قال المصنف ﵀:
«فإنَّ الفِرقة الناجِية أهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة، يُؤمنون بما أخبَر اللهُ به في كتابه من غير تَحريفٍ ولا تَعْطيلٍ، ومن غير تَكْييف ولا تَمثيل.
بل هُمْ الوَسَطُ في فِرَق الأُمَّة، كما أنَّ الأُمَّةَ هي الوَسَطُ في الأُمَم.
فهُم وسطٌ في باب صفات الله -﷾- بين أهلِ التَّعْطِيل الجَهْميَّة وأهل التَّمْثِيل المُشبِّهة، وهم وسطٌ في باب أفعال الله بين الجَبْريَّة والقَدَريَّة وغيرِهم، وفي باب وعيدِ الله بين المُرجِئة والوَعِيديَّة من القَدريَّة وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدِّين بين الحَرِوريَّة والمُعتَزِلة وبين المُرجئة والجَهْميَّة، وفي باب أصحاب رسول الله -ﷺ- بين الرَّافِضة والخَوارِج».
الشرح
أمة الإسلام وسط بين الأمم، والمقصود بالأمم: أهل الكتاب (اليهود والنصارى).
فمثلًا في باب الصفات: اليهود وصفوا الله بصفات النقص، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، والنَّصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق، فأعطوا المخلوق (عيسى ﵇) - بل وأحبارهم ورهبانهم- بعض خصائص الله ﷿.
أما أهل الإسلام فهم الذين وَحَّدوا الله ﷿، ووصفوه بما يليق
[ ١١١ ]
بجلاله ﷾، ووصفوه بالكمال التي لا يُماثله فيه أحد من خلقه، وكذلك لم يُعطوا المخلوق بعض صفات الخالق؛ فكانوا وسطًا في هذا الباب.
كذلك ما يتعلق بالأنبياء: اليهود قتلوهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾، وكذلك تنقَّصُوهم، وفي التوراة المحرفة وصفوهم بأمور يترفع عنها أقل الناس قدرًا.
وأمَّا النَّصارى فعبدوهم من دون الله ﷿، بل جعلوا الحواريين- الذين ليسوا بأنبياء ولا رسل- جعلوهم رسلًا، وتجاوزوا بهم القَدْر.
فاليهود تنقصوا والنصارى غَلوا.
وفي جانب الشَّرائع: اليهود أهل كذب وباطل وشهوات، فتجد أنهم حتى في الشرائع مُفَرِّطون، حتى في السَّبت الذي زعموا أنهم لا يعملون فيه، ويتفرغون للعبادة- قضوه في شهواتهم.
واليهود حَرَّموا على أنفسهم طيبات أُحِلَّت لهم، والنصارى لا يحرمون ما حرَّم الله؛ بل يستحلون الخبائث؛ كالميتة والدم ولحم الخنزير، فيعلمون أن هذا لا يجوز في شريعتهم، ومع ذلك يستبيحونه.
فاليهود مُتحللون من الشَّرائع، والنَّصارى ابتدعوا الرهبانية، وجاءوا بأمور ما شرعها الله ﷿.
فحصل ضلالٌ مِنْ هؤلاء وهؤلاء.
فاليهود مكذبون للحق، والنَّصارى ضُلَّال يعبدون الله ﷿ بغير علم.
وأهل الإسلام اتبعوا ما شرع الله، ولم يشرعوا في دينه ما لم يأذن به ﷿.
فهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء.
[ ١١٢ ]
والشاهد- كما ذكر المصنف- أن الأُمَّة وَسَط في الأُمَم.
فهذه الأمة قد اختارها الله ﷿؛ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وجعلها أمة وسطًا، قال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، وبالتالي توسطوا فما فعلوا كاليهود ولا فعلوا كالنصارى، لذلك قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]؛ فالمغضوب عليهم هم اليهود، والضَّالُّون هم النَّصارى.
قال ابن القيم ﵀: «فَذكر الْهِدَايَة وَالنعْمَة وهما الْهدى والفلاح، ثمَّ قَالَ: ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾، فَذكر المغضوب عَلَيْهِم وهم أهل الشَّقَاء، والضَّالِّين وهم أهل الضلال، وكل من الطَّائِفَتَيْنِ لَهُ الضلال والشقاء، لَكِن ذكر الوصفين مَعًا لتكن الدّلَالَة على كلٍّ مِنْهُمَا بِصَرِيح لَفظه، وأيضًا فَإِنَّهُ ذكر ماهو أظهر الوصفين فِي كل طَائِفَة، فَإِنْ الْغَضَب على الْيَهُود أظهر لعنادهم الْحق بعد معرفته، والضلال فِي النَّصَارَى أظهر لغَلَبَة الْجَهْل فيهم» (^١).
