قال المصنف ﵀:
«فَتُنْصَبُ المَوَازينُ فَتُوزن بِها أعمالُ العِباد؛ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣].
وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَّراءِ ظَهْرِهِ؛ كَمَا قَالَ ﷾: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣: ١٤].
وَيُحَاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا حَسَنَات لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ، فتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا وَيُقَرَّرُونَ بِهَا، ويُجْزَون بها».
الشرح
بعد أن يأذن الله ﷾ ببعث الناس من قبورهم- تعود الأرواح إلى أجسادها، وترجع الأجساد كما كانت قَبل أن تَبلى، فتنبت كما ينبت الحِبَّة (^١) في حميل السَّيل (^٢).
فترجع كلُّ رُوح إلى جسدها الذي كانت فيه في الدنيا، كما جاء في «مسند أحمد» مرفوعًا: «حَتَّى إذا كانوا يوم القيامة دَخَلَتْ
_________________
(١) الحبة: بذور النبات.
(٢) حميل السيل: ما يحمله السَّيْل من طين أو غُثَاء وغيره.
[ ١٨٧ ]
كلُّ نفسٍ في جَسدها» (^١)، أي: دخلت كلُّ رُوح في جسدها.
وعن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «كلُّ ابن آدم تأكله الأرض، إلا عَجْبَ الذَّنَب (^٢) منه يَنبت، ويرسل الله ماء الحياة، فينبتون فيه نبات الخَضِر، حتى إذا أخرجت الأجساد أرسلَ اللهُ الأرواح، وكان كلُّ روح أسرع إلى صاحبه من الطَّرف، ثم يُنفخ في الصور فإذا هم قيام يَنظرون» (^٣).
قال ابن القيم ﵀: «تَنبت أجسادهم في القبور، فإذا نفخ في الصُّور رَجعت كلُّ روح إلى جسدها فدخلت فيه، فانشقَّت الأرض عنه فقام مِنْ قبره، وفي حديث الصُّور أنَّ إسرافيل ﵇ يدعو الأرواح فتأتيه جميعًا؛ أرواح المسلمين نورًا، والأخرى مظلمة؛ فيجمعها جميعًا، فيعلقها في الصور، ثم ينفخ فيه فيقول الرب ﷻ: «وعِزَّتي ليَرجعن كلُّ رُوح إلى جسده، فتخرج الأرواح من الصور مثل النَّحل قد ملأت ما بين السَّماء والأرض فيأتي كلُّ رُوح إلى جسده فيدخل، ويأمر الله الأرض فتَنشق عنهم فيخرجون سراعًا إلى ربهم يَنسلون، مُهطعين إلى الدَّاعي، يسمعون المنادي من مكان قريب، فإذا هم قيام ينظرون، وهذا معلوم بالضرورة أنَّ الرسول أخبر به، وأنَّ الله سبحانه لا يُنشئ لهم أرواحًا غير أرواحهم التي كانت في الدنيا، بل هي الأرواح التي اكتسبت الخير والشر، أنشأ أبدانها
_________________
(١) أخرجه أحمد في «المسند» (٦/ ٤٢٤) (٢٧٤٢٧)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٦٧٩).
(٢) هو العظم اللطيف الذي في أسفل الصُّلب، وهو رأس العُصعص، ويقال له: (عَجْمُ) بالميم، وهو أولُ ما يُخلق من الآدمي، وهو الذي يَبقى منه؛ ليُعاد تركيب الخلق عليه. «شرح النووي على مسلم» (٩/ ٣٤٣).
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (٢/ ٤٣٢) (٨٩١)، وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٨٩١): «إسناده جيد».
[ ١٨٨ ]
نشأة أخرى، ثُمَّ رَدَّها إليها» (^١).
