قال المصنف ﵀:
«ويُحِبُّونَ أهلَ بَيْتِ رسولِ الله﵌- ويَتَوَلَّوْنَهُمْ.
وَيَحْفَظُونَ فيهم وَصِيَّةَ رَسُولِ الله ﵌، حيث قال يوم غَدِيرِ خُمٍّ: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي».
وقال- أيضًا- للعبَّاس عَمِّهِ- وقد اشتكى إليه- أنَّ بعض قريش يجفو بني هاشمٍ، فقال: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُم؛ للهِ، ولِقَرَابَتِي». وقال: «إن اللهَ اصْطَفَى بني إسماعيلَ، واصطفى مِنْ بني إسماعيلَ كِنَانَةَ، واصطفى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، واصطفى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، واصطفاني مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».
ويَتَوَلَّوْنَ أزواجَ النَّبي -ﷺ- أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، ويؤمنون بأنهنَّ أَزْوَاجُهُ في الآخِرَة، خصوصًا خديجةُ -﵂- أمُّ أكثر أولاده، وأول من آمن بِهِ وعَاضَدَهُ على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصِّدِّيقَة بنت الصِّدِّيق -﵂-، التي قال فيها النَّبي -ﷺ-: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».
ويَتَبَرَّءُونَ مِنْ طريقة الرَّوَافِضِ الذين يُبْغِضُونَ الصَّحابة، ويَسُبُّونَهُم، ومن طريقة النَّواصب الذين يؤذون أهلَ البيت بقولٍ أو عملٍ.
وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الآثَارَ المَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَمَنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ: إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ.
وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ
[ ٢٥٢ ]
عَنْ كَبَائِرِ الإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ؛ بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الجُمْلَةِ، وَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ- إِنْ صَدَرَ-، حَتَّى إنَّهُمْ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لأَنَّ لَهُمْ مِنَ الحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُمْ خَيْرُ القُرُونِ، وَأَنَّ المُدَّ مِنْ أَحَدِهِمْ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ.
ثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ، أَوْ أَتَى بَحَسَنَاتٍ تَمْحُوهُ، أَوْ غُفِرَ لَهُ؛ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- الَّذِي هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ، أَوْ ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الذُّنُوبِ المُحَقَّقَةِ؛ فَكَيْفَ الأُمُورُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُجْتَهِدِينَ: إنْ أَصَابُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَالخَطَأُ مغْفُورٌ.
ثُمَّ إِنَّ القَدْرَ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ نَزْرٌ مَغْفُورٌ فِي جَنْبِ فَضَائِلِ القَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ؛ مِنَ الإيمان بِاللهِ، وَرَسُولِهِ، وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالهِجْرَةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالعِلْمِ النَّافِعِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَمَنْ نَظَرَ فِي سِيرَةِ القَوْمِ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، وَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم بِهِ مِنَ الفَضَائِلِ؛ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خَيْرُ الخَلْقِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ؛ لَا كَانَ وَلا يَكُونُ مِثْلُهُمْ، وَأَنَّهُمُ الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ».
الشرح
من عقيدة أهل السنة: حُبُّ آل بيت النبي -ﷺ-، فنحن مأمورون بحبِّهم؛ لأنَّ حُبَّهم من حب النبي -ﷺ-، وقد جاءت الآثار ببيان
[ ٢٥٣ ]
فضلهم والحث على محبتهم.
لذا يجب علينا أن نتولاهم وأن نترضى عنهم، وألا نبغض أحدًا منهم، وهذا ما امتاز به منهج أهل السنة، وهو سلامة قلوبهم تجاه جميع الأصحاب بما فيهم آل بيته -ﷺ-.
فمن حبِّ النبي -ﷺ- حبُّ آل بيته، فلا يكون الإنسان محبًّا للنبي -ﷺ- على الوجه الأكمل حتى يكون محبًّا لآله -ﷺ-، كما أوصى -ﷺ- بذلك فقال: «وأهل بيتي، أُذكركم اللهَ في أهل بيتي، أُذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (^١)،
«وقال- أيضًا- للعبَّاس عَمِّهِ- وقد اشتكى إليه- أنَّ بعض قريش يجفو بني هاشمٍ، فقال: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُم؛ للهِ، ولِقَرَابَتِي» (^٢).