وهذا معلوم لمن تتبع حال اليهود والنصارى وحال الأمة، يجد البون شاسعًا بينها.
فأمة الإسلام هي أمة وسط بين الأمم.
فهم وسط بما يتعلق بالإيمان بالله ﷿، وبما يتعلق بالأنبياء، وبما يتعلق بالشرائع.
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٨).
[ ١١٣ ]
وكما أن الأمة وسط بين الأمم فكذلك أهلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بين الفرق، وقد بين المصنف هنا أنها وسط في عدة مسائل؛ منها ما يتعلق بصفات الله ﷿، وما يتعلق بأفعال الله ﷿ (باب القدر)، ثم باب الوعد والوعيد وما يتعلق بحكم مرتكب الكبيرة ثم بعد ذلك جاء إلى باب الإيمان.
أولًا: في باب الصفات:
قال المصنف: «فهُمْ وسطٌ في باب صِفات الله -﷾- بين أهل التَّعْطِيل الجَهْمية وأهلِ التَّمْثِيل المُشبِّهة».
فأهل التَّعْطِيل على قسمين:
القسم الأول: الفلاسفة:
فالفلاسفة سلكوا مسلكًا في التعطيل يقوم على أساس التخييل؛ فنفوا اتصاف الله بهذه الصفات جملة وتفصيلًا، وقال مَنْ قال من الفلاسفة: إن هذا مجرد وهم وتخييل، وأن هذا خطاب للعوام، وأما الخواص فهم في غنى عنها وهم في الأصل يقولون: إن النبوة اكتساب.
القسم الثاني: أهل الكلام، الذين لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم الفاسدة.
فعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنَّما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه؛ كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال.
فإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه صفات الخلق؛ فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه؛ فلم يقدر الله حقَّ قدره، ولم
[ ١١٤ ]
يُعَظِّم الله حقَّ عظمته؛ حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولًا نجَّس القلب بأقذار التشبيه، ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادِّعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولًا مشبهًا، وثانيًا معطلًا ضالًّا ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على ربِّ العالمين يَنفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق (^١).
وأمَّا عقيدة أهل التمثيل: فهي تقوم على دعواهم أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نَعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة؛ فشَبَّهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا: له يد كيدي، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
لذلك يقول ابن القيم ﵀: «ومِن الإلحاد في أسمائه: تشبيه صفاته بصفات خلقه- تعالى الله عما يقول المشبِّهون علوًّا كبيرًا- فهذا الإلحاد في مقابل إلحاد المعطلة؛ فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها، وهؤلاء شَبَّهوها بصفات خلقه، فَجَمَعَهُم الإلحادُ وتفرَّقت بهم طُرُقُه، وبرَّأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يَصفوه إلا بما وصف به نفسه، لم يجحدوا صفاته، ولم يُشبهوها بصفات خلقه، ولم يَعدلوا بها عما أُنزِلَت عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات؛ فكان إثباتهم بريًّا من التَّشبيه، وتنزيههم خليًّا من التعطيل، لا كمن شَبَّه حتى كأنه يَعبد صنمًا، أو عَطَّل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا، وأهل السنة وسطٌ في النِّحَلِ، كما أنَّ أهل الإسلام وسطٌ في المِلل» (^٢).
وقال أيضًا ﵀: «هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة
_________________
(١) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ١٩، ٢٠).
(٢) «بدائع الفوائد» (١/ ١٧٠).
[ ١١٥ ]
المُثلى فلم يتلوثوا بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها، وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات؛ فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين، كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشَّاربين، وقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات ونفي مشابهة المخلوقات؛ فلا نُعطل ولا نؤول، ولا نُمَثِّل ولا نجهل، ولا نقول: ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا استوى على عرشه، ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوق ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستوى كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم، بل نقول: له ذات حقيقة ليست كالذوات، وله صفات حقيقة لا مجازًا ليست كصفات المخلوقين» (^١).
فأهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة قد جعلوا هذا الباب قائمًا على أُسُس ثلاثة:
الأول: إثبات بلا تَمْثيل.
