قال المصنف ﵀:
«فلا عُدُولَ لأَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة عما جاء به المرسلون؛ فإنه الصِّراطُ المستقيمُ؛ صراطُ الذين أَنْعَمَ اللهُ عَليهم من النَّبيين والصِّديقين والشُّهداء والصَّالحين».
الشرح
أي: لا ميل لأهل السنة ولا انحراف عما جاءت به الرسل من الإيمان، بل هم مُقْتَفُونَ آثارهم، مُسْتَضِيئُونَ بأنوارهم، ومن ذلك إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما لا يليق به؛ فإن الرسل قد قرَّرُوا ذلك الأصل العظيم، وأما أعداء الرسل فإنهم قد عدلوا عن ذلك.
وقوله: «فإنه الصراط المستقيم» تعليلٌ لقوله: «فلا عدول لأَهْل السُّنَّة» أي: لأن ما جاء به المرسلون هو الصراط المستقيم، والصراط المستقيم هو الطريق المعتدل الذي لا تعدُّد فيه ولا انقسام، وهو المذكور في قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وهو الذي ندعو الله في كل ركعة من صلواتنا أن يهدينا إليه (^١).
ولا يُوَفَّق لهذا الصِّراط المستقيم ولا يَثبت عليه إلا مَنْ أطاع الله ورسوله؛ قال الله -﷾- في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ
_________________
(١) انظر: «شرح الواسطية» للفوزان (ص ٢٢).
[ ٥٦ ]
أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
قال العلامة السِّعْدي -﵀-: «﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، أي: النعمة العظيمة التي تقتضي الكمال والفلاح والسعادة. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الذين فضَّلهم اللهُ بوحيه، واختصهم بتفضيلهم بإرسالهم إلى الخلق ودعوتهم إلى الله تعالى. ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾، وهم: الذين كَمُلَ تصديقهم بما جاءت به الرسل، فعلموا الحق، وصدَّقوه بيقينهم، وبالقيام به قولًا وعملًا وحالًا ودعوة إلى الله. ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فَقُتِلُوا. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ الذين صَلُحَ ظاهرُهم وباطنُهم، فصلحت أعمالهم، فكل مَنْ أطاع الله تعالى كان مع هؤلاء في صحبته. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ بالاجتماع بهم في جنَّات النعيم والأُنْس بقربهم في جِوَار ربِّ العَالمين.
﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ﴾ الذي نالوه ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ فهو الذي وَفَّقهم لذلك، وأعانهم عليه، وأعطاهم من الثواب ما لا تبلغه أعمالهم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ يعلم أحوال عباده ومَن يستحق منهم الثواب الجزيل، بما قام به من الأعمال الصالحة التي تَواطأ عليها القلبُ والجوارحُ» (^١).
فأَهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ هداهم الله لمعرفة هذا الطريق الذي هو الصِّراطُ المستقيمُ صراطُ الذين أنعم الله عليهم، ووفَّقَهم للثبات عليه، وبلزومهم لهذا الطريق النَّافع تَمَّت لهم النعمة، وصحَّت عقائدُهم، وكَمُلَتْ أخلاقُهم، أمَّا مَنْ سلك غير هذا السبيل فإنه مُنحرفٌ في عقيدته وأخلاقه وآدابه (^٢).
_________________
(١) «تفسير السعدي» (ص ١٨٥).
(٢) انظر «التنبيهات اللطيفة» للسعدي (ص ٢١).
[ ٥٧ ]
قال المصنف ﵀:
«وقد دَخَلَ في هذه الجُملة: ما وصف اللهُ به نفسَه في سورة الإخلاص، التي تَعدل ثلثَ القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وما وَصَفَ به نَفْسَهُ في أعظم آية في كتابه؛ حيث يقول: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
ولهذا كان مَنْ قَرأ هذه الآية في ليلةٍ- لَم يَزل عليه من الله حافظٌ، ولا يَقربه شيطانٌ حتَّى يُصبح».
