قال المصنف ﵀:
«بل يؤمنون بأن اللهَ تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فلا ينفون عنه: ما وصف به نفسَه، ولا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ولا يُلْحِدُونَ في أسمائه وآياته، ولا يُكَيفُونَ، ولا يُمَثلُونَ صفاتِه بصفاتِ خلقِه.
لأنه- سبحانه- لا سَمِيَّ له، ولا كُفْءَ له، ولا نِدَّ له.
ولا يُقاس بخلقه؛ فإنه- سبحانه- أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وبغيرِه، وأصدق قِيلًا، وأَحْسَنُ حديثًا من خلقه».
الشرح
لما بيَّن شيخُ الإسلام أن مِنْ الإيمان بالله الإيمانَ بما وصف به نفسَه أو وصفه به رسولُه -ﷺ-، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ، بَيَّنَ أن الله جل وعلا قد «هدى الله أصحاب سواء السَّبيل للطريقة المُثلى؛ فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات؛ فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين وهديًا بين ضلالتين.
فقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله -ﷺ-، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نُؤول ولا نُمَثِّل ولا نجهل.
[ ٣٧ ]
ولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.
ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.
بل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.
وله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.
وكذلك قولنا في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.
ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك مَنْ أثبت لله شيئًا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يُكَلِّف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا» (^١).
لأن الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية، أو معنوية، أو فعلية.
وقد تنوعت تقسيمات أهل السنة للصفات، وذلك بحسب الاعتبارات التي يرجع لها كل تقسيم، ومن تلك التقسيمات: أقسام الصفات عمومًا.
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧).
[ ٣٨ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الصفات نوعان:
أحدهما: صفات نقص؛ فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقًا؛ كالموت، والعجز، والجهل.
والثاني: صفات كمال؛ فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء» (^١).
ومعتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته هو: أنهم يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتًا ونفيًا، فهم بذلك:
١ - يُسَمُّون الله بما سمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه.
٢ - ويُثبتون لله ﷿ ويصفونه بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ- من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
٣ - وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد -ﷺ-، مع اعتقاد أنَّ الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي.
فأهل السنة سلكوا في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة فكل اسم أو صفة لله سبحانه وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات؛ فيجب بذلك إثباتها.
وأمَّا النفي فهو أن ينفى عن الله ﷿ كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص، مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضد ذلك المنفي.
فقول المصنِّف -﵀-: «فلا يَنْفُونَ عَنْهُ ما وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ»
_________________
(١) «الصفدية» (١/ ١٠٢).
[ ٣٩ ]
- معناه: أنهم مع إيمانهم بأن الله ليس كمثله شيءٌ، لا يحملهم ذلك على نفي صفة من صفاته جل وعلا؛ لأنهم يؤمنون بالكتاب كله، لأن القائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هو نفسه ﷿ القائل: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وهو الذي أثبت لنفسه صفات الكمال ونعوت الجلال الدَّالَّة على عظمته وجماله وجلاله.
وأمَّا قوله ﵀: «ولا يُلْحِدُونَ في أسمائه وآياته» - فقد أشار به إلى أن أَهْل السُّنَّة والجَمَاعَة من تمام وكمال إيمانهم بالله: أنهم لا يلحدون في أسمائه ولا في آياته.
والإلحاد مأخوذ من المَيل، كما يدل عليه مادته (ل- ح- د)؛ فمنه: اللحد، وهو الشَّق في جانب القبر الذي قد مال عن الوَسط.
ومنه المُلحد في الدين: المائل عن الحقِّ إلى الباطل؛ قال ابن السِّكِّيت: «الملحد: المائل عن الحقِّ المُدخِلُ فيه ما ليس فيه (^١).
وقد ذكر المصنف هنا قسمين من الإلحاد:
القسم الأول: الإلحاد في أسماء الله ﷻ: هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحقِّ الثابت لها؛ قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - قال الإمام البغوي: «قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يَتَسَمَّ به، ولم ينطق به كتابُ الله ولا سُنَّة رسوله -ﷺ-» (^٢).
