_________________
(١) هذا من حقوقه ﵊: أن يصلى عليه ويسلم عند ذكره (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا) [الأحزاب: ٥٦] . ولما أصبح النبي ﷺ في مكة وأخبر المشركين بهذه الحادثة اشتد كفرهم وتكذيبهم بهذه المناسبة؛ من أجل أن يشوهوا الرسول ﷺ. ويقولون: نحن نمشي إلى فلسطين مدة شهر فأكثر، وهو يقول: في ليلة واحدة! فارتد بعض ضعاف الإيمان بسبب هذه الحادثة، وأما أهل الإيمان الصحيح فثبتوا وصدقوا، ولهذا لما قالوا لأبي بكر ﵁: أما ترى صاحبك كيف يقول؟ قال: وماذا يقول؟ قالوا: إنه يقول: إنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء في ليلة واحدة، قال: فإن كان قاله فهو كما قال. لأنه لا ينطق عن الهوى. وقال: أنا أصدقه بخبر السماء -أي الوحي- أفلا أصدقه في هذا!؟ هذا هو الإيمان الثابت الراسخ الذي لا يتزعزع. من جملة ما يعتقده أهل السنة والجماعة ما صح فيه الخبر عن رسول الله ﷺ من أمور يوم القيامة، وما يحدث في يوم القيامة من أمور، فمن ذلك:
[ ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحوض: فإن النبي ﷺ أخبرنا أن له حوضًا (١) في يوم القيامة في المحشر يرده أتباعه الذين آمنوا به واتبعوه، فيشربون منه، فإذا شربوا منه شربة واحدة لم يظمؤوا بعدها أبدًا، وذلك لأن يوم القيامة يوم شديد وعصيب وفيه حر شديد.
فيحصل الظمأ الشديد، فجعل الله هذا الحوض غياثًا لأمة محمد ﷺ يغيثهم به، ومعلوم أن الغيث الذي ينزله الله من السماء تحيا به الأرض وتحيا به النفوس، فكذلك الحوض فإنه غياثٌ يغيث الله به العباد عند شدة حاجتهم إلى الماء.
والحوض هو مجمع الماء، وقد وصفه ﵊ بأنه حوض عظيم طوله شهر وعرضه شهر، وآنيته عدد نجوم السماء، وأن من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل (٢) .
_________________
(١) فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء". أخرجه البخاري رقم (٦٥٨٠) ومسلم رقم (٢٣٠٣) .
(٢) فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال النبي ﷺ: "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدًا". أخرجه البخاري رقم (٦٥٧٩) ومسلم رقم (٢٢٩٢) .
[ ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأخبر ﵊ أنه يرده أقوامٌ ثم يذادون ويمنعون من الشرب منه، فيقول الرسول ﷺ: "يارب، أمتي، أمتي" فيقول الله ﷿: "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" فيقول ﵊: "سُحقًا وبُعدًا لمن بدّل وغير" (١)، ويمنع من وروده أهل البدع المضلة المخالفون لرسول الله ﷺ الذين كفروا وارتدوا على أعقابهم، تاركين السنة، وذاهبين بأهوائهم وآرائهم المذاهب المنحرفة، هؤلاء يمنعون من حوض النبي ﷺ؛ لأنهم بدلوا وغيروا من هدي النبي ﷺ، ولا يرده إلا من كان متبعًا لسنة رسول الله ﷺ قولًا وعملًا واعتقادًا، وبعض العلماء يرى أن الكوثر المذكور في قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) [الكوثر: ١] هو الحوض، وبعض العلماء يرى أن معنى الكوثر: الخير الكثير، ولا شك أن الحوض يدخل في هذا الخير الكثير؛ لأنه خير لهذه الأمة (٢)، فهذا
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٥٨٢، ٦٥٨٤، ٧٠٥١)، ومسلم رقم (٢٢٩١، ٢٣٠٤) .
(٢) فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه أخرجه البخاري رقم (٤٩٦٦، ٦٥٧٨) . وعن أنس بن مالك -﵁- قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفي إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "أنزلت عليّ آنفًا سورة" فقرأ: (إنا أعطيناك الكوثر) ثم قال: "أتدرون ما الكوثر؟ " فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة" أخرجه مسلم رقم (٤٠٠) .
[ ٩٣ ]