ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم
_________________
(١) العقاب بأفعاله هو لا بأفعال الله سبحانه، فالعبد هو المصلي والمزكي والحاج والمجاهد، فالأعمال تنسب إليه لا إلى الله، إلا من جهة الخلق والعلم والتقدير والتوفيق. لا شك أن كل شيء بتقديره لا يخرج عن تقدير الله من الخير والشر، والطاعة والمعصية، والكفر والإيمان، والمرض والصحة، والغنى والفقر، والعلم والجهل، كل شيء يجري بتقديره، وليس في ملكه شيء لم يقدره ولا يريده. الله ﷾ له مشيئة، والعباد لهم مشيئة، ولكن مشيئة العباد مرتبة على مشيئة الله، وليست مستقلة، ولهذا قال سبحانه: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا) [الإنسان: ٣٠] وقال سبحانه: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) [التكوير: ٢٩] فجعل لنفسه مشيئة هي من صفاته، وجعل لعباده مشيئة هي من صفاتهم، وربط مشيئتهم بمشيئته سبحانه، وفي هذا رد على القدرية والجبرية: فالقدرية ينفون مشيئة الله لأفعال العباد، ويجعلون للعبد مشيئة مطلقة، وأن العبد
[ ٥٠ ]
كان، وما لم يشأ لم يكن:
ــ
مستقل بأفعاله وإرادته ومشيئته، هذا مذهب القدرية من المعتزلة وغيرهم. والجبرية يقولون: العبد ليس له مشيئة، وإنما المشيئة لله فقط، والعبد يتحرك بدون اختياره ولا إرادته، مثل ما تحرك الآلة. فطائفة غلت في إثبات مشيئة الله وطائفة غلت في إثبات مشيئة العبد.
وأما أهل السنة والجماعة: فأثبتوا المشيئتين، وجعلوا مشيئة العبد مربوطة بمشيئة الله، أخذًا من الآيتين السابقتين فقوله: (وما تشاءون) فيه إثبات مشيئة العباد، وقوله: (إلا أن يشاء الله) فيه إثبات مشيئة الله ﷿، وفي الآية أن مشيئة العبد ليست مستقلة، وإنما هي مربوطة بمشيئة الله؛ لأنه خلق من خلق الله، خلقه وخلق مشيئته وخلق إرادته، ولهذا لما قال بعض الناس للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت، قال ﵊: "أجعلتني لله ندًا؟ " أي: شريكًا في المشيئة "قل: ماشاء الله وحده" (١) . ولما بلغ النبي ﷺ أن
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧، والبخاري في الأدب المفرد رقم (٧٨٣) وابن ماجه رقم (٢١١٧) والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم (٩٨٨) .
[ ٥١ ]