وقال ابن حجر: «قال أهل التفسير: مِنْ الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يَرد في الكتاب أو السنة الصحيحة» (^٣).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩).
(٢) «معالم التنزيل» (٣/ ٣٥٧).
(٣) «فتح الباري» (١١/ ٢٢١).
[ ٤٠ ]
والإلحاد في أسمائه تعالى أنواع.
أحدها: أن يسمى الأصنام بها؛ كتَسميتهم اللات من الإلهيَّة، والعُزَّى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة؛ فإنهم عَدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة (^١).
قال ابن عباس ومجاهد: «عدلوا بأسماء الله تعالى عما هى عليه، فسموا بها أوثانهم؛ فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من الله، والعُزَّى من العزيز، ومَناة من المنَّان» (^٢).
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله؛ كتسمية النصارى له أبًا، وتسمية الفلاسفة له: مُوجبًا بذاته أو علَّةً فاعلةً بالطبع، ونحو ذلك (^٣)؛ وذلك لأنَّ أسماء الله- تعالى- توقيفية، فتسميته تعالى بما لم يُسَم به نفسه ميلٌ بها عما يجب فيها، كما أنَّ هذه الأسماء التي سَموه بها نفسها باطلة يُنزه الله تعالى عنها.
قال ابن حزم: «مَنع تعالى أن يُسَمَّى إلا بأسمائه الحسنى، وأخبر أنَّ مَنْ سَمَّاه بغيرها فقد ألحد» (^٤).
وفي قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن جعله تسبيحًا للاسم يقول: المعنى: إنَّك لا تسم به غير الله، ولا تُلحد في أسمائه، فهذا ما يستحقُّه اسم الله» (^٥).
القسم الثاني: الإلحاد في آيات الله ﵎:
قال العلَّامة ابن عثيمين -﵀-: «وأما الإلحاد في آيات الله تعالى
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩).
(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٣٠).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩).
(٤) «المحلى» (١/ ٢٩).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٩٩).
[ ٤١ ]
فالآيات جمع آية، وهي العلامة المميِّزة للشيء عن غيره، والله -﷿- بعث الرسل بالآيات، لا بالمعجزات؛ لهذا كان التعبيرُ بالآيات أحسنَ من التعبير بالمعجزات:
أولًا: لأن الآيات هي التي يعبَّر بها في الكتاب والسنة.
ثانيًا: أن المعجزات قد تقع من ساحرٍ ومشعوِذ وما أشبه ذلك، تعجِز غيرَه.
ثالثًا: أن كلمةَ (آيات) أدلُّ على المعنى المقصود من كلمة معجزات، فآيات الله هي العلامات الدالة على الله -﷿-، وحينئذ تكون خاصَّة به، ولولا أنها خاصة ما صارت آيةً له.
وآيات الله -﷿- تنقسم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية:
القسم الأول: الآيات الكونيَّة: ما يتعلق بالخلق والتكوين، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٣ - ٢٥]، فهذه آياتٌ كونيَّةٌ، وإن شئت فقل: كونيَّة قدريَّة، وكانت آيةَ الله؛ لأنه لا يستطيع الخلقُ أن يفعلوها، فمثلًا:
لا يستطيع أحدٌ أن يخلق مثل الشمس والقمر، ولا يستطيع أن يأتي بالليل إذا جاء النهار، ولا بالنهار إذا جاء الليل، فهذه الآيات كونيَّة.
[ ٤٢ ]
والإلحاد فيها: أن ينسبها إلى غير الله استقلالًا، أو مشاركةً، أو إعانةً، فيقول: هذا من الولي الفلاني، أو من النبي الفلاني، أو شارك فيه النبي الفلاني، أو الولي الفلاني، أو أعان اللهَ فيه، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
فنفى كل شيء يتعلق به المشركون بكون معبوداتهم لا تملك شيئًا في السموات والأرض استقلالًا أو مشاركةً ولا معينة لله -﷿-، ثم جاء بالرابع: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، لما كان المشركون قد يقولون: نعم هذه الأصنام لا تملك ولا تشارك، ولم تعاون، لكنها شفعاء؛ قال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فَقَطَع كُلَّ سَبَبٍ يَتَعلَّقُ به المشركون.
