ــ
هو حوض النبي ﷺ، فيجب الإيمان به واعتقاده، وأن يتمسك الإنسان بالسنة، حتى يرد هذا الحوض، ولا يُردّ عنه يوم القيامة.
الشفاعة أيضًا من مسائل العقيدة المهمة (١)؛ لأنه قد ضل في إثباتها أناس، وغلا في إثباتها أناس، وتوسط فيها أناس.
فالشفاعة يوم القيامة الناس فيها على ثلاثة أقسام:
قوم غلوا في إثباتها حتى طلبوها من الأموات ومن القبور ومن الأصنام والأشجار والأحجار (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) [يونس: ١٨]، (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) [الزمر: ٣] .
_________________
(١) حديث الشفاعة أخرجه البخاري رقم (٣٣٤٠، ٤٧١٢، ٧٥١٠) ومسلم رقم (١٩٣، ١٩٤) . وفيه: "ائتوا النبي ﷺ فيأتوني فأسجد تحت العرش فيقال: يا محمد أرفع رأسك واشفع تشفع وسل تعطه".
[ ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وطائفة غلت في نفي الشفاعة كالمعتزلة والخوارج، فإنهم نفوا الشفاعة في أهل الكبائر، وخالفوا ما تواترت به الأدلة من الكتاب والسنة في إثبات الشفاعة. وأهل السنة والجماعة توسطوا فأثبتوا الشفاعة على الوجه الذي ذكره الله ورسوله، وآمنوا بها من غير إفراط ولا تفريط. والشفاعة في اللغة مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر، فالوتر هو الفرد الواحد. والشفع هو أكثر من واحد، اثنين أو أربعة أو ستة، وهو ما يسمى بالعدد الزوجي. وشرعًا: الوساطة في قضاء الحاجات، وساطة بين من عنده الحاجة وصاحب الحاجة، وهي على قسمين: شفاعة عند الله، وشفاعة عند الخلق. فالشفاعة عند الخلق على قسمين: شفاعة حسنة، وهي الأمور الحسنة النافعة المباحة، تتوسط عند من عنده حاجات الناس من أجل أن يقضيها لهم، قال سبحانه: (من يشفع شفاعةً حسنة يكن له نصيب منها) [النساء: ٨٥]، وقال ﵊: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان
[ ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رسوله ما شاء" (١) . هذه شفاعة حسنة وفيها أجر؛ لأن فيها نفعًا للمسلمين في قضاء حاجاتهم وحصولهم على مطلوبهم الذي فيه نفع لهم، وليس فيها تعدّ على أحد أو ظلمٌ لأحد.
والقسم الثاني: شفاعة سيئة، وهي التوسط في أمور محرمة، كالشفاعة في إسقاط الحدود إذا وجبت، وهذا يدخل فيمن لعنه النبي ﷺ في قوله: "لعن الله من آوى محدثًا" (٢) . والشفاعة أيضًا في أخذ حقوق الآخرين وإعطائها لغير مستحقها، قال تعالى: (ومن يشفع شفعة سيئة يكن له كفلٌ منها) [النساء: ٨٥] .
أما الشفاعة عند الله فليست كالشفاعة عند المخلوق، فالشفاعة عند الخالق: أن يكرم الله جل وعلا بعض عباده في أن يدعو لأحد المسلمين المستحقين للعذاب بسبب كبيرة ارتكبها، فيشفع عنده الشافع في أن يعفو عنه ولا يعذبه؛ لأنه مؤمن موحد،
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٤٣٢) ومسلم رقم (٢٦٢٧) .
(٢) فعن علي ﵁ قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ﷺ: "المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل" أخرجه البخاري رقم (١٨٧٠) ومسلم رقم (١٣٧٠) .
[ ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فيشفع الشافع عند الله جل وعلا بأن يعفو عنه، أو فيمن دخل النار في معصية فيشفع الشافع عند الله في أن يخرج ويرفع عنه العذاب، وهي ما تسمى بالشفاعة في أهل الكبائر. لكن الشفاعة عند الله يشترط لها شرطان: الشرط الأول: أن تكون بإذن الله، فلا أحد يشفع عند الله إلا بإذن، فهو الذي يأذن للشافع أن يشفع، أما من قبل أن يأذن فلا أحد يتقدم إلى الله ﷿: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) [البقرة: ٢٥٥]، وليس كالمخلوق الذي يتقدم الناس للشفاعة عنده وإن لم يأذن، فالله جل وعلا لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه. الشرط الثاني: أن يكون المشفوع فيه من أهل التوحيد وأهل الإيمان، ممن يرضى الله عنهم قولهم وعملهم، (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) [الأنبياء: ٢٨]، أي: رضي الله قوله وعمله، وجاء الشرطان في قوله تعالى: (إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) [النجم: ٢٦] . أن يأذن الله هذا الشرط الأول، ويرضى هذا الشرط الثاني. أما الكافر فإنه لا تنفعه الشفاعة (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) [المدثر: ٤٨]، (ما للظالمين من حميم ولا شفيع
[ ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يطاع) [غافر: ١٨] فالشفاعة في القرآن شفاعتان؛ شفاعة منفية وهي التي انتفت شروطها، وشفاعة مثبتة وهي التي تحققت شروطها. فالكافر لا تنفعه الشفاعة؛ لو شفع فيه أهل السماوات وأهل الأرض ما قبل الله فيه شفاعتهم؛ لأنه مشرك كافر بالله ﷿، لا يرضى الله قوله ولا عمله، إلا ما جاء في شفاعة النبي ﷺ في عمه أبي طالب، فهي شفاعة خاصة، وأيضًا ليست شفاعة من أجل خروجه من النار، إنما هي شفاعة من أجل تخفيف العذاب عن هذا الرجل؛ لما حصل منه من مؤازرة النبي ﷺ وحمايته له -﵊- والمدافعة عنه، فالنبي ﷺ يشفع في تخفيف العذاب عنه فقط. هذه هي الشفاعة الثابتة بشروطها، وهي أنواع: منها أنواع خاصة بالنبي ﷺ، وأنواع مشتركة بينه وبين غيره من الأنبياء، والملائكة والصالحين والأفراط الذين ماتوا قبل البلوغ، كل هؤلاء يشفعون عند الله ﷾. وأما الشفاعة الخاصة بالنبي ﷺ فهي أنواع: أولها: شفاعته ﵊ في أهل الموقف إذا طال
[ ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الموقف يوم القيامة، واشتد الكرب، واشتد الزحام، ودنت الشمس من الرؤوس، وحصل الكرب العظيم، أهل المحشر يريدون من يشفع لهم لفصل القضاء بينهم وصرفهم من هذا الموقف: إما إلى جنة وإما إلى نار؛ فيذهبون إلى آدم ﵇ فيعتذر لهيبة المقام وجلالته، ثم يذهبون إلى نوح ﵇ أول الرسل فيعتذر، ثم يذهبون إلى موسى كليم الله فيعتذر، ثم يذهبون إلى عيسى ﵇ فيعتذر أيضًا، ثم يذهبون إلى محمد ﷺ فيقول: "أنا لها، أنا لها" ثم يأتي فيخر ساجدًا بين يدي الله ﷿، ويحمده ويثني عليه ويدعوه حتى يقال له: "ارفع رأسك، وسل تُعطه، واشفع تشفع" (١) بعد الدعاء والاستئذان، لا يشفع مباشرة، بل يسجد ويدعو ويثني على الله ويتوسل إليه بأسمائه وصفاته، ثم يؤذن له بالشفاعة، ثم يشفع للفصل بين الخلائق فيقبل الله شفاعته، ويأتي ﷾ لفصل القضاء بين عباده، قال سبحانه: (كلا إذا دكت الأرض دكًا دكًا* وجاء ربك والملك صفًا صفًا) [الفجر: ٢١، ٢٢] وقال سبحانه: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر) [البقرة: ٢١٠] .
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٣٤٠، ٤٧١٢)، ٧٥١٠) ومسلم رقم (١٩٣، ١٩٤) .
[ ٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذه شفاعته ﵊ في الفصل بين الخلائق، وهي مقام عظيم شرّف الله به النبي ﷺ، وهي المقام المحمود الذي قال الله سبحانه فيه: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا) [الإسراء: ٧٩]؛ لأنه يحمده عليه الأولون والآخرون، ويظهر فضله ﵊ في هذا الموقف العظيم.
الشفاعة الثانية: الخاصة بالنبي ﷺ: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة (١)، فأول من يستفتح باب الجنة هو محمد ﷺ، وهو أول من يدخلها (٢)، وأول من يدخلها من الأمم أمته ﵊.
_________________
(١) فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أنا أول شفيع في الجنة" أخرجه مسلم رقم (١٩٦) .
(٢) فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "آتي باب الجنة يوم القيامة، فاستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحدٍ قبلك". أخرجه مسلم رقم (١٩٧) .
[ ١٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الشفاعة الثالثة: الخاصة بالنبي ﷺ: شفاعته لأهل الجنة بأن يرفع الله منازلهم ودرجاتهم، فيشفع في أناس في أن يرفع الله درجاتهم في الجنة، فيرفعهم الله بشفاعته ﵊. الشفاعة الرابعة: -وهي مشتركة- الشفاعة في أهل الكبائر من المؤمنين فيمن استحق دخول النار أن لا يدخلها، وفي من دخلها أن يخرج منها، وهذه هي محط الخلاف بين الفرق؛ فالجهمية والخوارج وأضرابهم أنكروها وقالوا: من دخل النار لا يخرج منها، وأهل السنة والجماعة أثبتوها كما جاءت واعتقدوها، ويجب على المسلم أن يعتقدها ويؤمن بها، وأن يسأل الله أن يُشفع فيه نبيه ﵊؛ لأنه بحاجة إليها. الشفاعة الخامسة: وهي خاصة بالنبي ﷺ، وهي شفاعته في عمه أبي طالب، أبو طالب مات على الشرك وعلى دين عبد المطلب المشرك، قال: هو على ملة عبد المطلب، ومات على ذلك، فصار من أهل النار الخالدين فيها. ولكن الله ﷿ يشفع رسوله ﵊ في تخفيف العذاب عنه، فيكون في ضحضاح من نار، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، مع أنه أهون أهل النار
[ ١٠١ ]