الشرح
ذكر العلَّامةُ ابنُ عثيمين في بيان المراد بقول المصنف: «وقد دخل في هذه الجملة» - احتمالين فقال: «يحتمل أنه يريد بها قوله: «وهو قد جمع فيما وَصَفَ وسَمَّى به نفسَه بين النفي والإثبات»، ويحتمل أن يريد ما سبق مِنْ أنَّ أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة يصفون الله تعالى بما وصف به نفسَه وما وصفه به رسولُه، وأيًا كان فإن هذه السورة وما بعدها داخلةٌ في ضمن ما سبق من أنَّ اللهَ- تعالى- جَمَع فيما وَصَفَ وسَمَّى به نفسَه بين النفي والإثبات، وأن أَهْل السُّنَّة
[ ٥٨ ]
يؤمنون بذلك» (^١).
ولعلَّ سورةَ الإخلاص قد سُمِّيت بهذا الاسم؛ لأنَّها تخلص الإخبار عن الله، أي: تُمَحِّضه وتُبَيِّنه. وبها يُخلص قارئها التوحيد ويتخلى عن الشرك. وتخلص السورة صاحبها يوم القيامة من العذاب أو من الخلود في النار.
وقد ذكر الحافظ ابنُ حجر ﵀ سببَ تسميتها بسورة الإخلاص، وبَيَّن لماذا تعدل ثلث القرآن؟ فقال: «عادَلَت ثُلُثَ القرآن؛ لأن القرآن خبر وإنشاء، والإنشاء: أمر ونهي وإباحة. والخبر خبر عن الخالق، وخبر عن خلقه؛ فَأَخْلَصَت سورةُ الإخلاص الخبرَ عن الله، وخلَّصَتْ قارئَها من الشِّرك الاعتقادي» (^٢).
وكذلك قال العلَّامة ابن القَيِّم -﵀-: «ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلثَ القرآن؛ لأنها أخلصت الإخبارَ عن الرب تعالى وصفاته، دون خلقه وأحكامه وثوابه وعقابه» (^٣).
ودليل ذلك: ما رواه أبو سعيد الخدري -﵁-: أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُردِّدها، فلما أصبح جاء إلى الرسول -ﷺ-، فذكر ذلك له- وكأن الرجل يتقالُّها- فقال رسول الله -ﷺ-: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن» (^٤).
وروى أبو الدَّرْدَاء -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «أَيَعْجِزُ أحدُكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟». قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن» (^٥).
_________________
(١) «شرح الواسطية» لابن عثيمين (ص ١٢٧).
(٢) «فتح الباري» (٩/ ٦١).
(٣) «مختصر الصواعق» (ص ١٢٥).
(٤) أخرجه البخاري في مواضع: (٥٠١٣)، و(٦٦٤٣)، و(٧٣٧٤).
(٥) أخرجه مسلم (٨١١).
[ ٥٩ ]
وروي عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- بعث رجلًا على سَرِيَّةٍ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي -ﷺ- فقال: «سَلُوهُ لأي شيءٍ يصنع ذلك؟». فسألوه، فقال: لأنَّها صِفَةُ الرَّحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي -ﷺ-: «أخبروه أنَّ اللهَ يُحِبُّه» (^١).
فلما أحبَّ هذا الرجل المبارك هذه السورة المباركة؛ لأنها تشتمل على صفة الرحمن وتفرده بالوحدانية في الأسماء والصفات والأفعال- كان الجزاء أن أحَبَّه الله تعالى، وتلك الغاية العظمى والأمنية التي ليس بعدها أُمنية.
وقد بَيَّن العلامةُ ابن القيم ﵀ بعضَ ما اشتملت عليه هذه السورة العظيمة؛ فقال: «سورةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: متضمنَّةٌ لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباتُه للرب تعالى من الأَحَدِيَّةِ المنافية لمطلق المشاركة بوجه من الوجوه، والصَّمِدِيَّة المثبتة له جميع صفات الكمال التي لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم الصَّمَدِيَّة، وغِنَاهُ وأَحَدِيَّتَهُ، ونفي الكفءِ المتضمِّن لنفي التشبيه والتَّمْثِيل والتَّنْظِير.
