_________________
(١) لأن هناك فرقًا واضحًا بين صفات الخالق وصفات المخلوق، وإن اشتركت في الاسم والمعنى، ولكن تختلف في الحقيقة وتختلف في الواقع والخارج، فلا تشابه بين كلام الله وكلام البشر، ولا تشابه بين سمع الله وسمع البشر، ولا تشابه بين بصر الله وبصر البشر، ولا علم الله وعلم البشر، ولا مشيئة وإرادة الله ومشيئة وإرادة البشر. ففرق بين صفات الله وصفات المخلوق، فمن لم يفرق بينهما صار كافرًا. من تدبر الآيات القرآنية التي أنزلها الله في الوليد بن المغيرة، من تدبرها عرف بطلان أقوال هذه الفرق الضالة في كلام الله ﷿. وصفاته من الكلام وغيره ليست كصفات البشر للفرق بين صفات الخالق وصفات المخلوق. الرؤية: أي: رؤية المؤمنين لربهم ﷾، فإن المؤمنين يرون ربهم ﷾ في الآخرة، يرونه عيانًا بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وكما يرون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، كما أخبر المصطفى ﷺ بذلك في الأحاديث
[ ٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصحيحة المتواترة عنه ﵊ (١)، ولذلك قال المصنف: الرؤية حق، أي: ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة من السلف والخلف، ولم يخالف فيها إلا المبتدعة وأصحاب المذاهب المنحرفة.
فالمؤمنون يرون ربهم ﷾ كما قال سبحانه: (وجوه يومئذٍ ناضرة*إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وهي وجوه المؤمنين (ناضره) يعني من النضرة وهي: البهاء والحسن (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) [المطففين: ٢٤] وأما (ناظرة) فمعناها: المعاينة بالأبصار، تقول: نظرت إلى كذا، أي: أبصرته، فالنظر له استعمالات في كتاب الله ﷿، إذا عُدّي بـ (إلى) فمعناه المعاينة بالأبصار، (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت*وإلى السماء كيف رُفعت) [الغاشية: ١٧، ١٨]، أي: ألم ينظروا بأبصارهم إلى هذه المخلوقات العجيبة الدالة على قدرة الله عز
_________________
(١) فعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة -يعني البدر- فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته". أخرجه البخاري رقم (٥٥٤) ومسلم رقم (٦٣٣) .
[ ٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وجل. وفي هذه الآية: (إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٢، ٢٣] معداة بـ (إلى) . وإذا عُدي النظر بنفسه وبدون واسطة فمعناه التوقف والانتظار: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم) [الحديد: ١٣]، (انظرونا) أي: انتظرونا من أجل أن نستضيء بنوركم؛ لأن المنافقين ينطفئ نورهم والعياذ بالله، فيبقون في ظلمة، فيطلبون من المؤمنين أن ينتظروهم حتى يقتبسوا من نورهم. وقوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) [البقر: ٢١٠] أي: ما ينتظرون إلا مجيء الرب يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده. وإذا عُدي النظر بفي فمعناه التفكر والاعتبار، كما قال تعالى: (أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) [الأعراف: ١٨٥]، أي: يتفكروا في مخلوقات الله العلوية والسفلية، ويستدلون بها على قدرة الله الخالق ﷾ واستحقاقه للعبادة. الحاصل: أن النظر هنا عُدي بـ (إلى) ومعناه: الرؤية والمعاينة. وقال ﷾: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) [يونس: ٢٦] فسر النبي ﷺ (الحسنى) بأنها الجنة، وفسر (الزيادة) بأنها
[ ٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا في صحيح مسلم (١) .
وقال تعالى: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) [ق: ٣٥] المزيد: هو النظر إلى وجه الله الكريم.
وقال تعالى عن الكفار: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [المطففين: ١٥] فإذا كان الكفار محجوبون عن الله، أي: لا يرونه؛ لأنهم كفروا به في الدنيا فهم حجوبون عن النظر إليه يوم القيامة، وهذا أعظم حرمان وأعظم عذاب، والعياذ بالله، فدلت الآية على أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن الله يوم القيامة، وأنهم يرونه بالنظر إليه في الآخرة؛ لأنهم آمنوا به في الدنيا ولم يروه، وإنما استدلوا عليه سبحانه بآياته ورسالاته، فالله أكرمهم بالنظر إليه يوم القيامة.
والنظر إلى وجه الله ﷿ أعظم نعيم في الجنة.
هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهذه بعض أدلتهم من القرآن
وأما أدلتهم من السنة فكثيرة جدًا بلغت حد التواتر، كما قال العلامة ابن القيم في كتابه القيم "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، وساق الأحاديث الواردة في الرؤية وقد بلغت حد التواتر.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٨١) والترمذي رقم (٢٥٥٧) .
[ ٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منها: قوله ﵊: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، لا تُضامون في رؤيته -أو: لا تَضامُّون في رؤيته-" (١) . يعني: لا تزدحمون على رؤية الله ﷿؛ لأن كل واحد يرى الرب وهو في مكانه من غير زحام كما أن الناس يرون الشمس والقمر من غير زحام؛ لأن العادة إذا كان الشيء في الأرض وخفي يزدحمون على رؤيته ولكن إذا كان الشيء مرتفعًا كالشمس والقمر فإنهم لا يزدحمون على رؤيته، كلٌ يراه وهو في مكانه، إذا كان هذا في المخلوق الشمس والقمر، فكيف في الخالق ﷾؟
ولم ينكر الرؤية إلا أهل البدع كالجهمية والمعتزلة الذين ينفون الرؤية، يقولون: يلزم من إثبات الرؤية أن يكون الله في جهة، والله عندهم ليس في جهة، وهو عندهم لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمنه ولا يسرة، ليس في جهة، وهذا معناه أنه معدوم، تعالى الله عما يقولون، فنفوا الرؤية من أجل هذا الرأي الباطل.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٥٤، ٨٠٦، ٧٤٣٤) ومسلم رقم (١٨٢) بلفظ: "تضارون".
[ ٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأما الأشاعرة: لما لم يمكنهم إنكار الأدلة من الكتاب والسنة أثبوا الرؤية وقالوا: يُرى ولكن ليس في جهة، وهذا من التناقض العجيب! ليس هناك شيء يُرى وهو ليس في جهة، ولذلك رد عليهم المعتزلة؛ لأن هذا من المستحيل. وأهل السنة يقولون: يُرى ﷾ وهو في جهة العلو من فوقهم، فالجهة إن أريد بها الجهة المخلوقة فالله ليس في جهة؛ لأنه ليس بحال في خلقه ﷾. وإن أريد بها العلو فوق المخلوقات فهذا ثابت لله ﷿، فالله في العلو فوق السماوات، فالجهة لم يرد إثباتها أو نفيها في كتاب الله، ولكن يقال فيها على التفصيل السابق. ومعنى: "بغير إحاطة ولا كيفية" أنهم لا يحيطون بالله ﷿، ويرونه سبحانه بغير إحاطة، والله عظيم لا يمكن الإحاطة به، قال سبحانه: (ولا يحيطون به علمًا) [طه: ١١٠]، وقال جل وعلا: (لا تدركه الأبصار) [الأنعام: ١٠٣] يعني: لا تحيط به، وليس معناه: لا تراه؛ لأن الله ﷾ لم يقل: لا تراه الأبصار، إنما قال: (لا تدركه الأبصار) فالإدراك شيء والرؤية شيء آخر، فهي تراه سبحانه بدون إحاطة، وفي هذا رد على من استدل بهذه الآية على نفي الرؤية وقال: الرؤية لا تمكن؛ لأن الله
[ ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال: (لا تدركه الأبصار) . فنقول لهم: أنتم لا تعرفون معنى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) . (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)، معناها: لا تحيط به، وليس معناه: لا تراه، ولم يقل سبحانه: لا تراه الأبصار. واستدلوا أيضًا فقالوا: موسى ﵇ قال: (رب أرني أنظر إليك قال لن تراني) [الأعراف: ١٤٣] هذا دليل على نفي الرؤية. نقول لهم: هذا في الدنيا، لأن موسى سأل ذلك في الدنيا، ولا أحد يرى الله في الدنيا لا الأنبياء ولا غيرهم، وأما في الآخرة فيرى المؤمنون ربهم، وحال الدنيا ليست كحال الآخرة، فالناس في الدنيا ضعاف في أجسامهم وفي مداركهم، لا تستطيع أن ترى الله ﷿، وأما في الآخرة فإن الله يعطيهم قوة يستطيعون بها أن يروا ربهم -جل وعلا- إكرامًا لهم. ولهذا لما سأل موسى ربه في هذه الآية: (قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا) [الأعراف: ١٤٣] الجبل اندك وصار ترابًا، والجبل أصم صلب، فكيف بالمخلوق المكون من لحم ودم وعظام؟ فهو لا يستطيع رؤية الله في الدنيا. وسؤال موسى رؤية الله دليل على جواز الرؤية وإمكانها؛ لأن
[ ٧٨ ]