قال المصنف ﵀:
«وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ: التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتَ الأَوْلِيَاءِ وَمَا يُجْرِي اللهُ عَلَى أَيْدِيهِم مِنْ خَوَارِقِ العَادَاتِ فِي أَنْوَاعِ العُلُومِ وَالمُكَاشَفَاتِ وَأَنْوَاعِ القُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ.
كَالمَأْثُورِ عَنْ سَالِفِ الأُمَمِ فِي سُورَةِ الكَهْفِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ قُرُونِ الأُمَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ اتِّبَاعُ آثَارِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَاتِّبَاعُ وَصِيَّةِ رَسُولِ الله -ﷺ-، حَيثُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ.
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الكَلامِ كَلامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﵌.
وَيُؤْثِرُونَ كَلَامَ اللهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كَلامِ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَيُقَدِّمُونَ هَدْيَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ.
وَلِهَذَا سُمُّوا أَهْلَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَسُمُّوا أَهْلَ الجَمَاعَةِ؛ لأَنَّ الجَمَاعَةَ هِيَ الاِجْتِمَاعُ، وَضِدُّهَا الفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الجَمَاعَةِ قَدْ صَارَ اسْمًا لِنَفْسِ القَوْمِ المُجْتَمِعِينَ.
وَالإِجِمَاعُ هُوَ الأَصْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي العِلمِ وَالدينِ.
[ ٢٦١ ]
وَهُمْ يَزِنُونَ بِهَذِه الأُصُولِ الثَّلاثَةِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ.
وَالإِجْمَاعُ الَّذِي يَنْضَبِطُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ إِذْ بَعْدَهُمْ كَثُرَ الخِلَافُ، وانْتَشَرَ في الأُمَّةُ».
الشرح
من أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجَمَاعَة التي خالفوا بها أهلَ البِدع: التَّصديق بكرامات الأولياء، وما يُجريه اللهُ على أيديهم من خوارق العادات.
وأما أهل البدع فكعادتهم بين الإفراط والتفريط والغُلو والجفاء؛ فمنهم مَنْ أنكر كرامات الأولياء، ومِنهم مَنْ عدَّ فِعل السَّحرة والفَسَقة والمَلاحدة مِنْ الكرامات.
وأولياء الله: هم كلُّ مَنْ جمع بين الإيمان والتقوى؛ فكل مؤمن تقي فهو لله وليٌّ؛ قال الله تَعَالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
قال شيخُ الإسلامِ -﵀-: «وإذا كان أولياءُ الله هم المؤمنون المُتَّقون، فبحسبِ إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى؛ فَمَنْ كان أكمل إيمانًا وتقوى كان أكملَ ولاية لله، فالناس مُتَفاضلون في ولاية الله -﷿- بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى» (^١).
وكراماتُ الأولياء ما حَصَلت إلَّا باتِّباع النبي -ﷺ-؛ قال شيخُ الإسلام: «وكراماتُ أولياء الله إنَّما حَصَلت ببركة اتِّباع رسولِه -ﷺ-،
_________________
(١) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص ٢٤).
[ ٢٦٢ ]
فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول -ﷺ-» (^١)، وقال أيضًا -﵀-: «فمن اعتقد أنَّ لأحدٍ من الأولياء طريقًا إلى الله غير متابعة محمَّد -ﷺ-، فهو كافرٌ من أولياء الشيطان» (^٢).
وقد ذكر العلَّامة ابن عُثَيمين ﵀ أنَّ للكراماتِ دلالاتٍ، فقال: «وهذه الكَرَاماتُ لها أربع دلالات:
أَوَّلًا: بيان كمال قُدرة الله -﷿- حيث حَصَل هذا الخارق للعادة بأمر الله.
ثانيًا: تكذيب القائلين بأنَّ الطبيعة هي التي تفعل؛ لأنَّه لو كانت الطبيعة هي التي تفعل لكانت الطبيعة على نَسَقٍ واحدٍ لا يتغير، فإذا تغيرت العادات والطبيعة دلَّ على أنَّ للكون مدبرًا وخالقًا.
