قال المصنف ﵀:
«ثم رسلُه صادقون مصدَّقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون؛ ولهذا قال ﷾: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]؛ فَسَبَّح نفسَه عمَّا وصفه به المُخَالِفون للرسُّل، وسَلَّم على المُرسلين؛ لسلامة ما قالوه من النَّقْص والعَيب».
الشرح
اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بعث الرسل به مُعَرِّفين، وإليه داعين، وجعل معرفته- سبحانه- بأسمائه وصفاته وأفعاله هي مفتاح دعوتهم وزُبدة رسالتهم؛ فأساس دعوة الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم- والأصل الأول فيها: معرفة الله- سبحانه- بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما:
الأصل الأول: تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: «شريعته المتضمنة لأمره ونهيه».
الأصل الثاني: تعريفهم مآلهم في الآخرة.
وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مَبنيان عليه؛ فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق المُوصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه.
وأساس العلم الصَّحيح هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، وعليه يقوم الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، وتَنبني مطالب
[ ٤٨ ]
الرسالة جميعها، فهذا التوحيد هو أساس الهداية والإيمان، وهو أصل الدِّين الذي يقوم عليه، ولذلك فإنه لا يُتصور إيمان صحيح ممن لا يعرف ربَّه، فهذا العلم لازم لانعقاد أصل الإيمان، وهو مهم جدًّا للمؤمن لشدة حاجته إليه؛ لسلامة قلبه وصلاح معتقده واستقامة عمله.
فهذا العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله يُوجب للعبد التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك والإقرار والتعطيل، وتنزيه الرب عما لا يليق به ووصفه بما هو أهله من الجلال والإكرام.
وذلك يتمُّ عن طريق تدبر كلام الله تعالى وما تعَرَّف به- سبحانه- إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله؛ لذا سَبَّح نفسَه عمَّا وصفه به المُخَالِفون للرُّسل، وسَلَّم على المُرسلين؛ لسلامة ما قالوه من النَّقْص والعَيب؛ فقال جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]؛
«والعلم بالله يُراد به في الأصل نوعان:
أحدهما: العلم به نفسه، أي بما هو متصف به من نعوت الجلال والإكرام وما دلت عليه أسماؤه الحسنى.
وهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فإنه لابد أن يَعلم أن الله يُثيب على طاعته، ويُعاقب على معصيته.
والنوع الثاني: يُراد بالعلم بالله: العلم بالأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي والحلال والحرام» (^١).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٣) بتصرف بسير.
[ ٤٩ ]
وقول المصنف: «ثم رُسُلُه صَادقون مُصَدَّقون» عطفٌ على قوله: «فإنَّه أَعْلَمُ بنفسِه …»؛ وذلك لأن رسلَ الله صادقون فيما بَلَّغوه عنه؛ لأنَّهم بَلَّغوا ما عَلَّمهم الله إيَّاه وما أمرهم بتبليغه؛ وحاشاهم من الكذب؛ فهم اختيار الله؛ قال جل وعلا: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقد صدَّقهم﷾- وأيدهم بالمعجزات الدَّالة على صدقهم.
لذا يجب على الناس تصديقُهم، ومَن كَذَّبَهم أو كَذَّبَ واحدًا منهم فهو مُكَذِّبٌ بهم جميعًا، كافرٌ بِمَنْ أرسلهم؛ قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١]، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠].
وأمَّا قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ فقد قال الحافظُ ابنُ كثير -﵀- في تفسيرها: «يُنزِّه تعالى نفسَه ويُقَدِّسها ويبرِّئها عما يقوله الظَّالمون المُكَذِّبون المعتدون؛ تعالى وتَنَزَّه وتقدَّس عن قَولهم علوًّا كبيرًا؛ ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: ذي العزَّة التي لا تُرَامُ. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عن قول هؤلاء المُعتدين المُفترين. ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة؛ لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقِّيَّتِه، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال.
ولما كان التَّسبيح يَتَضَمَّن التنزيه والتبرئة من النَّقص بدلالة المطابقة ويستلزم إثبات الكمال، كما أنَّ الحمد يدلُّ على إثبات صفات الكمال مطابقة ويستلزم التنزيه من النقص قُرن بينهما في هذا
[ ٥٠ ]
الموضع، وفي مواضع كثيرة من القرآن» (^١).
وقد بَيَّن المُصَنِّف -﵀- معنى تسبيح الله تعالى، وذكر أنَّ «تسبيح الرَّبِّ نفسَه يتضمن تنزيهَه وتعظيمَه جميعًا، فقول العبد: «سبحان الله» يتضمن تنزيهَ الله وبراءته من السوء» (^٢).
والمُخالفون للرُّسل هم الذين حَرَّفوا أو عَطَّلوا أو كَيَّفوا أو مَثَّلُوا صفات الخالق جلَّ وعلا بالمخلوق؛ لأن الرسل ﵈ ما جاءوا بشيء من هذا.
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٤٦).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١٤٤).
[ ٥١ ]