الثاني: تَنْزِيه بلا تَعْطيل.
الثالث: قَطْعُ الطَّمَع عن إدراك كيفية اتصاف الله ﷿ بها؛ لأنَّ اللهَ أخبَرنا عن صفاته ولم يُخبِرنا عن كيفية صِفاته.
فيُؤمن أهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة بما وصَف اللهُ به نفسَه، وما وصَفهُ به رسولُ الله -ﷺ- من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل.
_________________
(١) «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة»، لابن القيم (٢/ ٤٢٥، ٤٢٦)، دار العاصمة- الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤١٨ هـ- ١٩٩٨ م.
[ ١١٦ ]
ثانيًا: في باب أفعال الله:
قال المصنف: «وهم وسَطٌ في باب أفعال الله بين الجَبْريَّة والقدَرية وغيرهم».
قد ضَلَّ في هذا الباب (باب أفعال الله) الجبريةُ والقدريةُ، وما زال إلى يوم الناس هذا مَنْ يَخبط فيه بين قائل بأن العبد مجبر على أفعاله، وبين قائل بأن العبد لا فِعل له ولا اختيار، وإنما هو كالريشة في مَهَبِّ الرِّيح، وأهل السنة والجماعة وسطٌ بين هذا وذاك.
وقد أوضَح شيخُ الإسلامِ -﵀- هذا في «مَجموع الفَتاوى» فقال: «وهم في باب خَلقِ الله وأمرِه وسطٌ بين المُكذِّبين بقُدرة الله الذين لا يُؤمنون بقُدرتِه الكاملة ومَشِيئته الشاملة وخَلقِه لكل شيء، وبين المُفسدين لدِين الله الذين يَجعلون العبدَ ليس له مَشِيئةٌ ولا قُدرة ولا عمل، فيُعطِّلون الأمر والنهي والثوابَ والعقاب، فيَصِيرون بمَنزِلة المُشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
فيُؤمن أهل السُّنَّة بأنَّ الله على كل شيء قدير، فيَقدر أن يهدي العبادَ ويُقلِّب قلوبهم، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في مُلكِه ما لا يُريد، ولا يَعجَز عن إنفاذ مُرادِه، وأنه خالِق كلِّ شيء من الأعيان والصِّفات والحَرَكات.
ويُؤمنون أن العبدَ له قُدرة ومشيئة وعملٌ، وأنه مُختار ولا يُسمُّونه مَجْبورًا؛ إذ المَجْبور مَنْ أُكْرِه على خلاف اختِياره، والله -﷾- جعَل العبدَ مُختارًا لِمَا يفعله، فهو مختارٌ مُريد، والله خالِقُه وخالِقُ اختياره، وهذا ليس له نَظِيرٌ؛ فإن الله ليس كمثله شيءٌ، لا في ذاتِه ولا في صفاته ولا في أفعاله» (^١).
_________________
(١) «مَجموع الفَتاوى» (٣/ ٣٧٣، ٣٧٤).
[ ١١٧ ]
وقال العلَّامة السِّعْدي -﵀-: «وهم وسطٌ في باب أفعال الله بين الجبريَّة والقَدَرية؛ فإن الجبريةَ يَزعمون أن العبد مَجْبُور على أفعاله لا قُدْرة له عليها، وأن أفعاله بمَنزِلة حرَكات الأشجار، وكل هذا غُلوٌّ منهم في إثبات القدَر.
والقدريَّةُ قابَلوهم فنَفَوْا مُتعلق قدرة الله بأفعال العباد تنزيهًا لله- بزَعْمهم.
فأفعالُ العباد عندهم لا تَدخُل تحت مشيئة الله وإرادته، وكلٌّ مِنْ هاتين الطائِفتين ردَّتْ طائفةً كبيرة من نصوص الكتاب والسُّنة.
وهدَى الله أهلَ السُّنَّة والجَمَاعَة للتوسُّط بين الطائفتين المُنحرفتينِ، فآمَنوا بقضاء الله وقدَره وشُمولهما للأعيان والأوصاف والأفعال التي مِنْ جُملتِها أفعالُ المُكلَّفين وغيرهم، وآمَنوا بأنه ما شاء اللهُ كان وما لم يشأ لم يكُن، وآمنوا مع ذلك بأن الله تعالى جعَل للعِباد قُدرة وإرادة تقَعُ بها أقوالُهم وأفعالهم على حسب اختِيارهم وإرادتهم، فآمَنوا بكلِّ نصٍّ فيه تعميمُ قدرة ومشيئة، وبكلِّ نصٍّ فيه إثباتُ أنَّ العباد يعملون ويفعلون كلَّ الأفعال الكبيرة والصغيرة بإرادتهم وقُدْرَتِهم، وعَلِموا أن الأمرينِ لا يَتنافيانِ» (^١).