فمحبتهم من الإيمان؛ لأن حبهم من حبه -ﷺ-، فالله قد اختار نبيه -ﷺ-، واختار لنبيه -ﷺ- آله وأصحابه، كم قال -ﷺ-: «إنَّ اللهَ اصْطَفَى بني إسماعيلَ، واصطفى مِنْ بني إسماعيلَ كِنَانَةَ، واصطفى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، واصطفى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، واصطفاني مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (^٣).
فلأن النبي -ﷺ- من بني هاشم صار لهم من الفضل ومن المنزلة ما يجب أن يُحفظ في نفوس أهل السنة، كما يحفظ حقُّ سائر الأصحاب.
وهكذا الشأن في أزواجه -ﷺ-؛ فهن أمهات المؤمنين، فيجب
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٤٠٨) من حديث زيد بن أرقم؟.
(٢) أخرجه أحمد بنحوه (١/ ٢٠٧) برقم (١٧٧٧) من حديث عبد المطلب بن ربيعة؟، وقال أحمد شاكر في تحقيقه «للمسند»: (٣/ ٢١٠): «إسناده صحيح».
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٧٦) من حديث واثلة بن الأسقع؟.
[ ٢٥٤ ]
أن يعلم ما لهن من الفضل والمكانة؛ فهناك مكانة لخديجة -﵁- ا، ومكانة لعائشة -﵁- ا، وكذلك باقي زوجاته -﵁- ن جمعاوات.
فمحبتهن والترضي عنهن هو من محبة النبي -ﷺ-، وفضائلهن مذكورة مبثوتة في كتب أهل السنة، فقَلَّما نجد كتابًا من كتب أهل الحديث إلا وفيه مِنْ ذِكر فضائلهن؛ فمثلًا كتب السنة كـ «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» والكتب الستة وغيرها مليئة ومرصعة ومزينة بتلك المناقب التي تدل على سلامة قلوب أهل السنة تجاه هؤلاء النسوة اللائي اختارهن الله لأن يكن زوجات لنبيه -ﷺ-.
ولذلك نتبرأ من الروافض الذين أبغضوا وسَبُّوا أصحاب النبي -ﷺ-، وطعنوا في بعض أزواجه بمطاعن يَستحي الإنسان من التلفظ بها وذِكرها، فضلًا عن أن تكون مُستقرة في قلب أيِّ مُسلم.
فأولئك ما حَفظوا عِرضَ النبي -ﷺ- في عائشة -﵁- ا، وما حفظوا حقَّ أصحاب النبي -ﷺ- وما لهم من المنزلة والمكانة، وكما قال الشَّعبي لمالك بن معاوية- عند ذكر الرافضة-: «يا مالك، لو أردتُ أن يُعطوني رقابَهم عبيدًا وأن يملأوا بيتي ذهبًا على أن أكذبهم على عليٍّ كذبة واحدة لفعلوا، ولكني والله لا أكذب عليه أبدًا. يا مالك، إني درستُ الأهواء كلها، فلم أَرَ قومًا أحمق من الرافضة …».
«ثم قال: أُحَذِّرُك الأهواء المضلَّة، شرُّها الرافضة، فإنها يهود هذه الأمة، يُبغضون الإسلام كما يُبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتًا لأهل الإسلام وبغيًا عليهم ».
إلى أن قال: «ولليهود والنصارى فضيلةٌ على الرَّافضة في خصلتين: سئل اليهود: مَنْ خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب
[ ٢٥٥ ]
موسى. وسئلت النصارى، فقالوا: أصحاب
عيسى. وسئلت الرافضة: مَنْ شَرُّ أهل مِلتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد. أَمَرَهم بالاستغفار لهم فشَتَموهم» (^١).
نعوذ بالله من حال أولئك الضُّلَّال.
والطعن في أصحاب النبي -ﷺ- هو تجاسر على الله؛ لأن الله يُزكيهم وهم يطعنون فيهم، وكذلك هو اعتداء على حقِّ النبي -ﷺ-، بل هو اتهام منهم له -ﷺ- بأنه ما أحسن تربية أصحابه! وكذلك شككوا فيما قاله النبي -ﷺ- من بيان فضلهم ومكانتهم.
ثم قال المصنف رحمه لله: «وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الآثَارَ المَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَمَنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ».
