_________________
(١) (ولا غالب لأمره): وإذا أمر بالشيء لا أحد يغلب أوامره الكونية، أما أوامره الشرعية فقد تُعطل وقد تُخالف، وهذه للابتلاء والامتحان. ليترتب على ذلك الثواب أو العقاب. كل ما سبق ذكره من أول العقيدة إلى آخرها، ندين لله به، وليس مجرد كلام بألسنتنا، بل هو من قلوبنا. لما بين الشيخ -﵀- في أول كلامه ما يجب من معرفة الله سبحانه، واعتقاد أنه الرب المستحق للعبادة دون ما سواه، وأنه متصف بصفات الكمال ونعوت الجلال التي هو متصف بها أزلًا وأبدًا، لما بين هذا ووضحه، انتقل إلى ما يجب اعتقاده في الرسول ﵊. وقوله: "وإن محمدًا عبده المصطفى.." هذا عطف على أول الكلام: "نقول في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله إن الله واحد لا شريك له " إلى آخره، ثم قال: "وإن محمدًا " إلى آخره، فلابد من اعتقاد هذا، كما نشهد لله بالألوهية، كذلك نشهد للرسول ﷺ بالرسالة، ولذلك فالشهادتان دائمًا متلازمتان. "وأن محمدًا" هذا اسمه ﵊ المشهور به، وقد جاء في القرآن: (ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم ولكن
[ ٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) رسول الله) [الأحزاب: ٤٠]، وفي قوله: (وآمنوا بما نُزل على محمد وهو الحق من ربهم كفّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم) [محمد: ٢]، وفي قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه) [الفتح: ٢٩]، وجاء أحمد في القرآن في قوله تعالى عن عيسى ﵇: (يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يديّ من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) [الصف: ٦] . وله أسماء جاءت في السنة، ذكرها ابن القيم في كتابه: "جلاء الأفهام". والتعرف على الرسول ﷺ من واجبات الدين ومن أصول الإسلام، وقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في "ثلاثة الأصول": "الأصل الأول: معرفة الله، والثاني: معرفة نبيه، والثالث: معرفة دين الإسلام بالأدلة"، كما يجب عليك معرفة الله، كذلك يجب عليك معرفة نبيه ﷺ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. هذه أصول ثلاثة، وهي التي يسأل عنها الميت إذا وضع في قبره. وقوله: (عبده) فهو عبد الله ﷿، وليس له من الألوهية شيء، ولا من الربوبية شيء، وإنما هو عبد الله ورسوله، مؤتمر بأوامره، منتهٍ عن نواهيه، مبلغ عن الله ﷿، وهذا فيه رد على الغلو فيه ﵊؛ لأن هناك من يغلون في الرسول ﵊، ويجعلون له شيئًا من الربوبية أو الألوهية،
[ ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ويدعونه مع الله، وهذا غلو -والعياذ بالله- كما غلت النصارى في المسيح عيسى ابن مريم، وقالوا إنه ابن الله أو الله أو ثالث ثلاثة. ففي قوله: (عبده المصطفى) فيه ردٌ للغلو، فهو عبد، وكل من في الأرض والسموات عبيد لله ﷿، قال سبحانه (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا) [مريم: ٩٣]، فالملائكة عبيد (بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) [الأنبيا: ٢٦، ٢٧]، والأنبياء والرسل عبيد كما قال سبحانه في نوح ﵇: (كان عبدًا شكورًا) [الإسراء: ٣]، وقال ﷿: (فكذبوا عبدنا) [القمر: ٩]، وقال في داود: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) [ص: ١٧]، وقال في سليمان: (نعم العبد إنه أواب) [ص: ٣٠]، وقال في أيوب: (واذكر عبدنا أيوب) [ص: ٤١]، وقال في عيسى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل) [الزخرف: ٥٩]، فإذا كان الأنبياء والرسل والملائكة عبيد لله، وهم أشرف الخلق، فغيرهم من الأولياء والصالحين من باب أولى. وأفضلهم محمد ﷺ، وهو آخر الأنبياء، وسماه الله عبدًا في قوله: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) [البقرة: ٢٣] يعني: رسول الله ﷺ، وقال تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده) [الفرقان: ١]
[ ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(سبحان الذي أسرى بعبده) [الإسراء: ١]، ومقام العبودية هو أعلى المقامات، ولا شيء أشرف من العبودية لله ﷿.
قال ﵊: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (١) .
ومعنى المصطفى: المختار، من الاصطفاء، وهو الاختيار، قال تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار*إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار*وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) [ص: ٤٥، ٤٧] المصطفين: جمع مصطفى، وهو المختار، أصله مصتفى، ثم أُبدلت التاء طاء فصارت مصطفى؛ ليسهل النطق بها.
فالمصطفى هو المختار؛ لأن الله سبحانه اختار محمدًا ﵊ للرسالة من بين قومه، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فلا يختار إلا من يعلم أنه يستحق الاختيار، وأنه يقوم بالمهمة؛ لأن هذه المهمة صعبة وعظيمة، فلا يختار الله إلا من هو لها أهل، قال سبحانه: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) [الأنعام: ١٢٤] .
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٤٥) .
[ ٥٩ ]