ثالثًا: في باب الوعيد:
قال المصنف: «وفي بابِ وَعِيد الله بين المُرْجِئة والوَعِيديَّة من القَدريَّة وغيرِهم».
الوَعِيديَّةُ من المُعتَزِلة والقدرية والخَوارج قالوا: إن مَنْ تَوعَّده اللهُ على ذنبٍ فلا بد من إنفاذِ ذلك الوعيد، ولا يجوز إخلافُ ذلك على
_________________
(١) «التنبيهات اللطيفة» (ص ٦١، ٦٢).
[ ١١٨ ]
الله ما لم يَتُبْ فاعِلُه في الدُّنيا، وحكَموا على مُرتَكِب الكبيرة- إن لم يتب منها- بالخُلود في النار؛ فكفروا بالمعاصي، وأوجبوا الوعيد.
وجاءت المُرْجِئة على نقيضهم فقالوا: إن إيمانَ الفُسَّاق مثل إيمان الأنبياء، وإن الأعمال الصَّالحة ليست من الدِّين والإيمان، وكَذَّبوا بالوعيد والعِقاب.
وكلاهما جانَبَ الحق والصواب وما وُفِّق للجَمْع بين النصوص، وما فَقُه طريق السَّلف الصالح من الصَّحابة ومَن تَبِعهم بإحسان.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمِيَّة -﵀-: «وهم-أهل السُّنَّة- في باب الأسماء والأحكام والوَعْد والوَعِيد وسَطٌ بين الوَعِيدية الذين يَجعلون أهلَ الكبائر من المسلمين مُخلَّدين في النار، ويُخرجونهم من الإيمان بالكُليَّة، ويُكذِّبون بشفاعة النَّبي -ﷺ-.
وبين المُرْجِئة الذين يقولون: إيمان الفُسَّاق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصَّالحات ليست من الدِّين والإيمان، ويُكذِّبون بالوعيد والعِقاب بالكُليَّة.
فيُؤمِن أهل السُّنَّة والجَمَاعَة بأن فُسَّاق المسلمين معهم بعضُ الإيمان وأصلُه، وليس معهم جميعُ الإيمان الواجِب الذي يَستوجبون به الجنة، وأنهم لا يُخلَّدون في النار؛ بل يَخرج منها من كان في قلبه مِثقالُ حبَّة من إيمان أو مِثْقال خَرْدَلة من إيمان، وأن النَّبي -ﷺ- ادَّخَر شفاعَتهُ لأهل الكبائِر من أمَّته» (^١).
فأهلُ السُّنَّة والجماعة لا يُوجِبون العذابَ في حقِّ كلِّ مَنْ أتى كبيرةً، ولا يَشهدون لمُسلم بعَيْنِه بالنار لأَجْلِ كبيرةٍ واحدة عَمِلَها، بل
_________________
(١) «مَجموع الفَتاوى» (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥).
[ ١١٩ ]
يجوزُ عندهم أن صاحِبَ الكبيرة يُدخِلُه اللهُ الجنةَ بلا عذابٍ؛ إما لحَسناتٍ تَمْحُو كبيرتَه منه أو من غيره، وإما لمَصائِبَ كفَّرَتْها عنه، وإما لدُعاءٍ مُستَجاب منه أو من غيره فيه، وإما لغير ذلك (^١).
فهم بذلك قد توسطوا بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وبين الوعيدية (الخوارج والمعتزلة)؛ فالخوارج يقولون: هو كافر في الدنيا، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، ويتفقون على أنه في الآخرة خالد مخلد في النار.
رابعًا: في أسماءِ الإيمان والدِّين:
قال المصنف: «وفي باب أسماءِ الإيمان والدِّين بين الحَرُوريَّة والمُعتَزِلة وبين المُرْجِئة والجَهْمِيَّة».
المراد بالأسماء هنا: أسماء الدِّين مثل؛ الإيمان، والإسلام، والكفر، والفسق. والمراد بالأحكام: أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة.