إذ حاول الرَّوافض دسَّ شيءٍ كثير من المَرويات المغلوطة التي كذبوا فيها على أصحاب النبي -ﷺ-، وشحنوا بها كتب التاريخ، ومن يَكذب على الله وعلى رسوله -ﷺ- فليست بغريب أن يكذب على أصحاب النبي -ﷺ-.
وقال المصنف: «وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ: إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ».
فإن صح شيء من الأحداث المروية عنهم فهم معذورون فيها، فهم بين مجتهد مصيب، فله أجران، أو مجتهد مخطئ فله أجرٌ واحدٌ.
وأهل السنة مع ذلك لا يعتقدون أنَّ كل واحد من الصحابة
_________________
(١) «العقد الفريد» لابن عبد ربه (٢/ ٢٤٩، ٢٥٠)، دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ.
[ ٢٥٦ ]
معصوم، فالعصمة لرسول الله -ﷺ- في تبليغ ما بَلَّغه عن ربه، أمَّا أصحابه فشأنهم كشأن سائر الأمة ليسوا بمعصومين، بل إن الذنوب قد تقع منهم كبائرها وصغائرها، ولكن لهم من السوابق ومن الفضائل ما يوجب مغفرة ما قد يَصدر عنهم- إن صدر- حتى إنَّه يُغفر لهم من السيئات ما لا يُغفر لِمَنْ بعدهم؛ لأن الله مَنَّ عليهم بفضل من الحسنات عظيم، فهؤلاء أهل بدر قال -ﷺ- عنهم: «لعلَّ اللهَ اطَّلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شِئتم، فقد وَجَبت لكم الجنة- أو- فقد غفرتُ لكم» (^١)، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وهم كذلك خير القرون، كما قال -ﷺ-: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (^٢).
فهذه (الخيرية) التي شهد النبي -ﷺ- بها لهذه القرون الثلاثة- تدلُّ على تفضيلهم وسبقهم وجَلَالة قدرهم وسَعَة علمهم بشرع الله، وشدة تمسكهم بسنة رسوله -ﷺ-.
وكذلك تقدم في الحديث قوله -ﷺ-: «لا تسبُّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيدِه لو أنَّ أحدَكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نصيفَه» (^٣)، قال الحافظُ ابن حجر: «قال البيضاوي: معنى الحديث: لا ينال أحدُكم بإنفاق مثل أُحُدٍ ذهبًا من الفضل والأجر ما يَنال أحدُهم بإنفاق مُدِّ طعام أو نصيفه. وسبب التفاوت: ما يقارن الأفضل مِنْ مَزيد الإخلاص وصدق النية. قلت-: أي- ابن حجر-: وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٩٨٣) ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب؟.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣).
(٣) أخرجه البخاري (٣٦٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري؟، ومسلم (٤٦٥٨) من حديث أبي هريرة؟.
[ ٢٥٧ ]
عِظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال، كما وقع في الآية: ﴿مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠]، فإنَّ فيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرتُه، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيمًا؛ لشدة الحاجة إليه وقِلَّة المُعتني به، بخلاف ما وقع بعد ذلك؛ لأن المسلمين كثروا بعد الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فإنه لا يقع ذلك المَوقع المتقدم» (^١).
ثم إن كان قد صدر من أحدهم ذنبٌ؛ فإمَّا أن يكون قد تاب منه، أو أنَّ له من الحسنات ما يمحو هذا الذنب، أو يَغفر الله له بفضل سابقته، أو بشفاعة النبي -ﷺ-؛ لأنهم أحق الناس بشفاعته، أو يُبتلى ببلاء في الدنيا يُكَفر به عنه ذلك الذَّنب.
وهذا يُقال في موتى المسلمين من غير أصحاب النبي -ﷺ-، فمن مات على الإسلام نرجو له النجاة من النار والفوز بالجنة وإن كان عنده سيئات؛ فلعل له حسنة تمحو جميع سيئاته، وربما قد عمل عملًا خفية يغفر الله له به؛ ألم يغفر الله لبغي؛ لأنها سقت كلبًا (^٢)، فما بالنا بأصحاب الفضل الذين قال الله فيهم: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال عن أهل بيعة الرضوان: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
_________________
(١) «فتح الباري» (٧/ ٣٤، ٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٦٧) ومسلم (٢٢٤٥) عن أبي هريرة؟، قال: قال النبي -ﷺ-: «بينما كلب يطيف بركية، كاد يقتلُه العطش، إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت مُوقها فَسَقته؛ فغفر لها به». والركية: البئر. والمُوق: ما يلبس فوق الخُفِّ.
