(٢٥)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في كلامِه على مقام الذِّكْر:
(وللناسِ في المَقصِدِ بالذِّكْرِ مقامان:
- فمَقصِدُ العامَّة: اكتسابُ الأجور.
- ومَقصِدُ الخاصَّة: القربُ والحضور.
وما بين المقامَيْنِ بَوْنٌ بعيد؛ فكم بين مَنْ يأخُذُ أجرَهُ وهو مِنْ وراء حجاب، وبين مَنْ يُقرَّبُ حتى يكونَ مِنْ خواصِّ الأحباب!) (^١).
قولُهُ: (وللناسِ في المَقصِدِ بالذِّكْرِ مقامان …)، إلخ:
تضمَّن كلامُهُ هذا ﵀: أنَّ الذاكِرِينَ نوعان: عامَّةٌ وخاصَّةٌ، وأنَّ مقصود العامَّةِ بالذكرِ: اكتسابُ الأَجْر، وأنَّ مقصودَ الخاصَّةِ القربُ مِنْ الله، ويدخُلُ في الخاصَّةِ: الأنبياءُ والصِّدِّيقون.
وهذا التقسيمُ والتفاضُلُ بين الذاكِرِينَ صحيح، وهو يجري في كلِّ الطاعات؛ فالمؤمِنون، منهم: الأبرارُ أصحابُ اليمين، ومنهم: المقرَّبون السابِقون، كما جاء هذا التقسيمُ في سورةِ الواقِعةِ والإنسانِ والمطفِّفين، ومنه ما ذُكِرَ في سورةِ فاطِر.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٧٥).
[ ٦٢ ]
ولكن يُستدرَكُ على الشيخِ ابنِ جُزَيٍّ ﵀: ما يُوهِمُهُ كلامُهُ مِنْ أنَّ الخاصَّةَ لا طمَعَ لهم في الأجور، وهذا يُخالِفُ ما وصَفَ اللهُ به أنبياءَهُ وأولياءَه؛ مِنْ رجاءِ رحمتِهِ وخوفِ عذابِه، مع طلبِ القُرْبِ لديه في قولِهِ تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]؛ فهم يَعْبُدون اللهَ في ثلاثة مَقامَات: مقامِ الحُبِّ، ومقامِ الخوفِ، ومقامِ الرجاء (^١).
وكلامُهُ ﵀ يُوهِمُ ما تقولُهُ جَهَلةُ الصوفيَّةِ (^٢) مِنْ أنَّ العارفَ لا يعبُدُ اللهَ طمعًا في جَنَّتِه، ولا خوفًا مِنْ نارِه (^٣)؛ ويَرُدُّ هذا الزعمَ آياتٌ
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦١) و(١٠/ ٨١)، و«مدارج السالكين» (٢/ ٣٦. ط دار الكتاب العربي).
(٢) الصوفية: هو نسبة إلى لُبس الصوف، هذا هو الصحيح، كما قال شيخ الإسلام في الفرقان (ص ١٢٩). وقد عرفوا في بادئ الأمر بالزهد والعبادة، وكانت لهم أحوال أنكرها عليهم الأئمة، ثم تطور الأمر إلى أن دخل في التصوف فلاسفة الصوفية والزنادقة؛ فأدخلوا فيه القول بالحلول والاتحاد، والقول بالظاهر والباطن، وغيرها من البدع المكفرة. ينظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥ - ٢٠)، و«النبوات» (١/ ٢٨٠ - ٢٨٤)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ١٦٩)، و«بيان حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود -مجموع الفتاوى-» (٢/ ١٣٤ - ٢٨٥).
(٣) قال شيخ الإسلام: «هذا القائل ظنَّ - هو ومَن تابعه - أن الجنة لا يدخل في مسماها إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح، ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات؛ ولهذا قال بعض مَنْ غلط مِنْ المشائخ لما سمع قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ)﴾ [آل عمران: ١٥٢] قال: فأين من يريد الله؟! وقال آخر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] قال: إذا كانت النفوس والأموال بالجنَّة فأين النظر إليه؟! وكل هذا لظنِّهم أنَّ الجنَّة لا يدخل فيها النظر، والتحقيق: أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم، وأعلى ما فيها: النظر إلى وجه الله، وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة، كما أخبرت به النصوص،=
[ ٦٣ ]
كثيرةٌ مِنْ كتاب الله ﷿؛ كقولِه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء].
* * * *
_________________
(١) =وكذلك أهل النار، فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفًا بما يقول فإنما قصده أنك لو لم تخلق نارًا، أو لو لم تخلق جنَّة لكان يجب أن تُعبد، ويجب التقرب إليك، والنظر إليك، ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق». «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٢). وينظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٧٩).
[ ٦٤ ]