وقال أيضًا: «إن الروح والجسد يختصمان بين يدي الرب ﷿ يوم القيامة، قال عليُّ بن عبد العزيز: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبى سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵁- ما قال: «ما تَزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى يُخاصم الرُّوحُ الجسدَ، فيقول الروح: يا رب إنَّما كنت روحًا منك جعلتني في هذا الجسد، فلا ذنبَ لي! ويقول الجسد: يا رب كنت جسدًا خَلقتني ودخل فيَّ هذا الرُّوح مثل النار؛ فَبِه كنتُ أقوم، وبه كنت أقعد، وبه أذهب، وبه أجيء؛ لا ذنب لي! قال: فيقال: أنا أقضي بينكما؛ أخبراني عن أعمى ومقعد دخلَا حائطًا فقال المقعد للأعمى: إني أرى ثمرًا فلو كانت لي رِجْلان لتناولتُ! فقال الأعمى: أنا أحملُك على رقبتي. فحمله فتناول من الثمر فأَكَلَا جميعًا، فعلى مَنْ الذَّنب؟ قالا: عليهما جميعًا. فقال: قضيتُما على أنفسكما» (^٢).
ثم بعد إعادة الأرواح إلى أجسادها يساق الناس إلى أرض المحشر، حُفاة عُراة غُرلًا، وتدنو الشمس من الخلائق، فيكون الناس في عرقهم على قدر أعمالهم، حتى يبلغ بهم الأمر مبلغه، فيأتوا من نبي إلى نبي، حتى يأتوا النبي -ﷺ-؛ فيشفع في أهل الموقف أن يُقضى بينهم. وهي أول شفاعاته -ﷺ-.
ثم بعد ذلك يبدأ القضاء بالفصل بين الناس، وتُنصب الموازين، وبعد ذلك تكون أحوال الناس بين مَنْ ثقلت موازينه وبين
_________________
(١) «الروح» (ص ١٨٥، ١٨٦)، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٢) «الروح» (ص ١٨٦).
[ ١٨٩ ]
مَنْ خَفَّت موازينه؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩]، وغير ذلك.
ومن السُّنَّة: عن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسولَ الله -ﷺ- قال: «كَلِمَتان خَفِيفتان على اللِّسان، ثَقِيلتان في المِيزان، حَبِيبتان إلى الرَّحمن: سُبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (^١).
وعن أبي هريرة -﵁- أيضًا: أنَّ رسولَ الله -ﷺ- قال: «إنَّه لَيُؤتى بالرَّجل العَظيم السَّمين يوم القيامة لا يَزن عند الله جناح بَعُوضة، وقال: اقْرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]» (^٢).
وعن عبد الله بن عُمر أنَّ رسولَ الله -ﷺ- قال: «إنَّ الله سَيُخَلِّصُ رجلًا من أُمَّتي على رُءوس الخَلائق يوم القيامة، فَيَنْشُر عليه تِسعة وتِسعين سِجلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ البَصر، ثُمَّ يقول له: أَتُنْكِر مِنْ هذا شيئًا؟ أَظَلَمَتك كَتَبَتي الحَافظون؟ قال: لا يا رب. فيقول: أَلَكَ عُذْرٌ أو حَسَنة؟ فيهيب الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة واحدة، لا ظُلم عليك؛ فَتُخرج له بطاقةٌ فيها أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسولُ الله. فيقول: أَحْضِروه. فيقول: يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السِّجلات؟ فيُقال: إنَّك لا تُظلم. قال: فَتُوضع
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٠٦) ومسلم (٢٦٩٤).
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٢٩) ومسلم (٢٧٨٥).
[ ١٩٠ ]
السِّجلات في كِفَّة والبطاقة في كِفَّة، قال: فَطاشت السِّجلات، وثَقُلت البِطاقة، ولا يَثْقُل شيءٌ بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ» (^١).
وعن ابن مسعود -﵁-: أنَّه كان يَجني سِوَاكًا من الأَرَاك، وكان دقيقَ السَّاقين، فَجَعَلت الرِّيح تَكفؤه، فَضَحِك القومُ مِنه، فقال رسولُ الله -ﷺ-: «مِمَّ تَضْحَكُون؟». قالوا: يا نَبِيَّ الله مِنْ دِقَّة سَاقيه. فقال: «والَّذي نَفْسِي بيدِه لَهُما أثقلُ في المِيزان مِنْ أُحُدٍ» (^٢).
وعن أبي مالكٍ الأشعريِّ -﵁- قال: قال رسولُ الله -ﷺ-: «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحمدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزانَ» (^٣).
وقال السَّفارينيُّ: «قال علماؤنا كغيرهم: نُؤمن بأن الميزان الذي تُوزن به الحسنات والسيئات حقٌّ، قالوا: وله لسان وكفتان تُوزن به صحائف الأعمال؛ قال ابن عباس -﵁- ما: تُوزن الحسنات في أحسن صورة، والسيئات في أقبح صورة.