القسم الثاني من الآيات: الآيات الشرعية:
وهي ما جاءت به الرُّسل من الوحي؛ كالقرآن العظيم، وهو آيات؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]، فجعله آياتٍ.
ويكون الإلحادُ فيها إما بتكذيبها، أو تحريفها، أو مخالفتها، فتكذيبها أن يقول: ليست من عند الله، فيكذِّب بها أصلًا، أو يكذِّب بما جاء فيها من الخبر مع تصديقه بالأصل، فيقول مثلًا: قصة أصحاب الكهف ليست صحيحة، وقصة أصحاب الفيل ليست صحيحة، والله لم يرسل عليهم طيرًا أبابيل.
[ ٤٣ ]
وأما التَّحْرِيف: فهو تغيير لفظها أو صرف معناها عما أراد الله بها ورسوله، مثل أن يقول: الله استوى على العرش، أي: استولى، أو ينزل إلى السماء الدنيا، أي: ينزل أمره.
وأما مخالفتها: فبترك الأوامر أو فعل النواهي.
قال تعالى- في المسجد الحرام-: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]؛ فكلُّ المعاصي إلحادٌ في الآيات الشرعية؛ لأنه خروجٌ بها عما يجب لها؛ إذ الواجب علينا أن نمتثل الأوامر، وأن نجتنب النواهي؛ فإن لم نقم بذلك فهذا إلحاد» (^١).
وقد تَقَدَّم الكلام عن التكييف والتمثيل في صفاته جل وعلا.
ثم بَيَّن المصنف -﵀- السبب في أنَّ أهل السنة لا يُكَيِّفُونَ ولا يُمَثِّلُونَ صفاته بصفات خلقه، فقال: «لأنه- سبحانه- لا سَمِيَّ له، ولا كُفْءَ له، ولا نِدَّ له».
ومعنى تسبيح الله: تَنْزِيهه عن النَّقَائِصِ والعيوب في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وقوله: «لا سَمِيَّ له، ولا كُفْءَ له، ولا نِدَّ له» هذه الأسماء الثلاثة معناها متقارب، لكن كل اسم منها له اختصاص بمورد أكثر من الآخر؛ فينزه الله جل وعلا عن السَّمِيِّ والكفء والمثل؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
ومعنى: «لا سَمِيَّ له»: أنه لا يُساميه أحدٌ في ذاته ولا في أسمائه صفاته ولا في أفعاله، أو أنه لا يستحق أحد من الخلق مثل
_________________
(١) «شرح الواسطية» (ص ١٠٠ - ١٠٣).
[ ٤٤ ]
اسمه؛ قال العَلَّامة محمد بن إبراهيم: «المعنى: لا يُساميه أحدٌ، أو لا يستحق مثل اسمه، وكلا المعنيين راجع إلى الآخر؛ لكون اسمِه تعالى دالًّا على الكمال، والخلقُ- وإن كان لهم نوعُ كمالٍ- فإن الله هو الذي أكسبهم إيَّاه» (^١).
والكفءُ: هو المكافئُ، والله -﷾- يقول عن نفسه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، و﴿كُفُوًا﴾: نَكِرَةٌ في سياق النفي، فتفيد العموم.
والنِّدُّ: هو النظير؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢].
قال العلامة السِّعْدي -﵀- في تفسيره: «﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أشباهًا ونُظَرَاءَ من المخلوقين، فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتُحِبُّونَهُم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون ومرزوقون مدبَّرون، لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا ينفعونكم ولا يضرون.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن اللهَ ليس له شريكٌ ولا نظيرٌ، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في ألوهيته والكمال، فكيف تعبدون معه آلهةً أخرى مع علمكم بذلك؟! هذا من أعجب العجب وأَسْفَهِ السَّفَه» (^٢).
ثم قال المصنف ﵀: «ولا يُقاس بخلقه -﷾-؛ فإنه سبحانه أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وبغيرِه، وأصدق قِيلًا، وأَحْسَنُ حديثًا من خلقه».