ثالثًا: أنَّها آيةٌ للنبيِّ المَتبوع.
رابعًا: أنَّ فيها تثبيتًا وكرامة لهذا الوليِّ» (^٣).
وأمَّا قول المُصَنِّف -﵀-: «فِي أَنْوَاعِ العُلُومِ وَالمُكَاشَفَاتِ وَأَنْوَاعِ القُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ» - فقد قال الشيخ الفوزان حفظه الله: إنه «إشارة إلى أنَّ الكرامة منها ما يكون من باب العِلم والكَشف بأن يَسمع العبدُ ما لا يَسمعه غيرُه، أو يرى ما لا يراه غيره يَقظة أو منامًا، أو يَعلم ما لا يعلمه غيره، ومنها ما هو من بابِ القدرة والتأثير.
مثال النوع الأول:
قول عُمر: يا ساريةُ، الجبلَ! وهو بالمدينة، وساريةُ
_________________
(١) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص ١٢٠).
(٢) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص ٢٠).
(٣) «شرح الواسِطيَّة» (ص ٦٣١).
[ ٢٦٣ ]
في المَشرق (^١).
وإخبار أبي بكر بأنَّ ببطن زوجته أُنثى (^٢).
وإخبار عُمر بِمَنْ يخرج مِنْ ولده فيكون عادلًا (^٣).
وقصة صاحب مُوسى وعِلْمه بحالِ الغلام (^٤).
ومثال النوع الثاني:
قِصَّة الذي عنده عِلْمٌ من الكتاب، وإتيانه بِعَرش بَلقيس إلى سُليمان ﵇ (^٥).
وقِصَّة أهل الكهف (^٦).
_________________
(١) قال الشيخ ابن عثيمين: «يُستفاد منها- أي: قصة سارية- ظهور كرامة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؟، فإنَّ عمر بن الخطاب- على ما ذُكر في الرواية- كان يخطب الناس يوم الجمعة على المنبر، فكُشِف له عن سارية وهو في العراق يقود سريةً معه: أنَّ العدو حاصرهم، فقال في أثناء الخطبة: يا ساريةُ، الجبلَ! يعني: اصعد الجبل؛ لينجو به عن عدوه، فاستغرب الناس هذا القول من أمير المؤمنين عمر في أثناء الخُطبة يقول: يا ساريةُ، الجبلَ! فأخبرهم أن القضية كذا وكذا، فيُستفاد من ذلك ثبوت كرامات الأولياء». «فتاوى نور على الدرب»، الشريط رقم (٣٥٣).
(٢) قال اللالكائي في «كرامات الأولياء» (٩/ ١٢٣): «هذه كانت زوجة أبي بكر، وهي حبيبة بنت خارجة بن زيد من بني زهير من بني الحارث بن الخزرج، وكانت حاملًا حين تُوفي أبو بكر؟، فولدت بعده أم كلثوم، فتزوجها طلحة بن عبيد الله؟م، فصَدَّق اللهُ ظنَّ أبي بكر الصِّديق؟ بما قاله، وجعل ذلك كرامة له فيما أَخبر به قَبل ولادتها، وأنها أنثى وليست بذكر».
(٣) وهو الخليفة الزَّاهد: عمر بن عبد العزيز ﵀. انظر كتاب «سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد» لابن الجوزي، و«أخبار أبي حفص» للآجري. وهذا الخبر رواه ابن سعد في «الطبقات» (٥/ ٣٣٠).
(٤) وقد وردت هذه القصة في سورة الكهف الآيات ٧٤، ٧٥ و٨٠، ٨١، من قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ …﴾.
(٥) وردت هذه القصة في سورة النمل في الآيات (٣٨ - ٤٠) من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا …﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.
(٦) وردت في الآيات (٩ - ٢٦) من سورة الكهف، من قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا …﴾ إلى قوله: ﴿… وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾.
[ ٢٦٤ ]
وقِصَّة مريم (^١).
وقِصة خالد بن الوليد لما شَرِب السُّمَّ، ولم يَحصل له منه ضررٌ (^٢)» (^٣).