[ ٢٥٨ ]
فأخبر الله بأنه رضي عنهم، وهؤلاء الروافض يقولون برِدَّتِهم! وما هذا إلا أضل الضلال.
وهكذا طريقة النَّواصب الذين آذوا آلَ البيت بقولٍ أو فِعل؛ فكل مَنْ آذى آلَ البيت بقول أو فعل فنحن نتبرأ منهم ومن معتقدهم وقولهم وفِعلهم.
وما شجر بين أصحاب النبي -ﷺ- فنحن نُمسك عن الخوض فيه، ونعلم أن ما صَحَّ وثبت منه فهو لا يُعد شيئًا في بحار حسناتهم، فحسناتهم وفضائلهم جليلة قد توافرت النصوص على إثباتها، وأنَّ ما وقع من القتال بينهم ما أرادوه.
إذ هم أصحاب المواقف الناصعة التي نصروا بها النبي -ﷺ-، ودافعوا عن الدين بأنفسهم وأموالهم وأهليهم، وأبلوا بلاءً حسنًا في نشره.
ثم ذكر المصنف أنَّ لهم من السيرة مَنْ نَظَرَ فِيها بِعِلم وبصيرة، وَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم بِهِ مِنْ الفضائِل؛ علم يقينًا أنهم خَيْرُ الخلق بعد الأَنْبِيَاءِ؛ وأنه لا كان وَلا يكون مثلُهم، لما قَدَّموه للإسلام، فما جاء ولن يجيء بعدهم مثلهم، ولن يستطيع أحد أن يفِعل فعلهم، فهم صفوَةُ الصَّفوة مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ.
فإذا كانت الأمة خير الأمم والصحابة خير هذه الأمة، فكيف يكون قَدْرُهم؟! وكيف تكون منزلتهم؟! -﵁- م أجمعين.
وقد بَيَّن شيخُ الإسلام ﵀ الفارق بين أهل السنة وبين أهل الأهواء فقال: «الخوارج تُكَفِّر أهل الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يُكَفِّرون مَنْ خالفهم، وكذلك أكثر الرافضة، ومَن لم يُكَفِّر فَسَّق. وكذلك أكثر أهل الأهواء يَبتدعون رأيًا، ويُكَفِّرون مَنْ خالفهم فيه،
[ ٢٥٩ ]
وأهل السنة يَتَّبعون الحقَّ مِنْ ربهم الذي جاء به الرسول، ولا يُكَفِّرون مَنْ خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحقِّ وأرحم بالخلق، كما وصف الله به المسلمين بقوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران ١١٠]. قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس.
وأهل السنة نقاوة المسلمين، فهم خير الناس للناس».
ثم قصَّ شيخُ الإسلام بعضًا من مواقف الروافض المخزية أيام التتار، فقال: «وقد علم أنه كان بساحل الشام جبل كبير، فيه أُلوف من الرافضة يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم، وقتلوا خلقًا عظيمًا وأخذوا أموالهم، ولما انكسر المسلمون سنة غازان (^١)، أخذوا الخيل والسلاح والأسرى وباعوهم للكفار النصارى بقبرص، وأخذوا مَنْ مَرَّ بهم من الجند، وكانوا أضرَّ على المسلمين من جميع الأعداء، وحمل بعض أمرائهم راية النصارى، وقالوا له: أيما خير: المسلمون أو النصارى؟ فقال: بل النصارى. فقالوا له: مَع مَنْ تُحشر يوم القيامة؟ فقال: مع النصارى. وسَلَّموا إليهم بعض بلاد المسلمين» (^٢).
فنسأل الله العفو والعافية من هذه الآراء والضلالات، ونسأله الثبات على الحقِّ حتى المَمات.
_________________
(١) هي سنة ٦٩٩. وغازان: هو خان التتار السابع للإمبراطورية المنغولية.
(٢) «منهاج أهل السنة» (٥/ ١٥٨، ١٥٩).
[ ٢٦٠ ]