وقد نشأ نزاع قديم بين طوائف الأمة في حقيقة هذه الأسماء، وهل تزيد وتنقص، وهل تتبعض أم لا؟
يقول محمد باكريم: «الخلاف في هذا الباب قديم؛ فهو من أوائل ما حصل فيه النزاع بين الفرق المنتمية إلى الإسلام، وأول من أظهر الخلاف في ذلك وخالف جماعة المسلمين الخوارج، ثم قابلهم المرجئة، ثم خرجت المعتزلة وجاءوا في هذا بما لم يأت به أولئك، والجميع دائر بين إفراط وتفريط.
ولما كان ديدن أهل السنة هو السنة هو التمسك بكتاب الله ﷿، وسنة
_________________
(١) انظر «مَجموع الفَتاوى» (١٢/ ٤٧٩ - ٤٨٣).
[ ١٢٠ ]
رسوله -ﷺ-، والقول بما دلَّا عليه وأَدَّيا إليه؛ فقد جاء قولهم في هذا الباب وسطًا بين إفراط الخوارج وأهل الاعتزال وتفريط أهل الإرجاء» (^١).
فالإيمان عند المعتزلة والخوارج: قولٌ وعمل وعقيدة، ولكنه لا يزيد ولا ينقص، وعندهم أن الإنسان إذا ترك واجبًا؛ فإنه يكون خارجًا من الدين.
والمعتزلة لا يدخلونه في الكفر، والخوارج يدخلونه في الكفر ويخرجونه من الدين، أما المعتزلة فهم يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر.
فالمعتزلةُ قالوا: إنَّ أصحابَ الكبائرِ لا مُسلمونَ ولا كفارَ، بل هم في منزلةٍ بينَ المَنزلتينِ، واتَّفقوا معَ الخوارجِ في الحكمِ الأُخرويِّ على صاحبِ الكبيرةِ: أنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ.
وهذه أول بدعة ظهرت في الإسلام، وإنما أحدثوا هذا المُعتقد من سوء فهمهم للقرآن، فلم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب (^٢).
وأما الإيمان عند المرجئة: فشيءٌ واحد لا يتفاوت، بل إيمان أفسق الناس مثل إيمان جبريل بلا فرق، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض عندهم سواء، ولا يكون زائدًا ولا ناقصًا، وأخرجوا جميع الأعمال من الإيمان.
قال المصنف في «مَجموع الفَتاوى»: «تنازَع النَّاس في الأسماء
_________________
(١) «وسطية أهل السنة بين الفرق (رسالة دكتوراه)، لمحمد باكريم، (ص ٣٣٣)، دار الراية، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ -١٩٩٤ م.
(٢) انظر: «مَجموع الفَتاوى» (١٣/ ٣٠).
[ ١٢١ ]
والأحكام؛ أي: في أسماء الدِّين، مثل: مُسلِمٍ ومُؤمِنٍ وكافِرٍ وفاسِقٍ، وفي أحكام هؤلاء في الدُّنيا والآخرة، فالمُعتَزِلة وافَقوا الخَوارِجَ على حُكْمِهم في الآخِرَة دون الدُّنيا؛ فلم يَستَحِلُّوا مِنْ دمائِهم وأموالهم ما استَحَلَّتْهُ الخوارجُ، وفي الأسماء أحدَثوا المَنزِلةَ بين المَنْزِلتينِ، وهذه خاصَّة المُعتَزِلة التي انفَردوا بها، وسائِرُ أقوالهم قد شارَكهم فيها غيرُهم» (^١).
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ وَالدِّينَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.
فجاء اعتقاد أهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء؛ فالإيمان عندهم قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ فتوسطوا بذلك بين المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، والخوارج والمعتزلة الذين أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه.
فهم وَسَطٌ بينَ الخوارجِ والمُعتزلةِ، وبينَ المُرجئةِ والجهميَّةِ.
«وأهلُ السُّنَّةِ نَقاوةُ المسلمين، فهم خير الناس للناس» (^٢)، وأسعدُ النَّاسِ بالحقِّ وأرحمهم بالخلق؛ فإنَّهم لم يُكَفِّروا أهلَ القِبْلَةِ بارتكابِ الكبائرِ، وإنَّما قالوا: مرتكب الكبيرة مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ، فهوَ مؤمنٌ بإيمانِهِ وفاسقٌ بمعصيتِهِ؛ فلم يُعطوهُ الإيمانَ المطلقَ، ولم يسلبوهُ مطلقَ الإيمانِ، ولم يَحكموا على الفاسقِ بأنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ يومَ القيامةِ، بل قالوا: إنَّ مُرتكبي الكبائرِ من أهلِ القِبْلَةِ في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ؛ إن شاءَ عَفَا عنهم وأدخلَهُم الجنَّةَ بلا عذابٍ، وإن شاءَ عذَّبَهُم على قَدْرِ ذنوبِهِم، ثمَّ أدخلهمُ الجنَّةَ؛ كما قالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
_________________
(١) «مَجموع الفَتاوى» (١٣/ ٣٨).