ثم قال المصنف: «كَالمَأْثُورِ عَنْ سَالِفِ الأُمَمِ فِي سُورَةِ الكَهْفِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ قُرُونِ الأُمَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
أي: أنَّ كرامات الأولياء قد حَدَثت في الأمم قبلنا وحدثت في صَدْر هذه الأمة، ولن تَنقطع إلى يوم القيامة؛ فَمَنْ الكَرامات في الأمم السابقة ما ذكره الله جل وعلا- في سورة الكهف عن أصحاب الكهف ولبثهم في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسع سنوات- وهم نيام- بلا آفة.
وهكذا قِصة مريم، ومن ذلك: أنَّها حَمَلت ووَلَدت من غير زوجٍ مع كَمال عفافها وطهرها، ومن ذلك ما قاله الله عنها: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، وغير ذلك كثير.
ومن كرامات الصَّحابة -﵃-: ما رواه البخاري في «صحيحه»
_________________
(١) وردت هذه القصة في سورة مريم الآيات (١٦ - ٣٤) من قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ …﴾ إلى قوله: ﴿… ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
(٢) وذلك عندما شرب السم فلم يَضره، وقد روى هذا الخبرَ أحمدُ في «فضائل الصحابة» (٢/ ٨١٥) عن أبي السفر قال: «نزل خالد بن الوليد الحِيرة على بني أم المرازبة، فقالوا له: احذر السُّمَّ لا يَسقيكه الأعاجم! فقال: ايتوني به. فأتي منه بشيء، فأخذه بيده، ثم اقتحمه وقال: بسم الله. فلم يضره شيئًا». وانظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١١/ ٢٧٧، ٢٧٨).
(٣) «شرح الواسِطيَّة» للفوزان (ص ١٥٧).
[ ٢٦٥ ]
عن أنس -﵁-: «أنَّ رجلين خَرَجَا من عند النَّبي -ﷺ- في ليلة مُظلمة، وإذا نورٌ بين أيديهما حتى تَفَرَّقَا، فتفرق النورُ معهما.
وقال معمر: عن ثابت، عن أنسٍ: «إنَّه أُسيد بن حُضَير ورجل من الأنصار».
وقال حَمَّاد: أخبرنا ثابتٌ، عن أنسٍ كان أُسيد بن حُضَير وعَبَّاد بن بِشْر عند النَّبيِّ -ﷺ-» (^١).
ومن ذلك ما رواه مُسلم عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل: «أنَّ أَرْوى خَاصَمَتْه في بعضِ دارِه، فقال: «دَعُوها وإيَّاها، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله -ﷺ- يقول: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا من الأرضِ بغيرِ حَقِّه طُوِّقه في سَبع أَرَضين يومَ القيامة»، اللَّهُمَّ إن كانت كاذبةً فَأَعْمِ بصرَها، واجعل قبرَها في دارِها.
قال: فرأيتُها عَمياء تَلتمس الجُدُر تقول: أَصَابتني دعوةُ سَعيد بن زيد، فبينما هي تَمشي في الدَّار مَرَّت على بئرٍ في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرَها» (^٢).
وممَّا جاء في كَرامات التَّابعين فَمَنْ بعدهم: ما رواه مسلم في «صحيحه» أنَّ أهلَ الكوفة وَفَدوا إلى عُمَرَ، وفيهم رجلٌ مِمَّنْ كان يَسخر بأويسٍ، فقال عمر: هل هنا أحدٌ من القَرنيِّين؟ فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إنَّ رسولَ الله -ﷺ- قد قال: «إنَّ رجلًا يَأتيكم من اليَمن يُقال له: أُوَيْس، لا يَدَعْ باليَمن غيرَ أُمٍّ له، وقد كان به بياضٌ فَدَعا اللهَ فَأَذْهَبَه عنه إلا مَوضع الدِّينار أو الدِّرهم؛ فَمَنْ لَقِيَه مِنكم فَلْيَسْتَغْفِر لكم» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٠٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٦١٠).
(٣) أخرجه مسلم (٢٥٤٢).
[ ٢٦٦ ]