(١٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(الثالثةُ: تكرَّر في القرآنِ ذكرُ المخلوقاتِ، والتنبيهُ على الاعتبارِ في الأرضِ والسماوات، والحَيَوانِ والنبات، والرياحِ والأمطار، والشمسِ والقمَر، والليلِ والنهار؛ وذلك أنها تَدُلُّ بالعقلِ على عشَرَةِ أمورٍ؛ وهي:
١ - أنَّ اللهَ موجودٌ؛ لأنَّ الصنعةَ دليلٌ على الصانِعِ لا محالةَ.
٢ - وأنَّه واحدٌ لا شريكَ له؛ لأنَّه لا خالقَ إلَّا هو: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧].
٣ - ٦: وأنه حيٌّ، قديرٌ، عالِمٌ، مُرِيد؛ لأنَّ هذه الصفاتِ الأربعَ مِنْ شروطِ الصانِع؛ إذْ لا تصدُرُ صنعةٌ عمَّن عُدِمَ صفةً منها.
٧ - وأنه قديمٌ؛ لأنه صانعٌ للمحدَثاتِ؛ فيَستحِيلُ أن يكونَ مِثْلَها في الحدوث.
٨ - وأنه باقٍ؛ لأنَّ ما ثبَتَ قِدَمُه، استحالَ عَدَمُه.
٩ - وأنه حَكِيمٌ؛ لأنَّ آثارَ حِكْمَتِهِ ظاهرةٌ في إتقانِهِ للمخلوقات، وتدبيرِهِ للملكوت.
١٠ - وأنه رحيمٌ؛ لأنَّ في كلِّ ما خلَقَ منافعَ لبني آدَمَ؛ سَخَّرَ لهم ما في السماواتِ وما في الأرض.
[ ٤٠ ]
وأكثَرُ ما يأتي ذِكْرُ المخلوقاتِ في القرآنِ: في مَعرِضِ الاستدلالِ على وجودِهِ تعالى، أو على وحدانيَّته) (^١).
قولُهُ: (لأنَّه لا خالقَ إلَّا هو):
هذا توجيهٌ لدَلَالةِ المخلوقاتِ على أنه واحدٌ؛ وهذا ليس بجيِّد في صياغةِ الاستدلال؛ لأنه تعليلٌ للشيءِ بنَفْسِه؛ فكأنه قال: «دلَّت على أنه واحدٌ؛ لأنه واحدٌ»؛ ولا يخفى ما فيه.
وقولُهُ: (وأكثَرُ ما يأتي ذِكْرُ المخلوقاتِ في القرآنِ: في مَعرِضِ الاستدلالِ على وجودِهِ تعالى، أو على وحدانيَّته):
في هذا نظَرٌ؛ فإنَّ المخاطَبِينَ ليسوا جاحِدِينَ لوجودِ الله؛ بل مُشرِكِينَ في العبادة؛ فالمقصودُ الأوَّلُ مِنْ ذكرِ المخلوقاتِ: الاستدلالُ بها على توحيدِ الإلهيَّة، وهم يُقِرُّونَ بأنه الخالِقُ لهذه المخلوقاتِ؛ فاحتُجَّ عليهم بما أقَرُّوا به على ما أنكَرُوهُ مِنْ توحيدِ الإلهيَّة؛ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون (٣٥)﴾ [الصافات]، ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، ولمَّا قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]، أتبَعَ ذلك بقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِنْ مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٢٨٦ - ٢٨٧).
[ ٤١ ]
١٦٤)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
فتضمَّنتِ الآيتانِ الأمرَ بعبادتِهِ تعالى، والنهيَ عن الشِّرْكِ به، وذِكْرَ المقتضي لذلك؛ وهو خلقُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وخلقُ السماواتِ والأرضِ وما بينهما، ونظائرُ ذلك كثيرةٌ.
* * * *
[ ٤٢ ]