فتضمَّنت هذه السورةُ إثباتَ كلِّ كمالٍ له، ونفي كل نقص عنه، ونفي إثبات شبيه أو مثيل له في كماله، ونفي مطلقِ الشَّريك عنه، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبُه جميعَ فِرَقِ الضَّلَالِ والشِّرْكِ؛ ولذلك كانت تعدلُ ثُلُثَ القرآنِ» (^٢).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧٣٧٥) ومسلم (٨١٣).
(٢) «زاد المعاد» (١/ ٣١٦).
[ ٦٠ ]
وأمَّا عن تفسير هذه السورة الكريمة فقد قال الحافظُ ابنُ كثير:
«قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ «يعني: هو الواحد الأحد الذي لا نظير له، ولا وَزِيرَ، ولا نَديد، ولا شَبيه، ولا عديل، ولا يُطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله -﷿-؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله.
وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.
قال عكرمة، عن ابن عباس: يعني: الذي يَصمد الخلائقُ إليه في حوائجهم ومسائلهم.
قال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو السَّيد الذي قد كَمُل في سؤدده، والشريف الذي قد كَمُل في شرفه، والعظيم الذي قد كَمُل في عظمته، والحليم الذي قد كَمُل في حِلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كَمُل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشَّرف والسُّؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صِفته لا تَنبغي إلا له، ليس له كفءٌ، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار.
وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
أي: ليس له ولدٌ ولا والدٌ ولا صاحبةٌ.
قال مجاهد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يعني: لا صاحبةَ له.
وهذا كما قال تعالى: ﴿بديع السماوات والأرض أنَّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له مِنْ خلقه نَظير يُساميه، أو قريب يُدانيه، تعالى وتقدس وتنزه؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
[ ٦١ ]
وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون سبحان الله عما يصفون﴾ [الصافات: ١٥٨، ١٥٩].
وفي «صحيح البُخاري»: «لا أحدَ أصبرُ على أذى سَمعه من الله؛ إنَّهم يجعلون له ولدًا، وهو يَرزقهم ويُعافيهم» (^١).
وعن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: «قال الله ﷿: كَذبني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشَتمني ولم يكن له ذلك؛ فأمَّا تَكذيبه إيَّاي فقوله: لَنْ يُعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ مِنْ إعادته. وأمَّا شتمه إيَّاي فقوله: اتَّخذ الله ولدًا. وأنا الأحدُ الصَّمَدُ الَّذي لم يَلد ولم يُولد ولم يكن له كفوًا أحدٌ» (^٢)» (^٣).
ثم قال المُصَنِّفُ: «وما وَصَفَ به نَفْسَهُ في أعظم آية في كتابه»، يعني: آية الكرسي، والدَّليلُ على أنَّها أعظمُ آية في كتاب الله: هو ما رواه أُبَي بن كعب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يا أبا المُنْذِر، أَتَدْرِي أيَّ آيةٍ مِنْ كتاب الله معك أعظم؟». قال: قلت: اللهُ ورسوله أعلم، قال: «يا أبا المُنْذِر، أَتَدْرِي أيَّ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟». قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٠٩٩) من حديث أبي موسى؟.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٣١٩٣)، وبرقم (٤٩٧٤).
(٣) «تفسير ابن كثير» بتصرف واختصار (٨/ ٥٢٩).
[ ٦٢ ]
قال: فضرب في صدري، وقال: «واللهِ، لِيَهْنِكَ العلمُ أبا المُنْذِرِ» (^١).
وسُمِّيَت آية الكرسي؛ لأنَّ الله ﷻ ذَكَر صفة كُرسيِّه فيه.
وقد تضَمَّنت هذه الآيةُ الجليلةُ أسماءً حُسنى وصفاتٍ عُلَا لله تَباركت أسماؤه وتقدست صفاته؛ بَيَّنها بالتفصيل العَلَّامة ابنُ عُثيمين ﵀؛ فقال: «وهذه الآية تتضمَّن من أسماء الله خمسة، وهي: (الله، الحي، القيوم، العَلِي، العظيم).
