون المجتمع بأسره، ويقتلون الصغير
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١٠٤) ومسلم (٦٠) واللفظ له، من حديث عبد الله بن عمر -﵄-.
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٤٧) ومسلم (١١٠) من حديث ثابت بن الضحاك؟.
(٣) أخرجه البخاري (٦٨٧٥) ومسلم (٢٨٨٨).
[ ٢٣٩ ]
والكبير، ولا يُراعون حرمة لطفل ولا لامرأة، وقد يُحدثون التفجير في بيوت الله.
وهذا من أوضح الأمور على بُعدهم عن الحق.
وذلك أنهم اتَّبعوا أهواءهم، وتركوا التَّعَلُّم، واتخذوا رءوسًا جهالًا لهم؛ فسألوهم؛ فأفتوهم بغير علم؛ فضلوا وأضلوا.
وقد عَمل هؤلاء على إسقاط كل العلماء، وهذا كفعل أسلافهم قديمًا، وتأمل قصة مناظرة ابن عباس -﵁- ما للخوارج حيث جاءهم في أحسن ما يكون من حُلَل اليمن، فعابوا عليه لبسه هذه الحُلَّة، فقال لهم: ما تَعِيبون عليَّ؟! لقد رأيت على رسول الله -ﷺ- أحسنَ ما يكون من الحُلَل، ونزلت: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
وقال لهم: أتيتُكم من عند أصحاب النبي -ﷺ-؛ المهاجرين والأنصار، ومِن عند ابن عمِّ النبي -ﷺ- وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأوِيله منكم، وليس فيكم منهم أحدٌ؛ لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون.
فناظرهم، فرجع منهم عشرون ألفًا، وبقي منهم أربعة آلاف؛ فقُتِلُوا على ضلالتهم؛ قتَلَهم المهاجرون والأنصار (^١).
فالطعن في العلماء معروف عند هؤلاء قديمًا أيضًا، كما قال عبد الله بن سلمة الحضرمي: «سمعتُ عمرو بن عبيد يقول: لو شهد عندي عليٌّ، وطلحة، والزبير، وعثمان، على شِراك نَعل، ما أجزتُ
_________________
(١) أخرجه النسائي في «الكبرى» (٨٥٢٢) بنحوه، وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٦٤)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، ووافَقَه الذهبي، وصحَّحه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٣٩ - ٢٤١).
[ ٢٤٠ ]
شهادتهم» (^١).
وانظر إلى هذه الجرأة والوقاحة؛ قال معاذ العنبري: سمعت عمرو بنَ عبيد يقول- وذكر حديث الصادق المصدوق-: «لو سمعتُ الأعمش يقول هذا لكذَّبْتُه، ولو سمعت زيدَ بن وهب يقول هذا ما أجبتُه، ولو سمعتُ عبد الله بنَ مسعود يقول هذا ما قَبِلْتُه، ولو سمعت رسولَ الله ﵌ يقول هذا لرددتُه، ولو سمعتُ الله تعالى يقول هذا لقلتُ له: ليس على هذا أخذت ميثاقَنا» (^٢).
على أنه ليس مقصود هؤلاء في هذا العصر الحاضر إسقاط شخص العالِم؛ لأنهم ما تركوا عالمًا، وإنما المقصود إبعاد الشباب عن العلماء؛ حتى يستطيعوا أن يُسمموا أفكار الشباب، وإلا فما الذي نقموه على العلماء الذين هم بين الناس في المساجد والطرقات والأسواق؟
وما الذي نقموه على كبار العلماء مثل الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين؟!
فعلى الشباب أن يلزموا غرز العلماء؛ لأنهم ورثة الأنبياء، وقد أمر الله الأمة بالرجوع إليهم في النوازل فقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وأمر بسؤالهم عند الجهل فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
فالعالِم قد أفنى زهرة عمره في الطلب والتحصيل، وهو حريص على تبليغ العلم وهداية الخلق، وفي يده مفاتيح العلوم ولن يُحرم
_________________
(١) «ميزان الاعتدال» للذهبي (٣/ ٢٧٥).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٢/ ١٧٠) للخطيب البغدادي، و«ميزان الاعتدال» (٣/ ٢٧٨) للذهبي.
[ ٢٤١ ]
الطالب من الفوائد إذا جلس بين يديه.
وهذه مكانته التي بَوَّأه الله إيَّاها، ودرجته التي رفعه الله إليها؛ قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
[ ٢٤٢ ]