لأنَّ اللهﷻ- ليس له مَثيل حتى يُقاس عليه، وعقول البشر لا يمكن أن تستقلَّ بمعرفة الله تعالى استقلالًا؛ لأنها قاصرة عاجزة،
_________________
(١) «شرح العقيدة الواسطية (ص ٣٠).
(٢) «تفسير السعدي» (ص ٤٤).
[ ٤٥ ]
كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿الإسراء: ٨٥]؛ لذا وجب الوقوف على ما جاء في القرآن وصحَّ في السنة من أسماء الله وصفاته، وإثبات ذلك لهﷻ- على ما يليق بذاته.
وقول المصنف -﵀-: «فإنه سبحانه أعلمُ بنفسه وبغيرِه، وأصدقُ قِيلًا، وأحسنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِه» - بيان لعلة وجوب إثبات ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال ومنع قياسه بخلقه؛ لأنه سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ولا ندَّ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
وقد بَيَّن العلَّامةُ ابنُ عُثيمين -﵀- أنواع القياس، وأوضح فساد قياس الله بخلقه في نوعين منها، وجوازه في الثالث؛ فقال: «القياسُ ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: قياس شمولٍ، وقياس تمثيلٍ، وقياس أولويَّة.
فهو -﷾- لا يُقاس بخلقه لا قياسَ تمثيلٍ ولا قياسَ شمولٍ:
١ - قياس الشمول: هو ما يُعرفُ بالعامِّ الشاملِ لجميع أفراده، بحيث يكون كلُّ فردٍ منه داخلًا في مسمَّى ذلك اللفظ ومعناه، فمثلًا إذا قلنا: الحياة؛ فإنه لا تقاس حياة الله بحياة الخلق؛ من أجل أن الكُلَّ يشمله اسمُ (حي).
٢ - وقياس التَّمْثِيل: هو أن يلحق الشيء بمثيله، فيجعل ما ثبت للخالق مثل ما ثبت للمخلوق.
٣ - وقياس الأَوْلَوِيَّة: هو أن يكون الفرعُ أولى بالحكم من الأصل؛ وهذا يقول العلماء: إنه مُسْتَعْمَلٌ في حق الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، بمعنى: كل صفة كمال؛ فَلِلَّهِ تعالى أعلاها، والسمع والعلم والقدرة والحياة والحكمة وما أشبهها موجودة في المخلوق، لكن لله أعلاها وأكملها.
ولهذا- أحيانًا- نستدل بالدلالة العقلية من زاوية القياس
[ ٤٦ ]
بالأولى، فمثلًا:
نقول: العلو صفة كمال في المخلوق، فإذا كانت صفةَ كمالٍ في المخلوق فهي في الخالق من باب أولى، وهذا- دائمًا- نجده في كلام العلماء.
فقول المؤلف -﵀-: «ولا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ» بعد قوله: «لا سَمِيَّ ولا كُفْءَ له ولا نِدَّ لَهُ» يعني: القياس المقتضي للمساواة، وهو قياس الشُّمول، وقياس التَّمْثِيل.
إذًا؛ يمتنع القياس بين الله وبين الخلق للتباين بينهما، وإذا كنا في الأحكام لا نقيس الواجب على الجائز أو الجائز على الواجب، ففي باب الصفات بين الخالق والمخلوق من باب أولى.
لو قال لك قائل: الله موجود، والإنسان موجود، ووجود الله كوجود الإنسان بالقياس.
فنقول: لا يصح؛ لأن وجود الخالق واجب، ووجود الإنسان ممكن.
فلو قال: أَقِيسُ سَمْع الخالق على سمع المخلوق.
نقول: لا يمكن؛ سمع الخالق واجبٌ له، لا يعتريه نقصٌ، وهو شامل لكل شيء، وسمع الإنسان ممكنٌ؛ إذ يجوز أن يُولد الإنسانُ أَصَمَّ، والمولود سميعًا يلحقه نقص السمع، وسمعه محدود.
إذًا؛ لا يمكن أن يقاس الله بخلقه، فكل صفات الله لا يمكن أن تقاس بصفات خلقه؛ لظهور التباين العظيم بين الخالق والمخلوق» (^١).
_________________
(١) «شرح الواسطية» (ص ١٠٥ - ١٠٦).
[ ٤٧ ]