قال العلامة الشيخ مرعي في «بهجته»: الصحيح: أنَّ المراد بالميزان: الميزان الحقيقي لا مجرد العدل، خلافًا لبعضهم.
وقال القرطبي في «تذكرته»: «قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحسبها».
إلى أن قال: «قد بلغت أحاديثه- أي: الميزان- مبلغ التواتر،
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والترمذي (٢٦٣٩)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٥).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ١١٤) (٩٢٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٧٠٦٩)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٧٥٠).
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٣).
[ ١٩١ ]
وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه» (^١).
وقال في موضع آخر: «أَجْمَع أكابرُ مُحَقِّقي هذه الأمة من أهل السُّنَّة بأنَّ الإيمان بثبوت الوزن والميزان حقٌّ واجبٌ وفَرْضٌ لازبٌ لِثُبوته، وعدم استحالة ذلك عقلًا» (^٢).
قال الإمام القرطبي ﵀: «قال علماؤنا ﵏: الناس في الآخرة ثلاث طبقات: متقون لا كبائر لهم. ومخلطون وهم الذين يوافون بالفواحش والكبائر. والثالث: الكفار.
فأمَّا المتقون: فإن حسناتهم تُوضع في الكفة النيرة، وصغائرهم- إن كانت لهم الكفة الأخرى- فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تَبرح، وترتفع المظلمة ارتفاع الفارغ الخالي.
وأمَّا المخلطون فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصؤابة دخل النار إلا أن يغفر الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف على ما يأتي، هذا إن كانت للكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات وكانت له حسنات كثيرة فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات؛ لكثرة ما عليه من التبعات؛ فيُحمل عليه مِنْ أوزار مَنْ ظلمه، ثم يُعَذَّب على الجميع. هذا ما تقتضيه الأخبارُ» (^٣).
ثم تنشر صحائف الأعمال؛ فإمَّا آخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وإمَّا آخِذٌ
_________________
(١) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ١٨٤، ١٨٥).
(٢) «لوائح الأنوار السنية» (٢/ ١٧٩).
(٣) «التذكرة» للقرطبي (ص ٣٦٠).
[ ١٩٢ ]
كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ؛ فالناس على هذين الحالين؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، فيجد في نفسه من السعادة والفرح بهذه الحال؛ لأنه قد آمن وصدق وعمل لهذا اليوم، فوجد ثمرة ذلك وثوابه عند الله ﷾، وأمَّا حال الآخر فقد قال الله ﷿ عنه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٩]، ثم يكون الجزاء: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٢].
فالله يجازي الناس بأعمالهم؛ فإمَّا آخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وإمَّا آخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَّراءِ ظَهْرِهِ، ثم يبدأ بعد ذلك الحساب.
فالمؤمن حسابه عرضٌ وتقرير وليس حساب نقاش؛ لأنَّ من نوقش الحساب بالعذاب؛ كما في حديث عائشة -﵁- ا، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ حُوسب يوم القيامة عُذِّب»، فقلت: أليس قد قال الله ﷿: ﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ [الانشقاق: ٨]؟ فقال: «ليس ذاك الحساب، إنَّما ذاك العَرْضُ؛ مَنْ نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّب» (^١).
فيُقرر اللهُ العبدَ المؤمنَ بما فعل في الدنيا، كما جاء في الحديث: «إنَّ الله يُدني المؤمن، فيضع عليه كَنَفَه ويَستره، فيقول: أتعرف ذنبَ كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قَرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته، وأمَّا الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٣٦) ومسلم (٢٨٧٦).
[ ١٩٣ ]
لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨]» (^١).
وأمَّا الكفار فلا تُوزن أعمالهم؛ إذ لا حسنات لهم، وما قَدَّموه مِنْ عمل نافع في الدنيا فإنَّهم يجازون به في الدنيا كذلك؛ قال الله ﷾: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]، فيُوفون جزاء أعمالهم النافعة في الدنيا، وأما في الآخرة فليس لهم فيها نصيب من الحسنات والأجر، وإنما يجازون بكفرهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨) من حديث عبد الله بن عمر -﵄-.
[ ١٩٤ ]