(٢) من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهل السنة، كما في «منهاج السنة» (٥/ ١٥٨).
[ ١٢٢ ]
خامسًا: في بابِ أصحابِ رسولِ اللهِ -ﷺ-:
قال المصنف ﵀: «وفي بابِ أصحابِ رسولِ اللهِ -ﷺ- بينَ الرَّافضةِ والخَوَارجِ».
الرَّافضة: هم الذين غلوا في عليٍّ -﵁- وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثَّلاثة، وعائشة وحفصة وطلحة والزبير وفضلاء المهاجرين والأنصار، وكفَّروهم ومَن تولاهم، وكفَّروا مَنْ قاتل عليًّا، حتى وصل بهم الأمر إلى أن كفروا جُلَّ الصحابة إلا نفر يسير جدًّا.
وأما الخوارج فقابلوا الرَّوافض؛ فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة بعد التحكيم، وقاتلوهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم.
والنواصب: هم الذين نصبوا العداوة لعليٍّ ومَن والاه، وهم الذين استحلوا قتله بعد أن كفروه، وقتله أحد رءوسهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي.
أما أهل السنة والجماعة فهداهم الله تعالى للحق والصواب، فلم يغلوا في علي وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة -﵁- م ولم يكفّروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت. بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويوالونهم، ويكفون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة، فكانوا وسطًا بين غلو الرافضة وجفاء الخوارج (^١).
_________________
(١) انظر «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» لعبد العزيز السلمان (٥٠٥ - ٥٠٨)، المملكة العربية السعودية، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الطبعة الحادية عشرة، ١٤٠٢ هـ.
[ ١٢٣ ]
ومحبتهم لأهلِ بيتِ رسولِ اللهِ -ﷺ- محبةٌ شرعيَّة دونَ إفراطٍ أو تَفْريطٍ؛ فهم يَعْرِفُونَ لهم حَقَّهم، ويَحفظونَ وَصِيَّةَ رسولِ اللهِ فيهم، ولا يُغالونَ في مَحَبَّتِهِم؛ ولا يَرفعونهم فوق منزلتهم البشرية غلوًّا فيهم، وكذلك لا ينتقصونهم قدرهم جفاء لهم.
وما وقع بين الأصحاب الكرام من خلاف فيجب الإمساك عن الخوض فيه، والتماس العذر لهم؛ يقول العلامة ابن عثيمين ﵀: «موقف أهل السنة في الخلاف والفتن التي حصلت بين الصحابة -﵁- م: موقفهم في ذلك: أن ما جرى بينهم فإنه باجتهاد من الطرفين، وليس عن سوء قصد، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وليس ما جرى بينهم صادر عن إرادة علو ولا فساد في الأرض؛ لأنَّ حال الصحابة -﵁- م تأبى ذلك، فإنهم أوفر الناس عقولًا، وأقواهم إيمانًا أشدهم طلبًا للحق، كما قال النبي -ﷺ-: «خيرُ النَّاس قَرْني» (^١). وعلى هذا فطريق السلامة: أن نسكت عن الخوض فيما جرى بينهم، ونَرُدَّ أمرهم إلى الله؛ لأن ذلك أسلم من وقوع عداوة أو حقد على أحدهم» (^٢).
فأهل السنة والجماعة يتميزون بالوسطية والاعتدال بين الفرق الأخرى التي تقف على طرفي نقيض؛ فتتجه إحداهما لأقصى اليمين، وتنحدر الأخرى لأقصى اليسار، والحق بين هذا وذاك، وتلكم هي الوسطية والطريقة السوية.
ر
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٥١) ومسلم (٢٥٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود؟.
(٢) «مذكرة على العقيدة الواسطية» لابن عثيمين (ص ٨٢)، مدار الوطن للنشر- الرياض، ١٤٢٦ هـ.
[ ١٢٤ ]