وتتضمن من صفات الله ستًّا وعشرين صفة، منها خمس صفات تتضمنها هذه الأسماء.
والسادسة: انفراده بالألوهية.
السابعة: انتفاء السِّنَة والنَّوم في حقِّه؛ لكمال حياته وقَيُّومِيَّتِهِ.
الثامنة: عموم ملكه؛ لقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
التاسعة: انفراد الله -﷿- بالملك، ونَأْخُذُهُ مِنْ تقديم الخبر.
العاشرة: قوَّة السلطان وكماله؛ لقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
الحادية عشرة: إثبات العِنْدِيَّة، وهذا يدلُّ على أنه ليس في كلِّ مكان، ففيه الردُّ على الحلولية.
الثانية عشرة: إثبات الإذن من قوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
الثالثة عشرة: عموم علم الله تعالى؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
الرابعة عشرة والخامسة عشرة: أنه -﷾- لا يَنسى ما مضى؛ لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، ولا يَجهل ما يستقبل؛ لقوله ﴿مَا بَيْنَ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨١٠).
[ ٦٣ ]
أَيْدِيهِمْ﴾.
السادسة عشرة: كمال عظمة الله؛ لعجز الخلق عن الإحاطة به.
السابعة عشرة: إثبات المشيئة؛ لقوله ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
الثامنة عشرة: إثبات الكرسي، وهو موضع القدمين.
التاسعة عشرة والعشرون والحادية والعشرون: إثبات العظمة والقوة والقدرة؛ لقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ لأن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق.
الثانية والثالثة والرابعة والعشرون: كمال علمه ورحمته وحفظه، من قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
الخامسة والعشرون: إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ …
«السادسة والعشرون: إثبات العظمة لله -﷿-؛ لقوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾» (^١).
وأمَّا تفسير آية الكرسي فقد جاء في «تفسير ابن كثير»: أنَّ هذه الآية مشتملةٌ على عشر جُمَلٍ مستقلَّة، فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إخبارٌ بأنه المتفرِّد بالإلهيةِ لجميع الخلائق.
﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحيُّ في نفسه الذي لا يموت أبدًا، القَيِّمُ لغيره.
وكان عُمَرُ يقرأ «القَيَّام»، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، لا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥].
وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، أي: لا يَعتريه نقصٌ ولا
_________________
(١) «شرح الواسطية لابن عثيمين (ص ١٤١ - ١٤٦).
[ ٦٤ ]
غَفلة ولا ذُهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القَيُّومِيَّة أنه لا يَعْتَرِيهِ سِنَةٌ ولا نومٌ، فقوله ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾، أي: لا تغلبه سِنَةٌ، وهي الوَسَنُ والنُّعَاسُ، ولهذا قال: ولا نومٌ؛ لأنه أقوى مِنْ السِّنَةِ.
وفي الصَّحيح عن أبي مُوسى قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- بأربع كلمات، فقال: «إن الله لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إليه عملُ النهار قبل عمل الليل، وعملُ الليل قبل عمل النهار، حِجَابُهُ النورُ- أو النارُ- لو كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (^١).
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: إخبارٌ بأن الجميعَ عبيدُه وفي مُلكه وتحت قهره وسلطانه، كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وكقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه -﷿- أنه لا يَتَجَاسَرَ أحدٌ على أن يشفع لأحدٍ عنده إلا بإذنه له في الشَّفَاعة، كما في حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش فَأَخِرُّ سَاجِدًا، فيدعني ما شاء الله أن يَدَعَنِي، ثم يُقَالُ: ارفع رأسَك، وَقُلْ تُسْمَع، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ- قال-:
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٩).
[ ٦٥ ]
فيحدُّ لي حَدًا فأُدخلهم الجنةَ» (^١).
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله- إخبارًا عن الملائكة-: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، أي: لا يطَّلِعُ أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله -﷿- وأطلعه عليه، كقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ثم ذكر الأقوال الواردة في ذلك، وصَحَّحَ أنَّ الكرسي موضع القدمين، وأنَّه غير العرش، وأنَّ العرش أكبر منه، كما دَلَّت على ذلك الآثار والأخبار.
وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي: لا يُثْقِلُهُ ولا يُكْرِثُهُ حفظُ السماوات والأرض ومَن فيهما، ومَن بينهما، بل ذلك سهلٌ عليه يسيرٌ لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيبُ على جميع الأشياء، فلا يَعْزُبُ عنه شيءٌ ولا يغيب عنه شيءٌ.
والأشياءُ كلُّها حقيرةٌ بين يديه، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وهو القاهر لكل شيءٍ، الحسيب على كل شيءٍ، الرَّقيبُ العليُّ العظيمُ، لا إله غيرُه، ولا رَبَّ سِوَاهُ، فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأَجْوَدُ فيها طريقةُ السَّلَفِ الصالحِ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَشْبِيهٍ (^٢).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري في مواضع: (٤٤٧٦)، و(٤٧١٢)، و(٦٥٦٥)، و(٧٤١٠)، و(٧٤٤٠)، و(٧٥١٠)، وأخرجه مسلم (١٩٣) من حديث أنس بن مالك؟.
(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ٦٧٨ - ٦٨٢) بتصرف واختصار.
[ ٦٦ ]
ثم ذكر المصنفُ ﵀ أنَّ فضائل آية الكرسي: أنَّ مَنْ قرأها كل ليلة «لَم يَزل عليه من الله حافظٌ، ولا يَقربه شيطانٌ حتَّى يُصبح»، ويشير بهذا إلى ما رواه أبو هريرة -﵁-، قال: «وَكَّلني رسول الله -ﷺ- بحفظِ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ؛ فجعل يَحثو من الطعام فأخذتُه، وقلتُ: والله لأرفعنَّك إلى رسول الله -ﷺ-، قال: إني محتاج، وعليَّ عيال، ولي حاجة شديدة! قال: فخَلَّيت عنه، فأصبحتُ، فقال النبي -ﷺ-: «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرُك البارحة؟». قال: قلتُ: يا رسول الله، شَكَا حاجة شديدة وعيالًا؛ فَرَحمتُه، فخَلَّيت سبيله. قال: «أَمَا إنَّه قَدْ كَذَبك، وسيعودُ»، فعرفتُ أنه سيعود؛ لقول رسول الله -ﷺ-: إنَّه سيعود، فرصدتُه، فجاء يحثو من الطعام، فأخذتُه، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله -ﷺ-! قال: دعني؛ فإني محتاجٌ وعليَّ عيال، لا أعود! فرحمتُه، فخَلَّيت سبيله، فأصبحتُ، فقال لي رسول الله -ﷺ-: «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرُك؟»، قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا؛ فرحمتُه، فخَلَّيت سبيله، قال: «أما إنَّه قد كذبك وسيعود»، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم لا تعود، ثم تعود! قال: دعني أُعَلِّمْك كلمات يَنفعك اللهُ بها! قلت: ما هو؟ قال: إذا أَوَيت إلى فراشك، فاقرأ آيةَ الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، حتى تَختم الآية، فإنَّك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يَقَرَبَنَّك شيطانٌ حتى تُصبح. فخَلَّيت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله -ﷺ-: «ما فعلَ أسيرُك البارحة؟». قلت: يا رسول الله، زعم أنه يَعلمني كلمات يَنفعني الله بها، فخَلَّيت سبيله، قال: «ما هي؟». قلت: قال لي: إذا أَوَيت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تَختم الآية: ﴿الله لا إله إلا هو الحي
[ ٦٧ ]
القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال لي: لن يزال عليك مِنْ الله حافظ، ولا يَقربك شيطانٌ حتى تصبح- وكانوا أحرصَ شيء على الخير- فقال النبي -ﷺ-: «أَمَا إنَّه قَدْ صَدَقك وهو كذوبٌ، تَعلم مَنْ تُخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟». قال: لا. قال: «ذاكَ شَيطانٌ» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣١١).
[ ٦٨ ]